منع «منشورات المقاطعة» تفتح نقاشا حول حدود التعامل مع الأصوات المخالفة
في سياق احتدام الصراعات السياسية بين الأحزاب، وفي ظل استمرار الحملة الانتخابية التي انطلقت يوم 10 وتستمر إلى منتصف ليلة 22 شتنبر الجاري، أثارت توقيفات طالت أعضاء في حزب النهج الديمقراطي العمالي، الذي يدعو إلى المقاطعة، نقاشا حقوقيا حول حدود التعامل مع الأصوات والمواقف المخالفة سياسيا.
وكان الحزب قد جدد، في 30 يونيو 2026، موقفه المتمثل في مقاطعة الانتخابات، معتبرا أن هذه الأخيرة تفتقر إلى ما أسماه بـ«أبسط شروط الديمقراطية والنزاهة»، وفق تعبيره.
توقيفات بسبب توزيع المنشورات..
وفي هذا الإطار، اشتكى الحزب من تعرض أعضائه إلى ما وصفه بـ«أشكال من الحصار والتعنيف والتضييق»، يوم الجمعة 11 شتنبر 2026، بحي البرنوصي بمدينة الدار البيضاء، معتبرا أن الهدف من ذلك هو المنع من التواصل مع المواطنات والمواطنين ونشر دعوة المقاطعة.
وفي اليوم الموالي، أي يوم السبت 12 شتنبر 2026، جدد الحزب شكواه من توقيف أربعة من أعضائه بمدينة بني ملال، وهم رضوان بوتوتلة، ومحمد زندور، وحميد الفطناسي، وياسين فلات، بعدما كانوا يعتزمون توزيع منشورات تدعو إلى المقاطعة، قبل أن يتم إخلاء سبيلهم في وقت لاحق.
وأورد عمر أربيب، نائب رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أنه جرت توقيفات أخرى بمدينة سلا، يوم أمس الإثنين 14 شتنبر الجاري، مبرزا أنه تم إخلاء سبيل «جميع الموقوفين بعدما أُنجزت لهم محاضر في الموضوع».
وقال أربيب، في إفادة لصحيفة «صوت المغرب»، إن هذه «الاعتقالات تحيل على أسلوب سلطوي ممنهج ويظهر حقيقة الديمقراطية المروج لها، بما هي مركوتينغ سياسي لشرعنة الاستبداد والتسلط واستمرار الوضع القائم»، وفق تعبيره.
الانتخابات والحق في التنظيم..
وأضاف القيادي في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن «الديمقراطية في أبسط تجلياتها لا يمكن تجسيدها إلا باحترام حقوق غير قابلة للتصرف أو التنازل أو المساومة».
ويرى الناشط الحقوقي أنه «لا يمكن الحديث عن الانتخابات، فبالأحرى الديمقراطية، دون احترام الحق في التنظيم، وحرية الرأي والحق في التعبير، ودون القبول بمداخل الصراع السياسي والفكري وقبول النقد والانتقاد والحق في ممارسة السياسة بمقاربات قد تصل للتناقض مع السلطة».
واعتبر أن التوقيفات التي جرت «تضرب مبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في مقتل، ودليل على تمدد السلطوية ومصادرة وقمع كل رأي أو ممارسة سياسية معارضة لجوهر السلطة وطامحة لبناء بديل ديمقراطي يكفل الحقوق والحريات»، وفق تعبيره.
موقف المقاطعة غير مؤثر..
وفي سياق متصل، كان خبير الجغرافية السياسية، مصطفى اليحياوي، قد أوضح أن مقاطعة الانتخابات هي نتاج لقراءة مرتبطة بالموقف المبدئي لبعض التيارات من طبيعة النظام السياسي ومن المسار الديمقراطي كاملا، مبرزا أنه من المبالغة القول إن موقف المقاطعة أثر على مستوى العادة التي طبعت الانتخابات المغربية.
وأثار أستاذ الجغرافية السياسية وتقييم السياسات العمومية بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، في حديث مع صحيفة «صوت المغرب»، إشكالا يتعلق بـ«الامتداد الجماهيري للتنظيمات المحسوبة على ما يُسمى بأحزاب المناضلين»، مؤكدا أن «جزءا منها يحمل مواقف مبدئية من المسار الذي بلغه الإصلاح الديمقراطي في المغرب».
وأضاف اليحياوي أن المقاطعة مرتبطة بهذا النوع من الأحزاب، مشيرا إلى أن الأحزاب الكبيرة التي تشارك عادة في الاستحقاقات الانتخابية ليس لها موقف سلبي، على الأقل خلال الـ25 سنة الأخيرة.
وأشار إلى أن قرار المقاطعة مرتبط بـ«موقف سياسي نخبوي»، وليس نتاجا لنقاشات شعبية واسعة، مبرزا أن هذا القرار لم يكن ذا تأثير سياسي في التجربة المغربية، منبها إلى أن الحالة الوحيدة التي يمكن استحضارها هي ما نتج عن النسبة المتدنية، التي بلغت 37 في المائة من المسجلين، والتي سجلت لأول مرة في انتخابات 2007.