story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

وسقطت ساعة الشؤم!

ص ص

اتخذت حكومة عزيز أخنوش، في الرمق الأخير من عمرها السياسي، قرارا أشبه بالعفو العام. ليس لأنه يعيد عقارب الساعة ستين دقيقة إلى الوراء فقط، بل لأنه يخرج المغاربة من سجن يومي كتم أنفاسهم ثماني سنوات، وأجبرهم على العيش خارج منطق الطبيعة، وضد إيقاع الضوء، وعلى حساب توازن أجسادهم وأعصابهم وأطفالهم.
لا يمكن، في لحظة كهذه، إلا أن نصفق للقرار ونثمنه. التأخر في اتخاذ القرار خير من عدم اتخاذه. والعودة المتأخرة إلى الصواب أفضل من الاستمرار في المكابرة. لكن الفرح، هنا، لا ينبغي أن يمنع الفهم. والابتهاج باسترجاع الساعة القانونية لا ينبغي أن يمحو ذاكرة ما وقع: ثماني سنوات من الاستهتار، وثماني سنوات من الحجج الواهية، وثماني سنوات من التعامل مع أجساد المغاربة كما لو أنها هوامش في ورقة تقنية، أو ملحق صغير في دفتر مصالح اقتصادية لا يراها الناس ولا يقطفون ثمارها.
أول درس في هذه القصة أن خطابات التيئيس كانت كاذبة. كل أولئك الذين ظلوا يقولون إن الاحتجاج لا ينفع، وإن الغضب الشعبي لا يغير شيئا، وإن صوت المواطن لا يصل، وإن القرارات الكبرى لا تتأثر بمزاج الناس ورغباتهم وآلامهم اليومية، تلقوا اليوم جوابا واضحا.
لا شيء كان مستحيلا. ما كان ينقص هو استمرار الضغط، وتراكم الأصوات، ورفض المغاربة أن يتعاملوا مع “ساعة رونو” و”ساعة الشؤم” و”ساعة الاستعمار” كما لو أنها قدر منزل.
كنا في “صوت المغرب”، وحتى قبل تأسيسها، ضمن طيف واسع من المغاربة الذين لم يملوا من إعلان رفضهم لهذه الساعة المشؤومة. كتبنا عنها، غضبنا منها، سخرنا من حججها، وقلنا إننا لا نحتاج إلى دراسة جديدة كي نعرف أن شعبا كاملا لا يمكن أن يبدأ يومه في العتمة ثم يقال له إن ذلك من أجل مصلحته. غيرنا دعا إلى الوقفات. وآخرون أطلقوا العرائض. آباء وأمهات احتجوا أمام المدارس. وأطفال طرحوا السؤال البسيط الذي يهزم كل بلاغ حكومي: لماذا نخرج والنهار لم يستيقظ بعد؟
هذا كله كان سياسة. ومن لا يفهم ذلك لا يفهم كيف تصنع القرارات، ولا كيف تتغير. فمعركة الساعة المشؤومة قدمت للمغاربة درسا بليغا في تعقيد عملية اتخاذ القرار، وفي ارتهانها لموازين القوى، وللمعطيات الضمنية وغير المعلنة، ولما يتراكم في الصمت والغضب والاحتجاج والسخرية والإحراج.
المرسوم الذي يصدر في الجريدة الرسمية لا يولد في فراغ، بل هو النتيجة الأخيرة لتفاعلات كثيرة، ينبغي للمواطن أن يكون حاضرا فيها، لا أن ينسحب من موقعه كمواطن ودافع للضرائب، ثم يترك الساحة للذباب الواقعي والافتراضي، وللكائنات المأجورة، وللأبواق المسخرة لخدمة مركب مصالح بامتداداته العمودية والأفقية، الداخلية والخارجية.
المشاركة المواطنة ليست انتخابات فقط. المشاركة أن تقول لا حين يريدون منك أن تقبل العبث بوصفه حكمة. وهي أن تكتب، وأن تدوّن. وأن تحتج. وأن تسائل. وأن تحرج. وأن ترفض إخلاء الساحة. وأن تذكّر من بيده القرار بأنك لست رقما في جدول استعمال الزمن، ولا جسدا قابلا للتكييف مع كل نزوة إدارية، ولا كائنا بيولوجيا يمكن نقله ساعة إلى الأمام فقط لأن جهة ما تريد أن تتقارب مع أوروبا، أو مع فرنسا، أو مع مصالح قطاعية لم تملك يوما شجاعة قول اسمها الحقيقي.
طبعا، لا يمكن فصل القرار عن التقاطب السياسي الجاري بين عزيز أخنوش وحزبه من جهة، وعبد الإله ابن كيران وحزبه من جهة أخرى. فقد تبنى رئيس الحكومة السابق مطلب حذف الساعة الإضافية، ووعد صراحة بإلغائها إذا عاد حزبه إلى تصدر المشهد السياسي في الانتخابات المقبلة. ومن هنا جاء من اعتبر قرار أخنوش ضربة انتخابية استباقية تسحب من ابن كيران ورقة شعبية مؤثرة، وجاء من رأى، في الاتجاه المعاكس، أن القرار دليل على قوة تأثير العدالة والتنمية وزعيمه، بعدما ساهما في تحويل مطلب اجتماعي قديم إلى ضغط سياسي مباشر على الحكومة.
والحقيقة أن القراءتين معا تملكان نصيبا من الصواب. فالخطوة لا تخلو من استثمار انتخابي لصالح أخنوش وحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يستطيع أن يقول في حملته المقبلة إنه ألغى قرارا اتخذته حكومة سابقة قادها حزب العدالة والتنمية، وتحديدا حكومة سعد الدين العثماني. وفي المقابل، لن يعدم حزب العدالة والتنمية شرعية توظيف الورقة نفسها، بالقول إن حكومة أخنوش لم تستجب لكل الاحتجاجات السابقة، ولم تسمع أنين الآباء والأمهات والأطفال، إلا عندما تبنى الحزب رسميا هذا الموقف الشعبي، ووعد بجعله قرارا حكوميا إذا عاد إلى السلطة.
لكن ما لا يجوز أن يمر بلا تسمية هو الطريقة التي صاغ بها عزيز أخنوش، والناطق الرسمي باسم حكومته مصطفى بايتاس، الإعلان عن القرار. لقد بنيا الخطاب على فكرة الاستجابة للمطالب الشعبية والإنصات للمواطنين. وهذا، في حد ذاته، تعبير حي عن المسخ السياسي، لأن الحكومتين، السابقة والحالية، أنكرتا طيلة هذه السنوات حق المغاربة في التعبير والمطالبة، لإن الإنكار لا يكون بالخطاب فقط، بل بالتجاهل والتسفيه و”النخال”، كما أنكرتا واجبهما في الإنصات والاستجابة.
لقد ظل الوزراء المتعاقبون يدفعون بحجج واهية وأكاذيب سافرة عن الطاقة والاقتصاد والنجاعة، ثم خرج أخنوش وبايتاس، فجأة، ليقولا إن الحكومة استمعت إلى المواطنين. كأن هذه المطالب وُلدت أمس، أو كأن آذانهم كانت صماء وأعينهم عمياء طيلة سنوات الولاية الحكومية.
إذا كان الأمر استجابة للمطالب الشعبية، والقرار بهذه السهولة، فلماذا لم تقع هذه الاستجابة قبل سنة؟ قبل سنتين؟ قبل خمس سنوات؟ لماذا ظل المغاربة يدفعون ضريبة يومية من نومهم ومزاجهم وسلامة أبنائهم، بينما كان المسؤولون يرددون الحجة نفسها، بالبرودة نفسها، وبذلك الإصرار العجيب على إقناع الناس بأن ما يؤلمهم مصلحة عامة؟
الجواب بسيط ومؤلم: لأن الانتخابات اقتربت. ولأن أخنوش، الذي بدا في لحظة ما كما لو أنه قرر الانصراف أو جرى صرفه، يحاول الآن العودة. إلغاء الساعة الإضافية ليس مجرد قرار اجتماعي متأخر، بل رسالة سياسية مفادها أن الرجل، وما يمثله من مركب مصالح، لم يرفع الراية البيضاء بعد، وأنه متوثب لخوض المعركة الانتخابية المقبلة بكل ما يملك من شبكات وموارد وأعيان وآلة تواصلية. بينما الخطوة هي دليل وحجة على أن هذه الحكومة تعمّدت تعذيب المغاربة طيلة خمس سنوات.
ما حدث في الأسابيع الأخيرة من تحريك إمكانيات ضخمة، بكل أنواعها، لتعبئة الأعيان، وحشد الشبكات الانتخابية المحلية، وتقوية الآلة التواصلية، لا يمكن قراءته خارج هذا السياق. أخنوش يريد الدفاع عن موقعه، حتى وهو خارج ضمنيا من سباق رئاسة الحكومة المقبلة. يريد أن يقول إنه لم ينته. يريد أن يعيد بناء صورة منكسرة بقرار شعبي وسهل التسويق. يريد أن يلبس لباس المنصت بعدما قضى ولايته في موقع لا أريكم إلا ما أرى.
وهنا ينبغي الانتباه إلى احتمال أخطر، وهو أن يتكرر سيناريو “إعادة الترابي” الذي عشناه طيلة خمس سنوات، كرد فعل على احتجاجات “جيل زيد” التي “أسقطت” أخنوش، تماما كما انطلق مسار إعادة بناء السلطة السياسية والانتخابية نفسها بعد حملة المقاطعة الشعبية لسنة 2018.
حين يغضب الناس، لا يكون الجواب دائما إصلاحا عميقا؛ قد كثيرا ما يكون إعادة تعبئة مضادة، وترميم شبكات، وتبديل واجهات، واستعمال مطالب الناس نفسها لتجديد شرعية من تسببوا في غضبهم.
لذلك، نعم، نفرح اليوم لأن الساعة القانونية ستعود. نفرح لأن الأطفال سيخرجون إلى مدارسهم والنهار أقرب إلى اليقظة. نفرح لأن المغاربة انتزعوا، ولو متأخرين، جزءا من حقهم في حياة طبيعية. نفرح لأن ساعة الشؤم سقطت أخيرا، أو في طريقها إلى السقوط.
لكننا لا ننسى.
لا ننسى من فرضها من الحكومتين السابقة والحالية. ولا من دافع عنها. ولا من سوّق أكاذيبها. ولا من استهزأ بالغضب الشعبي. ولا من قال لنا إن أجسادنا مخطئة والقرار وحده على صواب. ولا من اكتشف مطالب المواطنين فقط عندما صار المواطنون ناخبين محتملين في نهاية ولاية سياسية متعبة. كأنها طريقة فجّة أخرى في “شراء” ذمم المغاربة واقتيادهم نحو مكاتب التصويت.
أجمل ما في هذا القرار أنه يثبت أن المغاربة لم يكونوا مخطئين. وأتعس ما فيه أنه احتاج ثماني سنوات كي يكتشف المسؤولون ما كان يعرفه طفل صغير كل صباح: لا يمكن أن تكون دولة ما في كامل رشدها وهي تطلب من شعب كامل أن يبدأ يومه قبل أن يبدأ النهار.
لقد سقطت ساعة الشؤم. وهذا مكسب شعبي قبل أن يكون هدية حكومية. ومن حق المغاربة أن يفرحوا به. لكن من واجبهم، أيضا، أن يفهموا درسه الأكبر: حين يتحرك المواطن، يصبح رقما صعبا في المعادلة. وحين ينسحب، تتحول حياته اليومية إلى حقل تجارب لمن يملكون القرار، ولا يعيشون أثره.