story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أحزاب |

من طرفاية إلى الداخلة.. البام يفكّك نفوذ حليفيه في الصحراء

ص ص

يكشف استقطاب حزب الأصالة والمعاصرة كلا من الخطاط ينجا من حزب الاستقلال، وعبد الحي حرطون من التجمع الوطني للأحرار، انتقال التنافس داخل الأغلبية الحكومية من تدبير التحالف إلى صراع مفتوح على الأعيان والدوائر الانتخابية في الأقاليم الجنوبية.

فالحزب لم ينتزع مجرد اسمين من شريكيه، بل أصاب في كل حالة ركنا من أركان القوة الرمزية والانتخابية التي كان كل طرف يعوّل عليها في طريقه إلى استحقاقات 2026.

فالخطاط ينجا يقود جهة الداخلة–وادي الذهب منذ سنة 2015، ويتمتع بشبكة اقتصادية وانتخابية تتجاوز حدود حزبه السابق. وعبد الحي حرطون يمثل دائرة طرفاية في مجلس النواب ويرأس جماعتها، بما يجعله أحد أبرز مفاتيح التوازن المحلي في إقليم صغير من حيث السكان، لكنه مهم في الحسابات الانتخابية لجهة العيون–الساقية الحمراء.

بالنسبة إلى حزب الاستقلال، تتجاوز الخسارة موقعا جهويا وازنا إلى إسقاط واحدة من أهم الأوراق التي كانت تغذي توقعات تصدره للانتخابات المقبلة. فقد استندت قراءات عديدة إلى فرضية أن تنزيل الحكم الذاتي، إن دخل مرحلة عملية، سيمنح الحزب أفضلية سياسية ورمزية، بالنظر إلى رئاسته جهتي العيون–الساقية الحمراء والداخلة–وادي الذهب، أي الجهتين المعنيتين مباشرة بهذا الورش.

كان حضور الخطاط ينجا في الداخلة جزءا مركزيا من هذه الصورة، لأنه جمع بين رئاسة الجهة والشرعية الانتخابية والحضور في ملف الصحراء. وبخروجه، يفقد الاستقلال جزءا كبيرا من قدرته على تقديم نفسه باعتباره الحزب الأكثر تجذرا وتمثيلا في المجال الترابي الذي يُفترض أن يشكل قلب تنزيل الحكم الذاتي.

أما انتقال عبد الحي حرطون، فيصيب التجمع الوطني للأحرار في نقطة مختلفة، لكنها لا تقل حساسية. فالحزب الذي يتصدر المشهد السياسي، ويقود الحكومة، ويرتبط اسم رئيسه عزيز أخنوش بشبكة واسعة من النفوذ والعلاقات الاقتصادية والسياسية، يفقد نائبا برلمانيا ورئيس جماعة في دائرة كان يفترض أن يدخلها من موقع القوة.

ما جرى في طرفاية لا ينتزع من الأحرار مرشحا جاهزا فقط، بل يبدد جزءا من الهيبة التي يمنحها موقع رئاسة الحكومة للحزب المتصدر، ويكشف أن القوة المركزية لا تكفي دائما لحماية شبكاته المحلية من الاختراق.

بهاتين العمليتين، لم يكتف «البام» بتقوية حضوره في الصحراء، بل اقتطع رأسمالا انتخابيا ورمزيا مباشرا من الحزبين اللذين يدبر معهما الحكومة منذ 2021. أخذ من الاستقلال ورقة الصحراء التي كان يراهن عليها لتوسيع طموحه الوطني، وأخذ من الأحرار جزءا من صورة الحزب الأقوى والأقدر على الاحتفاظ بمنتخبيه.

وإذا كانت الأغلبية ما تزال قائمة على المستوى المؤسساتي، فإن ما جرى يؤكد أن منطقها انتهى عمليا عند عتبة الاستعداد للانتخابات، وأن التنافس بين مكوناتها لم يعد يدور حول البرامج فقط، بل حول السيطرة على الأعيان والمجالس ومفاتيح النفوذ المحلي.

ضربة مزدوجة

أعلن الخطاط ينجا، في 10 يوليوز 2026، مغادرة حزب الاستقلال والتحاقه رسميا بحزب الأصالة والمعاصرة، منهيا أسابيع من التكهنات حول مستقبله السياسي. وجاء الإعلان خلال محطة تنظيمية احتضنتها الداخلة، بحضور قيادة «البام»، بعد مسار قضى خلاله ينجا أكثر من عقد داخل حزب الاستقلال، وفاز باسمه برئاسة مجلس الجهة في استحقاقي 2015 و2021.

وفي اليوم نفسه، أعلن «البام» تزكية عبد الحي حرطون للترشح في دائرة طرفاية، بعدما كان يشغل مقعدها البرلماني باسم التجمع الوطني للأحرار، إلى جانب رئاسته المجلس الجماعي للمدينة.

وتكتسب الخطوة دلالة إضافية لأن التجمع الوطني للأحرار كان قد وضع اسم حرطون ضمن مرشحيه في طرفاية، قبل أن ينتقل إلى الحزب المنافس داخل الأغلبية. كما أن «البام» لم يستقطب مجرد مرشح محتمل، بل نائبا حاليا سبق له الفوز في الدائرة باسم الأحرار، ويملك قاعدة محلية بحكم رئاسته الجماعة.

وتكشف هذه الانتقالات طبيعة المرحلة التي دخلتها الأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية. فمع اقتراب الانتخابات، تتراجع مقتضيات التضامن الحكومي أمام حسابات البقاء والتصدر. ولا توجد، في التجربة المغربية، قاعدة سياسية تمنع أحزاب الحكومة من استقطاب أعيان بعضها بعضا، لكن توالي هذه العمليات يمنح التحالف صورة حكومة موحدة في البرلمان، وأحزابها تتبادل الضربات في الميدان.

ومنذ تشكيل حكومة عزيز أخنوش، حافظت الأحزاب الثلاثة على خطاب رسمي يقوم على الانسجام والاستقرار. لكن سباق 2026 يضعها أمام منطق آخر، لأن كل مقعد ينتزعه حزب من شريكه لا يغير موازين مجلس النواب المقبل فقط، بل يؤثر أيضا في ترتيب الأحزاب وفي موقعها داخل أي مفاوضات لاحقة لتشكيل الحكومة.

ومن هذه الزاوية، تبدو تحركات «البام» في الصحراء محاولة لرفع سقف طموحه من المحافظة على المرتبة الثانية إلى منافسة الأحرار على الصدارة وثطع الطريق أمام أي طموح لحزب الاستقلال لتصدّر المشهد.

فالحزب لا يبني عرضه الانتخابي عبر تجديد الخطاب أو تقديم وجوه تنظيمية جديدة فقط، بل يلجأ أيضا إلى استقطاب منتخبين يملكون قواعد جاهزة وقدرة ثابتة على الفوز.

لماذا الصحراء؟

تختلف المنافسة في الأقاليم الجنوبية عن عدد من الجهات الأخرى. فعدد الدوائر والمقاعد محدود، لكن القيمة السياسية للمنتخبين مرتفعة، بسبب تداخل البعد الانتخابي مع الاعتبارات القبلية والاقتصادية والدبلوماسية.

لذلك لا يُقاس وزن شخص مثل الخطاط ينجا بمقعد واحد، بل بشبكة من المنتخبين والتحالفات والمصالح والقدرة على التأثير في رئاسة المجالس.

يدخل ينجا إلى «البام» وهو رئيس لجهة ذات موقع استراتيجي، وليس مناضلا يبحث عن فرصة ترشح. وقد أعيد انتخابه سنة 2021 بأغلبية تجاوزت بكثير عدد المقاعد التي كان يملكها حزب الاستقلال داخل المجلس، مما أظهر أن تحالفه الشخصي أوسع من غطائه الحزبي. وانتقاله نحو لأصالة والمعاصرة قد يسمح بإعادة بناء جزء من المشهد السياسي في الداخلة حوله، بينما يفقد الاستقلال أهم وجه جهوي كان يستند إليه هناك.

أما في طرفاية، فإن استقطاب حرطون، فيضعف مباشرة خريطة الأحرار في جهة العيون–الساقية الحمراء. فالحزب الذي سبق أن قدمه ضمن مرشحيه يجد نفسه مطالبا بالبحث عن بديل في دائرة كان مرشحه المفترض يشغل مقعدها بالفعل. ويمنح هذا الانتقال حزب «البام» أفضلية مرشح يجمع بين الصفة البرلمانية ورئاسة الجماعة، أي بين الحضور الوطني والتحكم في شبكة محلية.

وبذلك انتقل الحزب في يوم واحد من منافسة حليفيه على المقاعد إلى انتزاع الأدوات التي كانا يعولان عليها لخوض المنافسة.

وتدل الطريقة التي أدار بها الحزب العمليتين، على استراتيجية انتخابية واضحة. فقد انتقلت قيادته إلى الأقاليم الجنوبية، وعقدت لقاءاتها مع المنتخبين في الميدان، وربطت إعلان المرشحين باستعراض التحاقات جديدة، بدل الاكتفاء ببلاغ مركزي من الرباط.

تقوم هذه المقاربة على استقطاب «الأقطاب المحلية»، من رؤساء الجهات والجماعات والبرلمانيين الذين يمتلكون شبكات قائمة، ويمكنهم نقل جزء من منتخبيهم وأنصارهم معهم. وهي استراتيجية توفر للحزب الوقت والموارد، لأنها تمنحه مرشحا وقاعدة وتنظيما محليا في حزمة واحدة، لكنها تكرس في المقابل اعتماد الأحزاب على الأشخاص أكثر من اعتمادها على الهياكل والبرامج.

وتبدو حالة الخطاط ينجا المثال الأكثر وضوحا. فقد التحق بحزب الاستقلال سنة 2014 وهو يحمل رصيدا اقتصاديا واجتماعيا جاهزا، ثم أصبح أحد أقوى وجوهه في الجنوب. وعندما غادره، بدا أن الحزب هو الذي خسر موقعا، أكثر مما بدا أن ينجا خسر إطارا سياسيا.

الأمر نفسه، بدرجة مختلفة، ينطبق على حرطون. فالقيمة التي يستهدفها «البام» ليست بطاقة عضويته السابقة في الأحرار، بل موقعه في طرفاية وقدرته على إعادة إنتاج فوزه تحت رمز جديد.

الخاسر الأكبر

من حيث الحجم الرمزي، يبدو حزب الاستقلال المتضرر الأكبر من انتقال ينجا. فقد خسر رئيس جهة ارتبط اسمه بحضوره في الداخلة طوال أكثر من عشر سنوات، وشخصية شاركت في تمثيل المغرب في مسار جنيف حول الصحراء، وتحولت إلى إحدى واجهات التنمية والاستثمار في المنطقة.

أما الأحرار، فقد تلقوا ضربة أكثر مباشرة من الناحية الانتخابية، لأن الأمر يتعلق بنائب حالي كان يفترض أن يدافع عن مقعده في طرفاية باسم الحزب. ويزداد وقع الانتقال لأن الحزب يقود الحكومة ويملك الموارد التنظيمية والسياسية التي يفترض أن تجعله أكثر قدرة على الاحتفاظ بمنتخبيه، لا أن يتحول إلى خزان مرشحين لمنافسه الرئيسي.

لكن الخسارتين لا تعنيان أن «البام» ضمن المقعدين. فالانتخابات في الأقاليم الجنوبية تخضع لتحالفات تبنى فوق كتبان متحركة، وقدرة الأحزاب المتضررة على تقديم بدائل قوية، فضلا عن أن انتقال الأعيان لا ينقل تلقائيا جميع أصواتهم وامتداداتهم.

ما حققه الحزب إلى الآن هو أفضلية سياسية ونفسية، حيث ظهر في موقع المهاجم، وأجبر شريكيه على الدفاع وإعادة ترتيب أوراقهما.