محللون: واقعة سبتة تعكس أزمة ثقة في المستقبل أكثر من كونها مشكلة فقر
يرى عدد من المتتبعين أن مشاهد عشرات الآلاف من المغاربة الذين توجهوا الأسبوع الماضي نحو محيط مدينة سبتة المحتلة، لم تعد تُقرأ باعتبارها مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية، بل باعتبارها مؤشرا على تحولات اجتماعية ونفسية عميقة تستوجب قراءة تتجاوز الانطباعات الأولى.
في هذا الإطار، أجمع ضيوف الحلقة الأخيرة من برنامج “من الرباط“، الذي يُبث على منصات صحيفة “صوت المغرب”، أن ما جرى لا يتعلق فقط بمحاولات عبور غير نظامية، بل بحركة جماعية شارك فيها آلاف الشبان، بينهم قاصرون، قدموا من مدن مغربية مختلفة، مدفوعين بأخبار وإشاعات عن سهولة العبور، وبصور لمن سبقوهم، وبرغبة في الوصول إلى الضفة الأخرى مهما كانت المخاطر، سواء عبر البحر أو باقتحام الحدود.
وفي قراءته لهذه المشاهد، دعا المحامي بهيئة الرباط، محمد شماعو، إلى الابتعاد عن التوصيفات العاطفية أو المتشائمة، مؤكدا أن الصورة “مركبة ولا يمكن اختزالها في سبب واحد”، بحيث طرح مجموعة من الأسئلة لفهم طبيعة المشاركين في هذه المحاولات: هل يتعلق الأمر بأشخاص ذاقوا مرارة الفقر؟ أم بعمال يشتغلون في ظروف صعبة تفتقر إلى الضمانات الاجتماعية؟ أم بشباب تشكلت لديه صورة مثالية عن الهجرة بفعل الروابط العائلية مع أفراد الجالية المغربية في الخارج، فاعتقد أن أوروبا تمثل “الجنة” التي تنتظره؟
ويرى شماعو أن فهم الظاهرة يقتضي العودة إلى المؤشرات الرسمية، مستحضرا معطيات تفيد بوجود ما يقارب ثلاثة ملايين شاب، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، لا يدرسون ولا يشتغلون. واعتبر أن هذه الفئة تمثل “قنبلة موقوتة”، لأنها حاضرة في الفضاء العام، وفي المهرجانات والتظاهرات الرياضية، وأحيانا في قضايا العنف والمحاكم، لكنها، بحسب تعبيره، لا تحظى بأي مجهود حقيقي لتشخيص مشاكلها ومعالجة أسباب هشاشتها.
وأضاف أن جزءا من هؤلاء الشباب يحمل أحلاما كبيرة عن الهجرة، دون أن تكون له تجربة مهنية أو مسار واضح، “إذ يتصور أن مجرد الوصول إلى أوروبا سيضمن له تحسين أوضاعه، وشراء منزل وسيارة وتحقيق طموحات أسرته، في حين أن الواقع مختلف”، لأن الأجيال السابقة التي حققت نجاحا في المهجر، بحسب تعبيره، لم تصل إلى ذلك إلا بعد سنوات طويلة من العمل.
وفي المقابل، ميّز شماعو بين فئات مختلفة داخل هذه الظاهرة، معتبرا أن هناك فئة من حاملي الشهادات العليا قد يكون مفهوما إقدامها على التفكير في الهجرة بالنظر إلى وضعيتها، كما أبدى تعاطفه مع العمال والمستخدمين ذوي الأجور الضعيفة الذين يشتغلون في غياب ضمانات اجتماعية ورؤية اجتماعية مواكبة.
كما توقف عند مشاركة شباب قدموا من مدينة طنجة، رغم أنها تعد، وفق قوله، من المدن التي توفر فرص شغل أكثر من غيرها، خاصة في قطاعات النسيج وصناعة السيارات والكابلاج، معتبرا أن مجرد توفر فرص العمل لا يكفي لفهم دوافع الرغبة في الهجرة.
بدوره، اعتبر الكاتب والإعلامي عبد الله الترابي أن ما وقع يعكس بدوره “صورة مركبة” و”فسيفساء من الحالات المختلفة”، مشيرا إلى أن من بين المشاركين/ مراهقون وقاصرون يرون في الهجرة مغامرة أكثر منها مشروعا للحياة، لافتا إلى الدور الذي لعبته منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة منصة “تيك توك”، في التعبئة ونشر مقاطع تصور طرق الهجرة بشكل يشجع على خوض التجربة.
وأضاف أن المشاهد أظهرت أيضا مشاركة عائلات وآباء، إلى جانب أشخاص يشتكون من ضعف الدخل، مستشهدا بمن يعتبر أن راتبا في حدود ثلاثة آلاف درهم لا يكفي للعيش في مدينة مثل الدار البيضاء.
ووصف الترابي ما جرى بأنه “أمر محزن ومقلق”، مشيرا إلى أن ما بين خمسين وستين ألف شخص حاولوا، خلال نحو أربع وعشرين ساعة، الوصول إلى سبتة المحتلة، وفق الأرقام الرسمية الإسبانية التي استند إليها، يعكس حجم الرغبة في مغادرة البلاد.
وبحسب المتحدث، فإن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه ليس فقط لماذا يحاول المغاربة الهجرة، وإنما: “ما الذي يجعل مغربيا يعتقد أنه لا مستقبل له في بلاده، وأن مستقبله يوجد في بلد آخر؟”.
وأكد أن الظاهرة لم تعد مرتبطة فقط بالفقر أو بالأجور الضعيفة، بل تشمل أيضا فئات ميسورة نسبيا، مستشهدا بأطباء وأطر يختارون الهجرة نحو أوروبا أو كندا، رغم تمتعهم بأوضاع مهنية مستقرة داخل المغرب.
ورأى المتحدث أن جوهر الإشكال يكمن في ما وصفه بـ”حالة اللايقين” التي أصبحت تطبع نظرة المواطنين إلى المستقبل، سواء في ما يتعلق بالشغل أو الصحة أو التعليم، معتبرا أن الإحساس بعدم وضوح المستقبل يدفع فئات مختلفة إلى التفكير في الهجرة.
وفي ختام مداخلته، أقر الترابي بأن المغرب حقق، خلال العقود الأخيرة، تحسنا في عدد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، كما يتمتع بالاستقرار السياسي والأمني، لكنه اعتبر أن التحدي الحقيقي يتمثل في غياب “الاستقرار الاجتماعي والذهني”، وهو ما يجعل الهجرة، في نظر عدد من الشباب، خيارا للمستقبل أكثر منها مجرد وسيلة لتحسين الدخل.
لمشاهدة الحلقة كاملة، يرجى الضغط على الرابط