الخطاط ينجا.. من تندوف إلى مفتاح النفوذ في الداخلة
في المسار السياسي للخطاط ينجا ما يكاد يلخص تحولات عميقة عرفتها الأقاليم الجنوبية خلال العقود الأخيرة: شاب صحراوي غادر إلى مخيمات تندوف في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وعاد إلى المغرب في بداية التسعينيات، ثم انتقل من التعليم والإدارة إلى التجارة والصيد البحري، ثم دخل السياسة من باب التنمية الجهوية، إلى أن أصبح أحد أكثر المنتخبين الصحراويين حضورا في المشهدين الداخلي والدبلوماسي.
يصعب اختزال ينجا في صفة رئيس مجلس جهة الداخلة–وادي الذهب. فهو رجل أعمال راكم نفوذا اقتصاديا قبل دخوله الحقل الحزبي، ومنتخب جهوي اكتسب شرعيته من صندوق الاقتراع، وعضو سابق في الوفد المغربي إلى محادثات جنيف حول الصحراء، وواجهة لجذب المستثمرين إلى الداخلة.
مع انتقاله من حزب الاستقلال إلى حزب الأصالة والمعاصرة، أكد مرة أخرى أن وزنه يتجاوز الانتماء الحزبي، وأن التنافس حوله يتعلق بالتحكم في جزء مهم من الخريطة السياسية للأقاليم الجنوبية.
ابن الداخلة
وُلد الخطاط ينجا سنة 1962 بمدينة الداخلة، وهو ينتمي إلى قبيلة أولاد دليم، إحدى المكونات القبلية الكبرى الممتدة تاريخيا بين جنوب المغرب وموريتانيا. تلقى تكوينا جامعيا، واشتغل مدرسا لمادة الرياضيات في التعليم الثانوي، وهي خلفية أكاديمية غير مألوفة نسبيا بين كبار أعيان السياسة في المنطقة.
التحق في سن مبكرة بمخيمات تندوف، حيث عمل مدرسا للرياضيات وتولى مسؤولية داخل تنظيم شباب البوليساريو، قبل أن يغادر المخيمات متوجها أولا إلى موريتانيا، ثم عاد إلى المغرب سنة 1992.
لم تكن عودته إلى المغرب مجرد انتقال جغرافي، بل كانت بداية إعادة بناء كاملة لمساره. فقد انتقل، من الوظيفة العمومية إلى التجارة، ثم إلى الاستثمار في القطاعات التي كانت تشهد توسعا سريعا في الداخلة، وعلى رأسها الصيد البحري وتثمين المنتوجات البحرية.
وخلافا لعدد من المنتخبين الذين قادتهم المسؤولية السياسية إلى عالم الأعمال، دخل الخطاط ينجا السياسة بعدما كان قد راكم موقعا اقتصاديا وازنا. بدأ بتجارة السيارات المستعملة بين المغرب وموريتانيا ودول غرب إفريقيا، قبل أن ينتقل إلى نشاط أكبر في الصيد البحري والتجميد والتصدير.
ارتبط اسمه بشركة «Dakhla Atlantic»، العاملة في تجميد وتصدير الأسماك السطحية، وتوسعت أنشطته لاحقا إلى العقار والبناء ومواد التشييد. ومنحته هذه الاستثمارات شبكة مصالح وعلاقات داخل قطاع يشكل أحد أعمدة اقتصاد الداخلة، كما رسخت صورته كرجل أعمال صنع نفوذه من داخل الاقتصاد المحلي، لا باعتباره وافدا من المركز.
تولى بين سنتي 2013 و2015 رئاسة الجمعية المغربية للمصدرين، وهي محطة كشفت عن انتقاله من فاعل اقتصادي جهوي إلى شخصية ذات حضور وطني داخل شبكات التجارة الخارجية. كما أتاحت له بناء علاقات مع رجال الأعمال والإدارة والمؤسسات الدبلوماسية، وهي العلاقات التي سيعيد توظيفها لاحقا في الترويج للداخلة كوجهة للاستثمار.
وتفسر هذه الخلفية جزءا مهما من أسلوبه السياسي. فالخطاط ينجا لا يقدم نفسه كخطيب أيديولوجي أو رجل تنظيم حزبي، بل كمدبر ومفاوض ومسوّق لمؤهلات الجهة. وفي لقاءاته الإعلامية، يتحدث غالبا بلغة الموانئ واللوجستيك والاستثمار والطاقة والصيد والسياحة، أكثر مما يتحدث بلغة الصراعات العقائدية التقليدية.
يصعب العثور في خطابات الخطاط ينجا على ملامح عقيدة حزبية صلبة. فهو لم يُعرف بمواقف فكرية خاصة داخل حزب الاستقلال، ولا بسجالات حول الديمقراطية أو الإصلاح الدستوري أو السياسات الاجتماعية الوطنية. خطابه عملي، ترابي (جهوي)، ومتمركز حول الاستثمار والبنيات التحتية والاندماج الإفريقي وقضية الصحراء.
هذه البراغماتية هي مصدر قوته ومصدر ضعفه في آن واحد. فهي تجعله قادرا على العمل مع أحزاب وتحالفات مختلفة، وعلى مخاطبة الدولة والمستثمرين والدبلوماسيين باللغة نفسها. لكنها تجعل انتماءه الحزبي قابلا للتغيير، وتغذي الانطباع بأن الحزب بالنسبة إليه أداة انتخابية أكثر منه هوية سياسية.
ومع ذلك، فإن تجربته تقدم نموذجا مهما لفهم النخب الجديدة في الأقاليم الجنوبية، والتي لا تستمد مشروعيتها من التاريخ القبلي أو من القرب من الإدارة فقط، بل من الاستثمار والانتخاب والقدرة على جلب المشاريع وتمثيل الجهة خارجيا.
دخول متأخر وصعود سريع
دخل ينجا العمل الحزبي بصورة متأخرة نسبيا. فقد انضم إلى حزب الاستقلال سنة 2014، ثم خاض باسمه انتخابات 2015، ليفوز برئاسة مجلس جهة الداخلة–وادي الذهب مع بداية تنزيل الجهوية المتقدمة وفق التقسيم الترابي الجديد. وهكذا انتقل خلال فترة وجيزة من رجل أعمال بارز إلى رئيس لإحدى الجهات الأكثر حساسية سياسيا واستراتيجية في المغرب.
لم يكن فوزه مجرد نتيجة قوة حزب الاستقلال. فقد كان الرجل قد راكم قبل ذلك رساميل اقتصادية واجتماعية وقبلية، واستفاد من صورته كفاعل محلي قادر على التفاوض مع الدولة والمستثمرين. كما وجد في الجهوية المتقدمة إطارا ملائما لشخصيته: مجلس منتخب بميزانيات واختصاصات متزايدة، وجهة واسعة قليلة السكان، وبرامج تنموية كبرى تحتاج إلى رئيس يجمع بين المعرفة المحلية والقدرة على التعامل مع المركز.
وخلال انتخابات 2021، تصدر حزب الاستقلال نتائج مجلس الجهة بحصوله على 11 مقعدا من أصل 33، مقابل سبعة مقاعد للتجمع الوطني للأحرار وخمسة للحركة الشعبية. وأعيد انتخاب الخطاط ينجا رئيسا بأغلبية مريحة بلغت 29 صوتا من أصل 33، وهي نتيجة أظهرت أن نفوذه لم يعد محصورا في كتلته الحزبية، بل امتد إلى تحالف جهوي واسع.
وفاز ينجا أيضا بمقعد في مجلس النواب عن دائرة وادي الذهب في انتخابات 2021، لكنه فقده لاحقا بسبب حالة التنافي المرتبطة برئاسته للجهة، ليحل محله أحمد العالم، وفق مقتضيات القانون التنظيمي لمجلس النواب. وتكشف هذه الواقعة أن اختياره السياسي ظل واضحا: الاحتفاظ بقيادة الجهة، باعتبارها مصدر نفوذه الأساسي، بدل الانتقال إلى العمل البرلماني المركزي.
رجل الجهوية
منذ توليه رئاسة المجلس، ارتبط اسم الخطاط ينجا بتنفيذ برامج النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، وبمشروعات البنية التحتية والاستثمار والتكوين. وأصبحت رئاسة الجهة في عهده أكثر من وظيفة تدبيرية؛ تحولت إلى واجهة تجمع بين المنتخب المحلي والمفاوض الاقتصادي والممثل السياسي للمنطقة.
وقد ركز خطابه على تقديم الداخلة باعتبارها بوابة المغرب نحو إفريقيا جنوب الصحراء، ومحورا أطلسيا يربط أوروبا بغرب القارة، مستندا إلى مشروعات مثل ميناء الداخلة الأطلسي والطريق الرابط مع موريتانيا، وإلى إمكانات الصيد البحري والفلاحة والطاقة المتجددة والسياحة واللوجستيك.
في مقابلاته السابقة مع وسائل إعلام إسبانية، ظهر بوضوح أنه يتقن مخاطبة المستثمرين بلغة المصالح المشتركة. فقد دعا إلى تقوية العلاقات الاقتصادية مع إسبانيا وجزر الكناري، وقدم الداخلة بوصفها فضاء مكملا للموانئ الأطلسية الإسبانية، لا منافسا لها فقط. كما ربط بين الموقف الإسباني المؤيد لمقترح الحكم الذاتي وبين تحسن المناخ السياسي الضروري للاستثمار.
وتعكس هذه المقاربة تحولا في وظيفة المنتخب الصحراوي. فبدل أن يقتصر دوره على الدفاع السياسي عن مغربية الصحراء، أصبح مطالبا أيضا بتقديم نموذج تنموي قابل للتسويق، واستقبال الوفود الأجنبية، والتفاوض حول الشراكات، وتحويل المواقف الدبلوماسية إلى مشروعات اقتصادية.
وأبرزت مشاركة الخطاط ينجا في المائدتين المستديرتين حول الصحراء في جنيف، في دجنبر 2018 ومارس 2019، انتقاله من التدبير الجهوي إلى تمثيل الموقف المغربي في مسار تفاوضي تقوده الأمم المتحدة. وضمه الوفد المغربي بصفته رئيسا منتخبا لجهة الداخلة–وادي الذهب، إلى جانب رئيس جهة العيون–الساقية الحمراء ومسؤولين ودبلوماسيين مغاربة.
كان اختياره يحمل رسالة سياسية واضحة: تقديم المنتخبين المحليين الصحراويين باعتبارهم ممثلين للسكان داخل المؤسسات المغربية، في مواجهة تمثيلية البوليساريو. وهكذا أصبحت سيرته الشخصية نفسها جزءا من الخطاب المغربي؛ فالرجل الذي عاش تجربة المخيمات ثم عاد إلى المغرب يقدم اليوم الحكم الذاتي والتنمية الجهوية باعتبارهما البديل الواقعي للنزاع.
كما لعب دورا متزايدا في استقبال وفود دبلوماسية وبرلمانية واقتصادية أجنبية، خصوصا بعد افتتاح قنصليات في الداخلة وتنامي الاهتمام الدولي بالواجهة الأطلسية. ويمزج في خطابه بين الدفاع عن السيادة المغربية وإبراز الفرص الاستثمارية، بما يجعله أقرب إلى «ممثل تجاري وسياسي» للجهة.
قوة تقوم على شبكة محلية
تكمن قوة الخطاط ينجا في أنه يجمع بين مصادر نفوذ متعددة. فهو رجل أعمال في قطاع مركزي بالنسبة إلى اقتصاد الداخلة، ومنتخب يقود مجلس الجهة منذ 2015، وشخصية قبلية صحراوية، وفاعل في العلاقات الاقتصادية مع إفريقيا وأوروبا، إضافة إلى حضوره في ملف الصحراء.
جعلته هذه التركيبة أقل تبعية للجهاز الحزبي من سياسيين آخرين. فحزب الاستقلال منحه الإطار التنظيمي والرمز الانتخابي، لكنه لم يصنع مكانته من الصفر. وعندما أعيد انتخابه سنة 2021 بـ29 صوتا، رغم امتلاك حزبه ثلث مقاعد المجلس فقط، بدا أن التحالف يدور حول شخصه بقدر ما يدور حول الحزب.
فيما شكّل حزب الاستقلال الحاضنة السياسية الأساسية للخطاط ينجا منذ 2014. وباسمه فاز برئاسة الجهة في 2015، وحافظ عليها في 2021، كما فاز بمقعد برلماني قبل أن يتخلى عنه بحكم التنافي. وخلال هذه المرحلة، أصبح أحد أبرز أعيان الحزب في الأقاليم الجنوبية، وورقة انتخابية يصعب تعويضها.
لكن علاقته بالحزب لم تكن، في جوهرها، علاقة مناضل صعد عبر هياكله التنظيمية تدريجيا. لقد التحق به وهو يحمل رصيدا اقتصاديا ومحليا جاهزا، ولذلك ظل موقعه أقرب إلى شراكة سياسية بين حزب وقطب جهوي منه إلى تبعية تنظيمية تقليدية.
يساعد هذا المعطى على فهم انتقاله عشية انتخابات 2026 إلى حزب الأصالة والمعاصرة. فقد أعلن مغادرة الاستقلال والانضمام إلى «البام» خلال لقاء احتضنه منزله في الداخلة، بحضور فاطمة الزهراء المنصوري وقيادات بارزة في الحزب. ولم يكن الالتحاق فرديا تماما، إذ تحدثت المصادر عن حضور شخصيات أخرى كانت تنتمي إلى الاستقلال.
ولا يمكن قراءة انتقال الخطاط ينجا باعتباره ترحالا حزبيا عاديا. فالأمر يتعلق برئيس جهة يتحكم في شبكة انتخابية محلية، ويتمتع بصلات اقتصادية وقبلية، ويقود مؤسسة ترابية ذات رمزية وطنية ودولية. لذلك يمثل استقطابه مكسبا مباشرا لحزب الأصالة والمعاصرة، وضربة لحزب الاستقلال في واحدة من الجهات التي كان يعتبرها معقلا انتخابيا مستقرا.
بالنسبة إلى «البام»، يمنح ينجا الحزب فرصة تصدر المشهد في الداخلة–وادي الذهب، وتعزيز حضوره في الأقاليم الجنوبية، وربط خطابه حول الجهوية والتنمية بشخصية تملك تجربة فعلية في رئاسة مجلس جهوي. أما بالنسبة إلى ينجا، فيتيح الانتقال إعادة التموضع قبل الانتخابات التشريعية المقبلة، وربما البحث عن غطاء حزبي أكثر انسجاما مع التحالفات الجديدة داخل الجهة وعلى المستوى الوطني.
ابن التحول الكبير
يمثل الخطاط ينجا، في نهاية المطاف، نتاج تحولين متوازيين.
• الأول شخصي: من شاب غادر إلى تندوف إلى رجل يشارك في الوفد المغربي إلى محادثات الأمم المتحدة؛
• والثاني مؤسساتي: من أقاليم كانت تُدار أساسا بمنطق أمني ومركزي إلى جهات منتخبة يُراد لها أن تصبح فاعلا تنمويا ودبلوماسيا.
لقد بنى ينجا نفوذه قبل ولوج السياسة، ثم دخلها من أعلى أبوابها، ونجح في الاحتفاظ برئاسة الجهة ولايتين متتاليتين، مستفيدا من تحالف واسع يتجاوز حزبه. وحين غير انتماءه، لم يظهر كسياسي يبحث عن مأوى، بل كقطب محلي تتنافس الأحزاب على استقطابه.
في شخصية الخطاط ينجا تختلط قصة العودة بقصة الصعود، والمال بالانتخاب، والدبلوماسية بالتنمية. وهو تحديدا ما يجعله أحد أكثر السياسيين الصحراويين أهمية لفهم المرحلة الحالية، ليس لأنه الأعلى قيمة انتخابيا، بل لأنه عرف كيف يحوّل موقعه المحلي إلى نفوذ يتردد صداه في الرباط ومدريد وجنيف، وكيف يجعل من نفسه رقما ثابتا حتى حين تتغير الألوان الحزبية.