يوميات العيش تحت تهديد السقوط.. حكايات “المنسيّين” في سلا القديمة
بين أزقة المدينة القديمة بسلا، وغير بعيد عن منطقة المشجعين “باب المريسة” المخصصة لكأس أمم إفريقيا 2025، يختبئ الوجه الآخر للمدينة، بعيداً عن الأضواء والهتافات، هنا البيوت العتيقة تكاد تنهار، وأزقتها الضيقة تحمل في كل زاوية قصة عن الإهمال والنسيان، حيث تتآكل الجدران، وتتسرب مياه الأمطار من الأسقف الهشة، وتفتقر المنازل إلى أبسط الخدمات الأساسية.
ففي أحياء هشة مثل “أحمد حجي”، و”سيدي إيدر”، و”البلييدة”، و”زناتة”، يواجه سكان المدينة القديمة يوميات مليئة بالصعوبات، بين الانقطاع المتكرر للكهرباء والماء، والتشققات التي تملأ الجدران لتصبح مصدر خطر يهدد حياة قاطنيها، خاصة بعد أول قطرة غيث، كما تتكدس العائلات فيما يُعرف محلياً بـ”الفنادق” وهي دور سكنية مشتركة كفندق “الصامد” و”صحراوة” و”باسو”.
مشهد يعكس واقع الوعود المعلقة التي لم يتحقق منها شيء، وإصلاحاً مجتزأً ركّز على الواجهة تاركاً الداخل والبيوت المتهالكة تشكو حالها جراء سنوات الإهمال الطويلة.
عدسة صحيفة “صوت المغرب” انتقلت إلى عين المكان، واستقت تصريحات مواطنين يقطنون في هذه الظروف الصعبة، يتساءلون عن مصير الميزانية، ويطالبون المسؤولين بالتدخل والالتفات إلى معاناتهم، لا أن يتعاملوا معهم فقط كخزان انتخابي، يتذكروهم فقط مع كل محطة انتخابية.
“انظروا للناس بعين الرحمة”
في حديثه لصحيفة “صوت المغرب”، يقول مصطفى، أحد القاطنين بالمدينة القديمة، إن “مدينة سلا استفادت بالفعل من أوراش الترميم والإصلاح، وكنا متفائلين بأننا أخيرا سنصبح مرئيين للعالم، وأن وقت الإصلاح قد حان، وأن زمن الخراب والدمار قد ولّى”، قبل أن يوضح أن “هذا التفاؤل سرعان ما تلاشى بعدما استفاق السكان على واقع يطبعه التمييز، إذ شمل الإصلاح بعض المنازل فيما أقصى عددا كبيرا منها”.
ويوضح المتحدث أن الإصلاحات “كانت سطحية وهمّت الواجهة فقط ومنازل الميسورين”، في حين يُبدي أسفه الشديد لوضعية المنازل التي تصادفك فور التوغل قليلاً داخل أزقة المدينة، حيث أسقف هشة، وبنايات أغلبها آيلة للسقوط، وجدران متآكلة، في ظل غياب أبسط الخدمات، وهي مشاهد لخّصها سعيد في كلمتين اثنتين: “الدمار والخراب الحقيقيان”.
“انظروا إلى الناس بعين الرحمة، فنحن جميعاً مغاربة، نحب هذا البلد ونغار عليه”، يقول مصطفى، مطالبا المعنيين بالأمر بأن “يتحلّوا بالقدر نفسه من الغيرة والحب تجاه الوطن بأكمله، لا جزءاً منه فقط”.
ويضيف “نريد من المسؤولين أن تكون لهم الغيرة على بلادهم مثل تلك التي يُظهرونها في الملاعب وفي تنظيم التظاهرات، لأن الشباب باتوا يُلقون بأنفسهم في عرض البحر، بحثاً عن ظروف عيش كريمة، بعدما فقدوا الأمل في البقاء داخل الوطن”.
في الضراء قبل السراء
من جانب آخر، يروي كلٌّ من عبد الخالق والمهدي معاناتهما اليومية، التي تتفاقم بشكل أكبر خلال فصل الشتاء، حيث تتحول بيوتهم إلى ما يشبه المسابح وبرك المياه، لولا لجوؤهم إلى وسائل بدائية للتخفيف من الأضرار، وهي أوضاع قاسية وصعبة، يؤكد السكان أن “المسؤولين لا يبدون أي اكتراث بها”، إذ لا يَظهرون، بحسب تعبيرهم، “إلا في أوقات الرخاء، ويغيبون تماما عند الشدائد”.
هذا ما أورده عبد الخالق، أحد سكان المدينة القديمة، حيث عبّر في تصريحه عن استيائه، قائلاً إنهم “تعبوا من الوعود التي لم يتحقق منها شيء على مدى سنوات”، مضيفا أن “ما يفعله المسؤولون هو انتظار اقتراب موعد الانتخابات، ليتذكرونا، ويبدأوا في توزيع الأموال لاستمالة أصوات الناخبين”.
وشدد عبد الخالق قائلاً “رسالتنا لهؤلاء أن يكونوا حاضرين معنا في جميع الظروف بحلوها ومرها، لا في اللحظات الحلوة فقط، الله وحده يعلم بحالنا اليوم”.
وأوضح أنه يعيش رفقة عائلته في الحي نفسه منذ سنوات طويلة دون أن يستفيدوا من أي إصلاحات، مردداً بحسرة: “إذا استمر الوضع على ما هو عليه، سيأتي يوم لن نسمع فيه إلا: رحمة الله عليه، رحمة الله عليهم”، في إشارة إلى الخطر الجسيم الذي تشكله البنايات المتهالكة على حياة قاطنيها.
وضعٌ مماثل يعيشه المهدي، القاطن في الزقاق نفسه رفقة أسرته، حيث كشف عن الحالة الكارثية لمنزله، إذ تنتشر الدلاء في أرجاء البيت لتجميع المياه المتساقطة من سقف البيت الهش المليء بالشقوق والثقوب.
كما تضطر العائلة إلى استعمال الأغطية البلاستيكية لحماية الأفرشة واللحافات من البلل، حتى لا تغرق بالماء ويجدوا أنفسهم دون ما يفترشونه للنوم، بعدما تبللت ملابسهم ومعظم ممتلكاتهم.
وفي هذا السياق، وجّه المهدي نداءً إلى الملك من أجل إيجاد حل لمعاناتهم، مطالباً بالاستفادة من الإصلاحات أسوةً بعدد من سكان المدينة القديمة.
بدورها، تحدثت جميلة، إحدى القاطنات أيضا، بحرقة شديدة، وهي تردد بأسى “يا حسرة يا حسرة، نبكي على سلا ونتأسف على حالها، أصبحنا نخجل من القول بأننا السكان الأصليون لمدينة سلا وأننا أبناء هذا البلد”، وضربت مثالا بوضعية حي سيدي أحمد حجي، مبرزة أن “الإصلاح يقتصر على الواجهة فقط، عبر صباغة الجدران المطلة على الشارع، في حين يظل الداخل في وضع كارثي”، متسائلة عن مصير الميزانيات المرصودة لهذه الأشغال.
وأضافت أن “من يتولى مسؤولية تدبير الشأن المحلي بسلا يغادر منصبه غنيا، بينما تزداد معاناة الساكنة”، مشيرة إلى أن “المسؤولين لا يظهرون إلا خلال الحملات الانتخابية”، وأن “من تعاقبوا على تسيير مدينة سلا لم يشعروا يوما بمعاناة سكانها الأصليين، لأنهم لا ينتمون فعلياً إلى المدينة، وبالتالي لا يستحضرون آلام أهلها ولا واقعهم اليومي”.
ماذا بعد “الإصلاح”؟
حتى في الحالات التي شملها “الإصلاح”، لا يزال عدد من المواطنين يعانون من مشاكل جمة، وفق ما استقته “صوت المغرب” من شهادات بعض السكان، الذين رووا أنهم استجابوا لدعوات السلطات بمغادرة منازلهم، على أمل أن تكون عمليات الإصلاح والترميم شاملة وفعالة.
لكن النتيجة، بعد مرور سنتين، “كانت صادمة ومخيّبة للآمال”، بحسب ما يرويه عبد اللطيف، قاطن آخر بالمدينة القديمة، إذ قال إنه غادر مع عائلته المنزل قبل عامين، آملاً أن يعود ليجدها مصلوحة وفي حلة جديدة، إلا أن ما وجده كان عكس ذلك تماماً، “العراء والتخريب يغمران المكان”.
وأضاف عبد اللطيف أن “عدادات الكهرباء والماء، التي كانت موجودة في الخارج، أُزيلت، فيما تم تركيب أسلاك الكهرباء بطريقة غير آمنة، متدلية على الأرض بدل أن تكون مثبتة على الجدران، ما جعل الوضع يشكل خطراً حقيقياً على حياتهم”، موردا “حينما عدنا إلى البيت وحاولنا تشغيل الكهرباء، اشتعلت النيران في كل مكان”.
واستطرد أن “الدفوف الخشبية التي كانت موجودة في البيت أزيلت، كما تم تفكيك الزليج وكل ما يضفي على المنزل طابعا جماليا، حتى أن المرحاض بات بلا ضوء أو أي تجهيزات، وكل شيء تعرض للتخريب”، مضيفا “لم يُترك شيء إلا وأزيل أو خُرب، كما أننا لم نجد لا صباغة ولا أي ترميم حقيقي”.
ولدى محاولة المطالبة بحقهم، قال عبد اللطيف إن “المسؤولين الحاليين ردّوا بأنهم جدد، وليسوا على علم بما جرى، كما أنهم لم يكونوا موجودين وقت تنفيذ هذه الأشغال”، تاركين السكان وحدهم في مواجهة هذا الواقع الكارثي.
ويُشار إلى أن الملك محمد السادس، يوم 12 فبراير 2014 ترأس بمدينة سلا، حفل إطلاق برنامج التأهيل الحضري المندمج للمدينة (2014-2016)، الذي يروم الحفاظ على موروثها التاريخي من خلال ترميم مواقعها الأثرية وتطويرالبنيات التحتية بالإضافة إلى إعادة تأهيل قطاع التجارة والخدمات وتعزيز النسيج الحضري والتقليدي.
ومن ضمن المحاور التي شملها البرنامج، الدور الآيلة للسقوط، الذي ضم إعادة التأهيل والترميم، هدم الخرب، إعادة إيواء قاطني هذه الدور، فيما تعلق المشروع الثاني بتأهيل الفنادق والإقامات، والذي شمل تهيئة المساكن القديمة، واقتناء وتأهيل الفنادق.
ولطلب وجهة نظرها في الموضوع، حاولت صحيفة “صوت المغرب” التواصل مع السلطات المحلية بسلا، غير أنه لم يتم الرد على محاولات الاتصال المتكررة.