story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الاتفاق السعودي-الأمريكي.. توازن نووي جديد

ص ص

توصلت الولايات المتحدة الامريكية والمملكة العربية السعودية أخيرا إلى اتفاق نووي غير مسبوق في العلاقات بين البلدين، في تطور أعاد فتح النقاش حول توازنات النظام النووي في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا وأن الاتفاق بين واشنطن والرياض يأتي في سياق مضطرب، إقليميا ودوليا، يتميز، على المستوى الإقليمي، بالحرب على إيران وقبلها الإبادة في غزة، وهما حدثان مترابطان أفضيا إلى زعزعة الأمن الإقليمي وتوازنات القوى.

كما يتميز، على المستوى الدولي، باشتداد التنافس بل الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين. لذا، فإن الاتفاق النووي بين السعودية وأمريكا، وبصرف النظر عن تقلبات مواقف الرئيس الأمريكي، لن يُنظر إليه كإطار ثنائي للتعاون في مجال الطاقة النووية السلمية فقط، بل باعتباره حدثا استراتيجيا قد يفتح المنطقة على مرحلة جديدة في إدارة الملف النووي.

لقد قامت السياسة الأمريكية بخصوص الانتشار النووي في الشرق الأوسط، طوال عقود، على مبدأ أساسي يتمثل في الحد من انتقال التكنولوجيا النووية الحساسة إلى دول المنطقة، باستثناء إسرائيل، وربط أي تعاون نووي بحزمة صارمة من الضمانات القانونية والتقنية، انطلاقا من قناعة راسخة لدى الأمريكيين تفيد أن منع الانتشار النووي في منطقة تعد مساحة للاحتكاك الاستراتيجي بين الغرب والشرق، يظل السبيل الأكثر فعالية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

غير أن الحرب الأخيرة على إيران كشفت حدود هذه المقاربة، إذ أظهرت أن القوة العسكرية، رغم قدرتها على التدمير الجزئي للبرامج النووية أو حتى تعطيل بعض مكوناتها، إلا أنها لا تستطيع القضاء تماما على المعرفة النووية، أو إزالة البنية العلمية والتكنولوجية التي راكمتها إيران.

من جهة أخرى، أظهرت الحرب على إيران حجم التغيير في البيئة الإقليمية، بفعل تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى على الصعيد الدولي، وازدياد أهمية التكنولوجيا النووية باعتبارها إحدى أدوات النفوذ الجيوسياسي. فإلى جانب إيران، التي باتت تصنف دولة عتبة نووية، أبانت عدة قوى إقليمية عن تطلعات أكيدة في امتلاك التكنولوجيا النووية، منها تركيا والإمارات ومصر، وهي دول أبرمت اتفاقات مع القوى النووية، خصوصا روسيا والصين وأمريكا.

في هذا السياق إذن، يكتسب الاتفاق الأمريكي السعودي أهمية خاصة، فهو لا يعكس عمق العلاقات الأمريكية–السعودية فقط، بل يكشف عن مقاربة جديدة قد تعيد النظر فيما يسمى بالنظام النووي في الشرق الأوسط. وعليه، يمكن طرح عدة أسئلة: هل يمثل الاتفاق السعودي الأمريكي تطورا فرضته ظروف سياسية محددة، أم أنه يعبر عن تحول في العقيدة النووية الأمريكية؟ وهل نحن أمام بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها الولايات المتحدة من سياسة منع الانتشار النووي إلى سياسة إدارة الانتشار النووي في منطقة مشتعلة؟ وإلى أي حد يسهم هذا الاتفاق في إعادة تشكيل التوازن النووي في الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران؟ وهل يمكن اعتباره مؤشرا على أن واشنطن بدأت تبني استراتيجيتها الإقليمية على أساس التعايش مع استمرار إيران كدولة عتبة نووية، بدل الرهان على تدمير برنامجها النووي بصورة نهائية؟
الحرب على إيران تكسر التوازن التقليدي

يرى عدد من المحللين أن الاتفاق الأمريكي السعودي بشأن التعاون النووي يعبر عن تحول بارز في السياسة النووية الأمريكية في الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين. لا يتعلق الأمر بمضامين الاتفاق وبنوده، التي لم يكشف عنها بعد، بل قراءته ضمن السياق الإقليمي التي أفرزته الحرب على إيران، باعتبارها حدثا مفصليا في تاريخ المنطقة، قد يعيد صياغة أولويات الأمن الإقليمي، وفي قلبها النموذج التقليدي المتعلق بالملف النووي، أي سياسة منع الانتشار النووي.

طالما كانت أمريكا تزعم أن منع التكنولوجيا النووية الحساسة عن دول المنطقة،- بما في ذلك عن حلفائها مثل دول الخليج-، يمثل المدخل الرئيس للحفاظ على الأمن الإقليمي. وقد تجلت هذه السياسة في الكيفية التي تعاملت بها أمريكا مع الملف النووي الإيراني، بحيث لجأت أمريكا إلى العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، وتكثيف الرقابة الدولية، وفي الأخير شن حرب عدوانية ضد البرنامج النووي الإيراني. لكن يبدو أن الحرب لم تحقق هدفها، كما دلّ على ذلك الاتفاق الإيراني الأمريكي، أو ما سمي بمذكرة التفاهم. وبالتالي فقد كشفت تلك الحرب عن حدود النموذج التقليدي الأمريكي، فالقوة العسكرية قد تعيق تقدم البرنامج وتؤخره، لكنها لن تستطيع القضاء على المعرفة النووية، أو إزالة القدرات العلمية والتقنية التي راكمتها إيران. وبعبارة أخرى، لم يعد مستبعدا أن تعترف أمريكا في النهاية بإيران قوة نووية، وهو ما دلّ عليه الاتفاق/ مذكرة التفاهم بين الطرفين.

إزاء إيران نووية إذن، تجد أمريكا نفسها مضطرة لطمأنة حلفائها الإقليميين، خصوصا دول الخليج وتركيا. وهذا يعني أن الحرب على إيران، وبدل أن تنهي الملف النووي في الشرق الأوسط، أسهمت في إعادة إنتاجه ضمن توازنات جديدة، أصبح فيها تعزيز الشراكات الإقليمية مع الحلفاء لا يقل أهمية عن إضعاف الخصوم.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الاتفاق الأمريكي السعودي باعتباره مكافأة سياسية للمملكة، أو مجرد استجابة لاحتياجاتها التنموية في مجال الطاقة، أو حتى ورقة تفاوضية من أجل الضغط على السعودية للانضمام إلى اتفاقات أبراهام كما كشف عن ذلك الرئيس ترامب بعد التوقيع على الاتفاق بين وزيري الطاقة في البلدين، بل باعتبار ذلك الاتفاق أحد مكونات إعادة التموضع الاستراتيجي الأمريكي بعد نهاية الحرب على إيران. فالولايات المتحدة تدرك اليوم أن المحافظة على نفوذها في الخليج العربي، بات غير ممكن من خلال ما يسمى بالمظلة الأمنية التقليدية، وإنما عبر الارتباط طويل الأمد بالمشروعات التكنولوجية الكبرى، وفي مقدمتها البرامج النووية المدنية. وهي برامج لا تؤسس لعلاقات اقتصادية فقط، وإنما تنتج اعتمادا متبادلا يمتد لعقود، بما يجعلها أحد أكثر أدوات النفوذ الاستراتيجي.

فالاتفاق إذن يعكس مراجعة أمريكية لسياستها حول منع الانتشار النووي في المنطقة، وهي مراجعة تأتي في ظل بيئة دولية مختلفة؛ فروسيا نجحت في توظيف صادراتها النووية لبناء شبكات نفوذ ممتدة في الشرق الأوسط، سواء في إيران وتركيا ومصر، وهو توجه بدأ العقدين الأخيرين اتجاه إيران ثم تركيا ومصر. في حين كثفت الصين حضورها في مشاريع الطاقة والبنية التحتية، وأبدت استعدادا متزايدا لتوسيع تعاونها التكنولوجي مع دول المنطقة، ويبدو أنها دخلت في نقاش استراتيجي مع السعودية منذ سنة 2016 من أجل تمكينها من التكنولوجيا النووية السلمية. وهكذا، بفعل السياسة النووية لروسيا والصين في المنطقة، أصبحت واشنطن أمام تحديات إضافية، فلم تعد تواجه تحدي البرنامج النووي الإيراني فقط، بل أمام خطر فقدان حلفائها الاستراتيجيين، وبالتالي احتمال فقدان موقعها باعتبارها الشريك الاستراتيجي الأول للدول العربية في المجال النووي. وهو ما فرض عليها في النهاية التخلي عن سياستها المتشددة في نقل التكنولوجيا النووية إلى دول المنطقة، وهي دول حليفة لها في أغلبيتها، وبالتالي فأي تأخر في الاستجابة لهذه التحولات قد يحمل كلفة جيواستراتيجية أعلى من ذي قبل، لأنه قد يدفع الحلفاء إلى الارتباط أكثر بروسيا أو الصين.

من هنا نفهم كيف أسهمت الحرب على إيران في تسريع هذا التحول، إذ كلما فشلت أمريكا في تحقيق أهدافها السياسية من الحرب، كلما تقلصت قدراتها الاستراتيجية في المنطقة، ومن تم تفكك أو تلاشي النموذج التقليدي لمنع الانتشار النووي، والبحث عن معادلة أخرى تراعي التوازنات الجديدة، بما فيها القبول بإيران نووية. ففي السابق، كان الهدف يتمثل في الحد من انتشار التكنولوجيا النووية الحساسة داخل المنطقة، أما اليوم، فيبدو أن الأولوية أصبحت تتمثل في إدارة هذا الانتشار داخل فضاء الحلفاء، مع الإبقاء على آليات الرقابة والضمانات القانونية والسياسية التي تضمن استمرار النفوذ الأمريكي. وبهذا المعنى، لم يعد معيار القبول أو الرفض مرتبطا بطبيعة التكنولوجيا، بل أيضا بطبيعة العلاقة السياسية مع الدولة المالكة لها، وهو تحول يعكس انتقالا من منطق منع الانتشار إلى منطق إدارة الانتشار.

وعليه، فإن الحرب على إيران لا يمكن قراءتها باعتبارها نهاية للأزمة النووية في الشرق الأوسط، وإنما بوصفها نقطة تحول في منهجية التعامل معها. فإذا كان النموذج السابق يقوم على احتواء القدرات النووية ومنع انتشارها ولو بالقوة العسكرية الغاشمة، فإن النموذج الذي بدأ يتشكل بعد الحرب يقوم على توزيع منضبط للتكنولوجيا النووية داخل شبكة الحلفاء، بهدف الحفاظ على التوازن الإقليمي ومنع تمدد النفوذ الروسي والصيني. وفي هذا الإطار، يغدو الاتفاق الأمريكي السعودي أكثر من مجرد اتفاق للتعاون النووي المدني؛ بحيث يمثل أول تجسيد عملي لتحول أعمق في السياسة الأمريكية، وتحولا في بنية التوازن النووي الإقليمي، قد تكون تداعياته بعيدة المدى على مستقبل نظام عدم الانتشار في الشرق الأوسط والعالم.

إعادة تشكيل التوازن النووي

إذا كان الاتفاق الأمريكي السعودي يعكس تحولا في العقيدة النووية الأمريكية، فإن أهم نتائجه لا تتعلق بالولايات المتحدة وحدها، وإنما بتأثيره في بنية النظام الإقليمي للشرق الأوسط. فالاتفاق لا يضيف برنامجا نوويا جديدا إلى المنطقة فحسب، بل يعيد رسم العلاقة بين القوى الإقليمية الثلاث الأكثر تأثيرا في معادلة الأمن النووي، وهي إيران، والسعودية، وإسرائيل. ومن ثم، فإن قيمته الاستراتيجية تكمن في كونه يؤسس لمرحلة جديدة من التوازن النووي، تختلف عن تلك التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة.

خلال العقود الماضية، ارتكز النظام النووي في الشرق الأوسط على معادلة غير معلنة تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية: احتكار إسرائيل للردع النووي، ومحاولة منع إيران من تطوير قدرة نووية عسكرية، وحرمان بقية دول المنطقة من امتلاك دورة وقود نووي كاملة.

معادلة كانت في مصلحة إسرائيل أساسا، في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تقوم بدور الضامن الرئيسي لهذا التوازن من خلال الجمع بين الردع العسكري وسياسات منع الانتشار. غير أن التطورات التي أعقبت الحرب على إيران أظهرت أن هذه المعادلة لم تعد قادرة على الاستجابة للتحولات الجيوسياسية التي يشهدها الإقليم.

فإيران، رغم الضغوط والعقوبات والحرب عليها، لا تزال تمتلك قاعدة علمية وصناعية وخبرات بشرية تجعل من المستبعد العودة إلى مرحلة ما قبل برنامجها النووي. وحتى إذا تعرضت بعض منشآتها للتدمير أو التعطيل، فإن المعرفة النووية التي راكمتها أصبحت جزءا من قدراتها الوطنية، بما تتوفر عليه من علماء وباحثين وبنيات تحتية. وهذا يعني أن الحرب لن تؤد إلى إنهاء البعد النووي في معادلة القوة الإقليمية، بل جعلته من الآن فصاعدا أكثر ارتباطا بحسابات الردع العسكري والتوازن الاستراتيجي.

بالمقابل، يمنح الاتفاق مع المملكة العربية السعودية مسارا مؤسساتيا لتطوير برنامج نووي مدني تحت إشراف وشراكة أمريكية. ورغم أن الاتفاق يظل محكوما بقيود قانونية وضمانات رقابية، فإن دلالته السياسية تتجاوز كثيرا مضمونه التقني. فهو يمثل اعترافا أمريكيا بأن السعودية ينبغي أن تكون أحد الفاعلين الرئيسيين في البنية النووية الجديدة للشرق الأوسط، وأن أمن المنطقة لم يعد يقوم على احتكار التكنولوجيا النووية من قبل قوة واحد هي إسرائيل، وإنما على إدارتها داخل شبكة من الشركاء الاستراتيجيين. وبهذا المعنى، فإن البرنامج النووي السعودي لا يقرأ باعتباره مشروعا لإنتاج الطاقة فقط، بل كأداة في إعادة توزيع القوة بين المنطقة.

في هذا السياق، تواجه إسرائيل معادلة معقدة جدا، أكثر من أي وقت مضى. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، قامت عقيدتها الأمنية على منع أي دولة في الشرق الأوسط من امتلاك قدرات نووية يمكن أن تتحول مستقبلا إلى قدرات عسكرية، وهو ما برز، في مراحل مختلفة، بدءا من استهداف المفاعل العراقي سنة 1981، ثم تدمير المفاعل النووي السوري في سنة 2007، وفي الوقت نفسه دعم السياسات الغربية الرامية إلى احتواء البرنامج الإيراني. غير أن الاتفاق الأمريكي السعودي يفرض على إسرائيل واقعا جديدا، يتمثل في قبول حليفها الاستراتيجي بمنح دولة عربية مركزية برنامجا نوويا متقدما، حتى لو كان ضمن منظومة من الضمانات القانونية والرقابية. وهنا يظهر التوتر الجديد بين هدفين استراتيجيين: الحفاظ على التفوق النووي الإسرائيلي، وتعزيز التحالف الإقليمي في مواجهة إيران.

ومن ثم، فإن الاتفاق لا يعيد توزيع القدرات النووية بقدر ما يعيد توزيع ما يسمى بـ”الثقة الاستراتيجية” بين الفاعلين الإقليميين. فبدل أن يبقى التوازن قائما على الاحتكار الكامل للتكنولوجيا النووية من قبل إسرائيل، أصبح مفروضا على الولايات المتحدة الأمريكية إدارة فوارق القوة داخل منظومة من التحالفات المعقدة، ترفض فيها السعودية مثلا تطبيع علاقتها مع إسرائيل. وهذا التحول يقترب من منطق توازن الردع المنظم، أكثر من اقترابه من منطق الاحتكار النووي الذي ميز العقود السابقة. فالولايات المتحدة لم تعد تسعى إلى منع جميع البرامج النووية المدنية عن دول المنطقة، بل إلى ضمان أن تتطور هذه البرامج داخل فضاء سياسي وأمني يخدم استقرار النظام الإقليمي من منظورها، وبما يخدم مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

يفتح هذا التحول الباب أمام تحديات جديدة. فإذا حصلت السعودية على برنامج نووي مدني متقدم، فقد تجد دول إقليمية أخرى نفسها أمام مبرر سياسي وقانوني للمطالبة باتفاقيات مماثلة أو أفضل منها. وهنا يبرز خطر انتقال المنطقة من مرحلة الاحتكار النووي إلى مرحلة التعدد في القوى النووية، بما يحمله ذلك من انعكاسات على النظام القانوني الدولي لمنع الانتشار، وعلى موازين القوى الإقليمية، وعلى حسابات الردع المتبادل. فحتى وإن ظلت هذه البرامج ملتزمة بالاستخدامات السلمية، فإن انتشار المعرفة والبنية التحتية النووية سيغير، على المدى البعيد، البيئة الاستراتيجية التي تشكلت فيها سياسات الأمن في الشرق الأوسط.

وبناء عليه، يمكن القول إن الاتفاق الأمريكي السعودي لا يمثل مجرد تطور في العلاقات الثنائية بين واشنطن والرياض، بل يشكل بداية لمرحلة جديدة في تاريخ النظام الإقليمي. من الآن فصاعد، وفي حال التزمت الولايات المتحدة الأمريكية بتنفيذ الاتفاق على النحو المعلن عنه، كونه يسمح للسعودية بامتلاك دورة الوقود النووي كاملة، بما في ذلك التخصيب داخل الأراضي السعودية، فمعنى ذلك أننا أن التوازن النووي في الشرق الأوسط لن يبقى قائما على ثنائية احتكار إسرائيل للتكنولوجيا النووية في مقابل احتواء الطموح النووي لإيران، وإنما يتجه نحو نموذج أكثر تركيبا، قد تتعايش فيه برامج نووية مدنية متعددة داخل شبكة من التحالفات والضمانات الدولية.

وإذا كانت المرحلة السابقة قد اتسمت بالسعي إلى منع انتشار التكنولوجيا النووية، فإن المرحلة الجديدة تبدو أقرب إلى إدارة انتشارها وفق اعتبارات جيوسياسية واستراتيجية. ومن هنا، فإن الاتفاق لا يغير فقط موقع السعودية في الخريطة النووية للمنطقة، بل يسهم في إعادة تعريف مفهوم التوازن النووي ذاته، بوصفه توازنا يقوم على إدارة القدرات النووية، وليس على احتكارها من قبل قوة واحدة، وعلى تنظيم الردع الإقليمي وليس فقط على منع الانتشار.

خلاصة القول أن الاتفاق الأمريكي السعودي بشأن التعاون النووي المدني يكشف أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة تحول تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين واشنطن والرياض، وتمتد إلى إعادة تشكيل بنية الأمن النووي في المنطقة. فقراءة الاتفاق في سياق ما بعد الحرب على إيران تقود إلى استنتاج مفاده أن التحولات الجارية لا تقتصر على تعديل في أدوات السياسة الأمريكية، بل تعكس انتقالا أوسع في منهجية إدارة التوازنات الإقليمية، وفي كيفية توظيف التكنولوجيا النووية ضمن المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى.

ويؤكد الاتفاق أن الحرب على إيران لم تحقق الهدف التقليدي المتمثل في إنهاء المعضلة النووية الإيرانية، وإنما كشفت حدود الاعتماد على القوة العسكرية باعتبارها الأداة الوحيدة لمعالجة قضايا الانتشار النووي. فالمعرفة النووية لا يمكن تدميرها بالقصف، والبرامج النووية لا تختزل في منشآت مادية، بل تقوم على تراكم علمي ومؤسسي يصعب محوه. ومن ثم، دفعت الحرب الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في أدواتها، والانتقال من سياسة تقوم على منع انتشار التكنولوجيا النووية إلا على إسرائيل، إلى سياسة تقوم على إدارة انتشارها بين حلفائها.

وفي هذا السياق، برز الاتفاق الأمريكي السعودي بوصفه أول تجسيد عملي لهذا التحول. فهو لا يمنح المملكة العربية السعودية برنامجا نوويا مدنيا فحسب، بل يعكس إعادة تعريف العلاقة بين التكنولوجيا النووية والتحالفات الاستراتيجية. فالتكنولوجيا أصبحت وسيلة لإعادة هندسة البيئة الأمنية، وهو ما يجعل الاتفاق جزءا من استراتيجية أمريكية أوسع لإعادة تثبيت حضورها في الخليج في مواجهة التنافس الروسي والصيني.