دراسة أكاديمية ترصد جدل تعديلات القوانين المؤطرة لانتخابات 2026 بالمغرب
سلّطت دراسة أكاديمية حديثة حول التعديلات التشريعية المؤطرة لانتخابات 2026 بالمغرب الضوء على جملة من المستجدات التي همّت القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس النواب والأحزاب السياسية واللوائح الانتخابية، معتبرة أن هذه التعديلات حملت، في الآن نفسه، مقتضيات وصفت بـ”الإيجابية” وأخرى أثارت نقاشاً واسعاً بشأن تأثيرها على المسار الديمقراطي والتمثيلية السياسية.
وأبرزت الدراسة، التي نشرها المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، أن من بين أبرز المستجدات التي عرفها الإطار القانوني للانتخابات تعديل القواعد المرتبطة بأهلية الناخبين وشروط الترشح، إلى جانب مراجعة بعض حالات التنافي المتعلقة بعضوية مجلس النواب.
وفي هذا السياق، أشارت إلى تراجع المشرع عن بعض القيود التي تم إقرارها خلال انتخابات 2021، خاصة ما يتعلق بمنع الجمع بين عضوية مجلس النواب ورئاسة بعض الجماعات الترابية الكبرى، حيث تم الرجوع إلى الصيغة السابقة التي تسمح بالجمع في حالات أوسع.
وسجلت الدراسة أيضاً تعديلات تخص مسطرة إيداع الترشيحات، إلى جانب مراجعة شروط التوقيعات المطلوبة من المرشحين غير المنتمين للأحزاب السياسية، إذ أصبح مطلوباً أن تكون جميع التوقيعات صادرة عن ناخبين، مع حذف نسبة المنتخبين التي كانت معتمدة سابقاً، فضلاً عن إدراج نسب محددة لتوقيعات النساء ضمن ملفات الترشيح.
وبخصوص أهداف الدراسة، أوضح الباحث محمد باسك منار، صاحب الدراسة وأستاذ القانون الدستوري بجامعة القاضي عياض بمراكش، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أنها انطلقت من هدفين أساسيين؛ أولهما “عرض وتوضيح وتبسيط التعديلات التي عرفها الإطار التشريعي المنظم للانتخابات”، معتبراً أن القوانين الانتخابية في المغرب تتسم بدرجة كبيرة من التعقيد والتشابك، ما يجعل فهمها مقتصراً في الغالب على النخب والمتخصصين أكثر من عموم المواطنين.
وسجّل الباحث أن من أبرز الإشكالات التي تطرحها التجربة المغربية “التعديل المتكرر للقوانين الانتخابية مع كل محطة انتخابية”، مشيراً إلى أن الأصل في الأنظمة الانتخابية هو الاستقرار النسبي، وعدم اللجوء إلى التعديل إلا في حدود الجوانب التقنية أو عند حدوث تحولات دستورية وسياسية كبرى.
وأضاف أن الملاحظة الأساسية في الحالة المغربية تتمثل في أن القوانين الانتخابية “تتغير باستمرار مع كل استحقاق”، معتبراً أن ذلك يرتبط بكون هذه القوانين تُعد “أحد أهم أدوات ضبط العملية الانتخابية وضبط إفرازاتها”، إلى جانب عناصر أخرى مثل الدستور والثقافة السياسية ودور وزارة الداخلية، وهو ما يجعل تعديلها مرتبطاً برهانات كل مرحلة وسياقاتها السياسية.
وأوضح أن الهدف الثاني من الدراسة تمثل في “تسجيل بعض الملاحظات المرتبطة بهذه التعديلات”، مشيراً إلى أن بعض المستجدات كانت إيجابية، في حين أثارت تعديلات أخرى تساؤلات حقوقية ودستورية، رغم مصادقة المحكمة الدستورية على القوانين التنظيمية ذات الصلة، خاصة القانون التنظيمي لمجلس النواب والقانون التنظيمي للأحزاب السياسية.
وفي هذا السياق، توقف الباحث عند مسألة تشديد العقوبات المرتبطة بالجرائم الانتخابية، موضحاً أنه رغم أهمية محاربة الفساد الانتخابي، فإن الإشكال المطروح يتمثل في “إمكانية حرمان شخص من حقه في الترشح دون صدور حكم قضائي نهائي في حقه”.
وتساءل باسك منار عما إذا كان من المقبول “حرمان شخص من حق دستوري أساسي، وهو حق الترشح، فقط لأنه ضُبط في حالة تلبس”، معتبراً أن حالة التلبس تبقى مجرد وصف قانوني يستوجب التحقيق والتثبت، ولا يمكن اعتبارها إثباتاً نهائياً للجريمة.
كما أثار المتحدث مسألة منع جميع موظفي وزارة الداخلية من الترشح للانتخابات، معتبراً أن تعميم المنع على كل موظفي الوزارة، بمن فيهم من ليست لهم علاقة مباشرة بالعملية الانتخابية، “يطرح إشكالاً حقوقياً واضحاً”.
وأضاف أن المطالب الأساسية في السابق كانت تتجه نحو إحداث هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات بدل وزارة الداخلية، غير أن هذا المطلب لم يتحقق، إذ استمرت الوزارة، بحسب تعبيره، في الإشراف المباشر على مختلف مراحل العملية الانتخابية، من إعداد مشاريع القوانين إلى تدبير الانتخابات والحملات الانتخابية.
وأشار الباحث إلى أن اللجوء، في المقابل، إلى منع جميع موظفي الوزارة من الترشح “بدعوى تعزيز مصداقية الانتخابات”، يبدو وكأنه “قلب للمعادلة”، لافتاً أيضاً إلى وجود تعديلات أخرى تثير تساؤلات مرتبطة بجدواها أو آثارها، من بينها بعض المقتضيات المتعلقة بالنساء.
وشدد باسك منار على أن الدراسة سعت، من جهة أولى، إلى تقديم عرض واضح ومبسط للتعديلات التي طالت القوانين الانتخابية، بالنظر إلى تعقيد تفاصيلها وصعوبة تتبعها بالنسبة لعدد كبير من المواطنين، ومن جهة ثانية إلى إثارة عدد من الملاحظات الأساسية بشأنها، معتبراً أن هذه القضايا تستحق نقاشاً أوسع وتفصيلاً أكبر في مناسبات لاحقة.
وفي ما يتعلق بالتصويت، توقفت الدراسة عند استمرار العمل بالتصويت بالوكالة بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج، مع رقمنة هذه العملية عبر منصة إلكترونية مخصصة لذلك، بدل إلغائها كما كانت تطالب به بعض الأصوات منذ سنوات. وأوضحت أن الناخب المعني أصبح مطالباً بإدخال معطياته إلكترونياً والتصريح بصحة المعلومات قبل إرسال الوكالة إلى الشخص المفوض له التصويت.
كما رصدت الدراسة تعديلات مرتبطة بتنظيم مكاتب التصويت، من بينها السماح بتعيين نائب لممثل كل مترشح أو وكيل لائحة داخل المكتب، إضافة إلى التنصيص على أن يكون “المعزل” الذي يتم داخله التصويت مكشوفاً من الجهة المقابلة لرئيس المكتب وأعضائه وممثلي اللوائح، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مدى تأثير ذلك على سرية الاقتراع.
وأشارت الدراسة إلى أن المشرع أبقى على اعتماد القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، وليس على أساس الأصوات الصحيحة، وهو الخيار الذي كان قد أثار جدلاً واسعاً منذ انتخابات 2021. واعتبرت أن هذا التوجه يمس، في الجوهر، بمبدأ التصويت، لأنه يمنح تأثيراً لغير المصوتين في عملية توزيع المقاعد.
وفي باب المنازعات الانتخابية، أوضحت الدراسة أن التعديلات الجديدة نقلت الاختصاص القضائي المرتبط بالطعون في الترشيحات إلى المحاكم الإدارية الابتدائية، مع فتح إمكانية الطعن أمام محكمة النقض داخل آجال زمنية قصيرة، في خطوة قالت إنها تروم تسريع البت في النزاعات الانتخابية.
أما بخصوص تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية، فقد سجلت الدراسة تشديداً للرقابة المالية، من خلال إلزام الأحزاب والمرشحين بإيداع حسابات حملاتهم الانتخابية عبر منصة إلكترونية، إلى جانب إيداع النسخ الورقية لدى المجلس الأعلى للحسابات. كما تم التنصيص على إمكانية حل الأحزاب التي لا تقدم حساباتها السنوية، فضلاً عن إحالة الاختلالات المرتبطة بالتمويل العمومي على النيابة العامة.
وفي ما يخص تأسيس الأحزاب السياسية، أبرزت الدراسة أن القانون التنظيمي الجديد شدد عدداً من الإجراءات، من بينها الاقتصار على الإيداع المباشر لملف تأسيس الحزب، مع اشتراط وثائق وتوقيعات مصادق عليها وفق معايير محددة.
وسجلت الدراسة، في المقابل، ما وصفته بـ”هيمنة وزارة الداخلية” على إعداد المنظومة الانتخابية، معتبرة أن أغلب التعديلات تمت صياغتها داخل الوزارة، في حين ظلت مساهمة الأحزاب السياسية محدودة خلال النقاش التشريعي. كما أشارت إلى أن مشاريع القوانين لم تعرف سوى تعديلات طفيفة أثناء مناقشتها داخل البرلمان.
وأضافت الدراسة أن النقاش العمومي حول هذه التعديلات ظل ضعيفاً نسبياً، رغم أهمية القوانين الانتخابية، مرجعة ذلك إلى تعقيد المقتضيات القانونية وتراجع الاهتمام الشعبي بالشأن الانتخابي، فضلاً عن تزامن النقاش مع انشغال الرأي العام بتنظيم كأس إفريقيا للأمم بالمغرب.
وفي خلاصاتها، اعتبرت الدراسة أن بعض المقتضيات الجديدة تعزز مراقبة تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية، غير أنها أكدت أن الزجر القانوني وحده “غير كافٍ” لمحاربة الفساد الانتخابي، في ظل استمرار اختلالات مرتبطة بالممارسة السياسية وبضعف الثقة في المؤسسات التمثيلية.