story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الانتخابات والاعتقال السياسي

ص ص

يستعد المغرب لانتخابات جديدة، وككل مرة يعود الحديث عن المشاركة السياسية، وعن التنافس الحزبي، وعن البرامج والوعود والتحالفات الممكنة. غير أن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه قبل كل ذلك ليس: من سيفوز؟ بل أي معنى يمكن أن تحمله الانتخابات داخل فضاء ما تزال الحرية فيه جريحة، وما يزال الخوف فيه حاضرا في الذاكرة الجماعية للشباب وللعائلات وللمجتمع بأكمله؟

فالانتخابات، في معناها الديمقراطي النبيل، ليست مجرد طقس دوري لتبديل الوجوه، ولا مناسبة عابرة لإعادة توزيع المواقع والنفوذ، بل هي لحظة تعاقد سياسي وأخلاقي بين الدولة والمجتمع، لحظة يفترض أن يشعر فيها المواطن.ة بأن صوته ليس مجرد رقم داخل صندوق، بل قيمة سياسية قادرة على التأثير في مصير البلاد وفي شكل السلطة وفي طبيعة المستقبل.

الديمقراطية ليست صناديق اقتراع معزولة عن سياقها، بل مناخ كامل من الحرية والثقة والكرامة. تبدأ قبل يوم التصويت بكثير: تبدأ من الحق في الكلام دون خوف، ومن الحق في الاختلاف دون عقاب، ومن الحق في الاحتجاج دون أن يتحول الشارع إلى طريق نحو السجن. تبدأ حين يشعر المواطن.ة أن رأيه لا يهدد وجوده، وأن مشاركته السياسية ليست مغامرة محفوفة بالعقوبات.

لكن أي معنى يمكن أن نحمله للانتخابات، ونحن ندخلها وما تزال السجون تضم شبابا اعتُقلوا لأنهم حلموا بوطن أكثر عدلا؟

كيف يمكن الحديث عن التنافس السياسي، بينما جزء من المجتمع ما يزال يدفع ثمن الكلمة والموقف والاحتجاج؟

عندما تُجرى الانتخابات المقبلة، سيكون معتقلو حراك الريف قد أمضوا ما يقارب عقدا كاملا خلف القضبان. عشر سنوات من العمر ليست مجرد رقم زمني؛ إنها جيل كامل أُنهك بالخوف، وأحلام كاملة جرى تأديبها بالعقاب، ورسالة سياسية قاسية مفادها أن المطالبة بالكرامة قد تتحول إلى تهمة، وأن الحلم بالتنمية والعدالة الاجتماعية قد يقود إلى الزنازين بدل أن يقود إلى الإصلاح.

ولم يكن الريف سوى جزء من جرح طويل.

فبعده جاء شباب آخرون، من جيل جديد خرج مثقلا بالخيبة وبالإحساس العميق بالحكرة والتفاوت وانسداد الأفق، شباب لم يطلب أكثر من حقه في التعبير عن الغضب، فوجد نفسه بدوره أمام المتابعات والاعتقالات وأحكام الردع. وبين هؤلاء وهؤلاء، هناك صحفيون.ات ومدونون.ات ومدافعات ومدافعون عن حقوق الإنسان، تحولوا لأنهم تكلموا، أو كتبوا، أو احتجوا، إلى ملفات قضائية بدل أن يكونوا جزءا من النقاش العمومي الطبيعي داخل أي مجتمع حي.

كيف يمكن أن نناقش البرامج الانتخابية بينما الفضاء العمومي نفسه لم يتحرر بعد؟

كيف يمكن أن نطلب من الشباب الإيمان بالسياسة، بينما السياسة نفسها ارتبطت في وعي كثيرين بالخوف والعقاب؟

وكيف يمكن بناء ثقة جماعية في المؤسسات، بينما الأمهات ما يزلن يحملن وجع الزيارات الطويلة إلى السجون، وقلق الانتظار، ومرارة الأحكام الثقيلة؟

إن أخطر ما يهدد الديمقراطية ليس فقط غياب الانتخابات، بل تحويلها إلى إجراء شكلي منفصل عن الحرية. فحين تُفرغ الانتخابات من شروطها السياسية والأخلاقية، تتحول إلى مجرد تدبير تقني للسلطة، لا إلى تعبير حقيقي عن الإرادة الشعبية.

لهذا، لا يمكن التعامل مع ملف المعتقلين السياسيين باعتباره ملفا جانبيا أو عبئا مؤجلا إلى ما بعد الاستحقاقات. إنه في صميم السؤال الديمقراطي نفسه. لأن القضية لا تتعلق فقط بأشخاص خلف القضبان، بل بمصير المجال العمومي كله: هل نريد مجتمعا يتكلم أم مجتمعا يخاف؟ هل نريد مواطنين.ات يشاركون لأنهم يؤمنون، أم أفرادا يصوتون لأنهم فقدوا القدرة على التغيير؟

إن الإفراج عن معتقلي الرأي، وعلى رأسهم معتقلو حراك الريف، والنساء المدافعات عن حقوق الإنسان، وشباب جيل “زد”، وكل من اعتُقل بسبب رأيه أو احتجاجه أو كلمته، ليس منّة ولا تنازلا سياسيا، بل ضرورة أخلاقية وتاريخية لبناء أي أفق ديمقراطي ممكن.

فالانتخابات ليست لحظة لتوزيع الغنائم، ولا موسما للضجيج والشعبوية والتشهير، بل يفترض أن تكون لحظة وطنية كبرى للمصارحة والمحاسبة وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة. ولا يمكن بناء هذه الثقة فوق الخوف، ولا فوق الصمت المفروض، ولا فوق جراح لم تُفتح لها أبواب العدالة والإنصاف.

إن البلاد التي تخاف من أصوات شبابها لا تستطيع أن تبني ديمقراطية حقيقية.

والدولة التي تضيق بالنقد والاحتجاج، تُحوّل السياسة من أداة للأمل إلى مصدر للرهبة.

أما المجتمعات التي تُعاقب أبناءها لأنهم حلموا، فإنها لا تؤجل فقط حريتهم، بل تؤجل مستقبلها بأكمله.

لهذا، فإن أول خطوة نحو انتخابات ذات معنى ليست الحملة الانتخابية، ولا التحالفات الحزبية، ولا الشعارات الكبرى، بل تحرير المجال العمومي، ورد الاعتبار للحرية، وإعادة الاعتراف بحق الناس في الكلام والاختلاف والاحتجاج دون خوف.

لأن الديمقراطية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، بل بقدرة المواطن على أن يرفع صوته دون أن يفقد حريته و كرامته و حقوقه.