مونديال 2014.. حين امتزج السحر الكروي بصدمة السقوط المدوي للبرازيل
في بلاد جمهورها مجنون بعشق كرة القدم حتى أصبحت جزءا من هويته اليومية، اجتمع العالم صيف العام 2014 في البرازيل على موعد مع بطولة استثنائية لن تنسى بسهولة، إذ جمعت في طياتها بين المتعة والإثارة والمفاجآت في صورة تعكس بوضوح قساوة كرة القدم رغم جمالها منذ انطلاق لحظات المونديال الأولى وحتى صافرة النهاية.
ورغم المخاوف التي سبقت انطلاق المنافسات بسبب الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها البرازيل في تلك الفترة، والتي خرج فيها المواطنون اعتراضا على ارتفاع تكاليف المعيشة وسوء الخدمات وكلفة تنظيم كأس العالم مقارنة بالاستثمار في الصحة والتعليم، إضافة إلى مطالب مرتبطة بمكافحة الفساد، فقد نجحت البلاد في تجاوز تلك التحديات وتنظيم نسخة مميزة من البطولة، وسط حضور جماهيري قياسي وأجواء احتفالية عكست الشغف الكبير الذي يكنه الشعب البرازيلي لكرة القدم.
وقد شهدت البطولة تسجيل 171 هدفا، لتتساوى مع الرقم القياسي المسجل في مونديال فرنسا عام 1998، مما جعلها واحدة من أكثر النسخ غزارة تهديفية في تاريخ المسابقة.
ولم يكن مونديال البرازيل مجرد نسخة عادية، بل كان مسرحا للأحلام والانكسارات، حيث شهد لحظات لن تكرر، ومفاجآت قلبت التوقعات، ومشاهد عاطفية بقيت راسخة في ذاكرة الجماهير بحضور عدد كبير من نجوم الساحرة المستديرة عبر العالم.
هؤلاء النجوم يتقدمهم الألماني ميروسلاف كلوزه الذي دخل سجل الأساطير بعدما أصبح الهداف التاريخي لكأس العالم برصيد 16 هدفا، متجاوزا الرقم الذي كان يحمله البرازيلي رونالدو نازاريو دا ليما وهو 15 هدفا.
كما خطف الكولومبي خاميس رودريغيز الأضواء في مشاركة عالمية له بأدائه المميز، بعدما قاد منتخب بلاده إلى ربع النهائي لأول مرة في تاريخه وتوج بالحذاء الذهبي آنذاك كهداف للبطولة برصيد 6 أهداف، بالإضافة إلى فوز هدفه الأسطوري ضد الأوروغواي بجائزة بوشكاش لأجمل هدف في ذلك العام.
وفي المقابل، واصل الأرجنتيني ليونيل ميسي تألقه، وقاد منتخب بلاده إلى المباراة النهائية بأهداف حاسمة ومهارات مؤثرة، لينال جائزة أفضل لاعب في البطولة رغم خسارة اللقب أمام الماكينات الألمانية، كما برزت أسماء أخرى مثل الألمانيين توماس مولر وتوني كروس والهولندي آريين روبن، في حين كان البرازيلي نيمار دا سيلفا أحد أبرز نجوم منتخب “السيليساو” قبل أن تنهي الإصابة مشواره في الأدوار الإقصائية.
لكن البطولة لم تخل من الصدمات الكبرى، فقد خرجت إسبانيا، بطلة العالم سنة 2010 بجنوب إفريقيا، من الدور الأول بأداء متواضع كانت أبرز تجلياته خسارة قاسية أمام هولندا بنتيجة 5-1، كما ودعت منتخبات عريقة مثل إنجلترا وإيطاليا والبرتغال مبكرا، في تأكيد على أن التاريخ وحده لا يكفي للفوز بكأس العالم.
وجاءت الصدمة الأكبر في نصف النهائي، عندما تلقى المنتخب البرازيلي صاحب الأرض والجمهور هزيمة تاريخية ثقيلة أمام ألمانيا بنتيجة 7-1، وكانت تلك الليلة واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ كرة القدم البرازيلية، حيث تحولت أحلام التتويج إلى كابوس لم يمح من الذاكرة حتى يومنا هذا.
ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ خسر “راقصو السامبا “أيضا مباراة تحديد المركز الثالث أمام هولندا بثلاثية نظيفة، وشهدت البطولة كذلك لحظات إنسانية مؤثرة، من بينها دموع الحارس البرازيلي جوليو سيزار بعد التأهل على حساب الشيلي بركلات الترجيح، ودموع نيمار بعد تعرضه لإصابة خطيرة بكسر في إحدى فقرات الظهر أمام كولومبيا، إضافة إلى اعتذار القائد دافيد لويز للجماهير بعد الهزيمة الثقيلة أمام ألمانيا، في مشهد عكس حجم الصدمة التي عاشها أصحاب الأرض.
كما لم تخل البطولة من الجدل الكروي، أبرزها حادثة مهاجم أوروغواي لويس سواريز عندما عض المدافع الإيطالي جورجيو كيليني، ما أدى إلى إيقافه تسع مباريات دولية ومنعه من أي نشاط كروي لمدة أربعة أشهر.
أما على مستوى الأهداف، فقد شهدت البطولة لقطات خالدة في تاريخ المونديال، أبرزها هدف خاميس رودريغيز الرائع في مرمى الأوروغواي، ورأسية الهولندي روبن فان بيرسي الشهيرة أمام إسبانيا، وهدف الأسترالي تيم كاهيل في مرمى هولندا، إضافة إلى هدف ليونيل ميسي الحاسم أمام إيران، والهدف الذهبي الذي سجله ماريو غوتزه في النهائي ليمنح ألمانيا لقبها الرابع.
وشهدت النسخة أيضا إدخال تقنيات جديدة لأول مرة في تاريخ كأس العالم، أبرزها تقنية خط المرمى، إضافة إلى استخدام الرذاذ المتلاشي لتنظيم المسافات في الركلات الحرة، مما ساهم في تحسين دقة التحكيم.
وفي ختام البطولة، توج المنتخب الألماني بطلا للعالم بعد فوزه على الأرجنتين بهدف دون مقابل في الوقت الإضافي، ونال خاميس رودريغيز الحذاء الذهبي، فيما حصل ليونيل ميسي على جائزة أفضل لاعب، وتوج مانويل نوير بالقفاز الذهبي لأفضل حارس مرمى بعد أداء كبير ساهم في تتويج بلاده.
وهكذا أسدل الستار على نسخة البرازيل سنة 2014، في بطولة جمعت بين المتعة والمفاجآت، لتبقى واحدة من أكثر نسخ كأس العالم إثارة في التاريخ، وواحدة من أكثرها حضورا في ذاكرة عشاق كرة القدم.
*خديجة اسويس.. صحافية متدربة