story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أحزاب |

من التحالفات إلى المنصات الرقمية.. هل تعيد تحركات الأحزاب ثقة الناخبين قبل انتخابات 2026؟

ص ص

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، المقررة شهر شتنبر المقبل، بدأت الأحزاب السياسية المغربية في الكشف عن ملامح استراتيجياتها الجديدة لاستقطاب الناخبين واستعادة موقعها داخل المشهد السياسي، في سياق يتسم باستمرار النقاش حول العزوف الانتخابي وتراجع الثقة في العمل الحزبي لدى فئات واسعة من المواطنين.

وتأتي هذه التحركات في ظرفية تختلف عن الاستحقاقات السابقة، إذ لم تعد الأحزاب تواجه فقط منافسة انتخابية تقليدية،حيث وجدت نفسها أمام تحدي إعادة بناء جسور الثقة مع ناخبين باتوا أكثر تشككا في الوعود السياسية وأكثر ميلا للتعبير عن مطالبهم عبر فضاءات جديدة خارج الأطر الحزبية الكلاسيكية.

وفي الوقت الذي اختارت فيه بعض الأحزاب الرهان على التحالفات الانتخابية، فضلت أخرى إطلاق منصات رقمية للتفاعل مع المواطنين أو تقديم صيغ جديدة للعلاقة مع الناخب، في محاولة لالتقاط التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في صفوف الشباب.

تحالف ومنصة وتعاقد

في هذا السياق، أعلن حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد عن تشكيل تحالف انتخابي استعدادا لاستحقاقات شتنبر 2026، في خطوة اعتبرها الطرفان مدخلا لتقوية حضور اليسار داخل المؤسسات المنتخبة.

ويأتي هذا التقارب بعد سنوات من النقاش داخل مكونات اليسار حول سبل تجاوز التشتت الذي طبع المشهد اليساري، والذي انعكس على حضوره الانتخابي وعلى قدرته على التأثير في النقاش العمومي.

ويرى قادة الحزبين أن التحالف لا يقتصر على التنسيق الانتخابي، بل يمكن أن يشكل بداية لمسار أطول نحو بناء صيغ أكثر استدامة للعمل المشترك بين مكونات اليسار.

في مقابل خيار التحالفات، اختار حزب العدالة والتنمية الرهان على ما يصفه بالإنصات العمومي من خلال إطلاق منصة رقمية مخصصة لتلقي مقترحات المواطنين ومساهماتهم في صياغة البرنامج الانتخابي للحزب.

ويقدم الحزب هذه المبادرة باعتبارها آلية لإشراك المواطنين في النقاش حول الأولويات والسياسات العمومية، بدل الاقتصار على إعداد البرامج داخل الهياكل الحزبية التقليدية.

وبحسب مسؤولي الحزب، فإن المنصة تستهدف مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية، وتتيح للمشاركين تقديم تشخيصاتهم ومقترحاتهم بخصوص عدد من القضايا المرتبطة بالتعليم والصحة والتشغيل والحكامة وغيرها.

أما حزب الحركة الشعبية، فقد اختار تقديم ما سماه “التعاقد الحركي” بدل البرنامج الانتخابي التقليدي، في محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الحزب والناخبين.

ويستند هذا التصور، بحسب قيادة الحزب، إلى الابتعاد عن الوعود الكبرى والتركيز على إجراءات عملية وقابلة للتنفيذ في عدد من القطاعات الحيوية.

وفي هذا السياق، أعلن الحزب عن عشرة محاور رئيسية تشمل القدرة الشرائية والصحة والتعليم والشباب والسكن والتنمية الترابية والتغيرات المناخية وغيرها من القضايا التي تشغل الرأي العام.

ويعتبر الحزب أن جزءا من أزمة الثقة الحالية مرتبط بتراكم وعود انتخابية لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وهو ما دفعه إلى تبني خطاب يقوم على فكرة الالتزام والتعاقد بدل الوعود المفتوحة.

“تحديث شكلي”

في سياق هذه التحولات، يرى الأستاذ الجامعي والحقوقي خالد البكاري أن ما يبدو تحديثا في أدوات الحملات الانتخابية بالمغرب لا يعكس بالضرورة تحولا عميقا في منطق الاشتغال السياسي، حيث يظل في كثير من جوانبه مجرد “تحديث شكلي” لا يمس البنية التقليدية التي تتحكم في سلوك الناخبين وفي آليات الاستقطاب.

وأوضح البكاري، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن لجوء عدد من الأحزاب إلى إطلاق منصات رقمية أو تكثيف حضورها على شبكات التواصل الاجتماعي، قبل وأثناء الحملات الانتخابية، قد يقدم باعتباره مؤشرا على تحديث الفعل الحزبي، غير أن هذا المسار، حسب تعبيره، لم ينجح في إزاحة الميكانيزمات التقليدية التي تظل حاضرة بقوة في لحظات الحسم الانتخابي.

وأضاف أن “الأمتار الأخيرة” من السباق الانتخابي غالبا ما تعيد إنتاج نفس أدوات التأثير القديمة، من قبيل نفوذ الأعيان، واستعمال المال، وروابط القرابة، إضافة إلى ما وصفه بثقافة “الزروود” والاعتبارات الاجتماعية المحلية، وهي عناصر ما تزال، بحسبه، أكثر تأثيرا من الحملات الرقمية في توجيه سلوك التصويت.

كما شدد المتحدث على أن الخطاب السياسي المتداول في هذه المرحلة يعكس بدوره محدودية الابتكار السياسي لدى جزء كبير من الأحزاب، باستثناء بعض التنظيمات التي راكمت قدرا من الاستقلالية والعمل القاعدي المستمر، إضافة إلى نخب أنتجتها منظومة التكوين الداخلي الحزبي، والتي تبقى، وفق تعبيره، محدودة العدد.

ولفت إلى أن بعض الأحزاب، مثل فيدرالية اليسار الديمقراطي، وحزب الاشتراكي الموحد، وحزب العدالة والتنمية، تُعد من بين التنظيمات القليلة التي يمكن رصد انسجام نسبي بين خطابها السياسي وبرامجها ومخرجات مؤتمراتها، على خلاف باقي الأحزاب التي تميل إلى إعادة إنتاج معجم سياسي جاهز.

وفي هذا السياق، اعتبر البكاري أن جزءا واسعا من الخطاب الحزبي لا ينتج مضامينه من داخل الفعل السياسي الذاتي، و إنما يعتمد على “فائض” من خطاب الدولة، خاصة ما يرتبط بالمفاهيم الرائجة في الخطب الرسمية، وهو ما يفسر، حسبه، تكرار مفردات من قبيل “الدولة الاجتماعية”، و”النموذج التنموي الجديد”، و”التنمية المجالية المندمجة”، و”المغرب بسرعتين”.

وأضاف أن هذا الوضع يعكس، في جوهره، تحول الأحزاب إلى قنوات لإعادة تدوير خطاب السلطة أكثر من كونها فاعلا سياسيا مستقلا ينتج بدائل أو مشاريع متمايزة، مشيرا إلى أن الرهان الأساسي لدى عدد من هذه التنظيمات لم يعد يرتكز على الإقناع البرنامجي بقدر ما يرتبط بالتموقع داخل دوائر القرار.

وبخصوص مسألة التحالفات السياسية، أوضح المتحدث أنه باستثناء التحالف القائم بين فيدرالية اليسار الديمقراطي وحزب الاشتراكي الموحد، فإن باقي التحالفات تظل إما غير معلنة أو مؤجلة إلى ما بعد إعلان نتائج الانتخابات، حيث يتم تشكيل الأغلبية الحكومية وفق منطق حسابي أكثر منه سياسي أو إيديولوجي.

واعتبر أن الاستثناء الحالي داخل اليسار ليس سوى تصحيح لمسار سابق من التباعد بين مكوناته الإصلاحية، وهو تحالف كان، بحسبه، منتظرا من قواعد الحزبين ومتعاطفيهما، لكنه يظل غير مكتمل ما لم يتحول إلى مشروع اندماج سياسي وتنظيمي حقيقي، بالنظر إلى تقارب المرجعيات والخطاب والبنية التنظيمية.

وخلص البكاري إلى أن المشهد الحزبي بالمغرب لا يزال، في مجمله، أسير منطق تقليدي في إنتاج الخطاب والتحالفات، مع استمرار هيمنة الاعتبارات العملية على حساب البرامج السياسية، وهو ما يجعل رهانات التحديث الحزبي، رغم حضورها في الخطاب، محدودة الأثر على أرض الواقع.

مسار تراكمي

من جهتها شددت الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية مريم ابليل على أن بناء الثقة السياسية لا يمكن أن يختزل في السنة الانتخابية فقط، و إنما هو مسار تراكمي يرتبط بمجمل الولاية التشريعية.

وأوضحت أن الثقة تبنى تدريجيا من خلال التزام الأحزاب والمنتخبين بوعودهم، والدفاع عن انتظارات المواطنين، وضمان تواصل مستمر ومنتظم معهم خارج الفترات الانتخابية، معتبرة أن اختزال هذا المسار في اللحظات الانتخابية يُضعف من مصداقية الفعل الحزبي.

وأضافت أن بعض المبادرات التي تطلقها الأحزاب قبيل الاستحقاقات قد تعكس بالفعل رغبة في تحديث أدوات التواصل والانفتاح على المواطنين، غير أن قيمتها الحقيقية تبقى مرتبطة بمدى تحويلها إلى ممارسات مستدامة وليست مجرد رسائل ظرفية مرتبطة بسياق انتخابي محدد.

كما أكدت على ضرورة تجنب إصدار حكم عام وموحد على جميع المبادرات الحزبية، بالنظر إلى اختلاف السياقات والتجارب بين حزب وآخر، معتبرة أن المشهد الحزبي ليس كتلة واحدة متجانسة في تعاطيه مع سؤال التواصل السياسي.

ولفتت إلى أن الإشكال الأساسي اليوم لا يكمن فقط في إدخال أدوات تواصل جديدة، بل في القدرة على إقناع المواطن بأن صوته له أثر فعلي في صناعة القرار، وأن المؤسسات المنتخبة قادرة على تمثيل إرادته والاستجابة لانشغالاته اليومية.

وأشارت المتحدثة إلى أن استعادة الثقة في العمل السياسي تظل مرتبطة أساسا بالممارسة اليومية للأحزاب والمؤسسات المنتخبة، أكثر من ارتباطها بالشعارات الانتخابية أو الحملات الظرفية التي تسبق الاستحقاقات.

وخلصت مريم ابليل إلى أن أي مشروع لإعادة بناء الثقة السياسية يظل رهينا بمدى قدرة الفاعل الحزبي على تحويل الخطاب إلى ممارسة مستمرة وملموسة، تعيد ربط المواطن بالفعل السياسي بشكل فعلي ومستدام.

فرض قواعد مختلفة

ويرى متابعون أن هذه التحركات الحزبية ليست منفصلة عن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع بروز أجيال جديدة تمتلك أنماطا مختلفة في التفاعل مع الشأن العام.

و قد شهد المغرب خلال أواخر سنة 2025 بروز موجة احتجاجات شبابية تقودها فئات من جيل “زد”، رفعت مطالب مرتبطة أساسا بتحسين خدمات الصحة والتعليم وضمان الحق في العيش الكريم، إلى جانب التعبير عن فقدان الثقة في الأحزاب السياسية التقليدية وقدرتها على الاستجابة لانشغالات المواطنين.

وأمام هذا الواقع، وجدت الأحزاب نفسها مطالبة بتطوير أدوات جديدة للتواصل والتفاعل مع فئات لم تعد تستجيب بالقدر نفسه للخطابات السياسية التقليدية.

ويفسر ذلك جزئيا لجوء بعض الأحزاب إلى المنصات الرقمية أو إلى إعادة صياغة خطابها السياسي بشكل يحاول الاقتراب من اهتمامات الأجيال الجديدة.

وفي المقابل، يبقى التحدي الحقيقي أمام مختلف الفاعلين السياسيين هو تحويل هذا التفاعل إلى مشاركة فعلية في العملية السياسية والمؤسساتية، تتجاوز محطة الاستحقاقات الانتخابية.