من الوصاية إلى الندية.. وثائقي فرنسي يُشرح العلاقة المعقدة بين الرباط وباريس
تحت عنوان استعاري مستمد من كلاسيكيات الغناء الفرنسي “Je t’aime moi non plus”، عرضت قناة “فرانس 5” وثائقيا للمخرج، بينوا برينجيه، حاول فيه النبش في المسكوت عنه ضمن العلاقات بين الرباط وباريس ليطرح من جديد، أسئلة قديمة حول طبيعة العلاقة التي تجمع المغرب بفرنسا، و هي العلاقة التي وصفها متدخلون ضمن الفيلم بأنها “شديدة الكثافة، كثيرة التوتر، لكنها لا تنقطع”.
الوثائقي لا يكتفي بسرد محطات تاريخية معروفة، حيث ينطلق من واحدة من أكثر القضايا حساسية في السنوات الأخيرة، وهي مزاعم برنامج التجسس “بيغاسوس”، ليبني عليها قراءة أوسع لما يسميه “اختلالا في ميزان القوة” بين الرباط وباريس.
وبحسب ما يعرضه العمل، فقد ظهر رقم هاتف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ضمن قائمة تضم حوالي 50 ألف رقم يُشتبه في استهدافها عبر البرنامج، وهو معطى يكتسي حساسية خاصة، بالنظر إلى طبيعة العلاقات بين البلدين.
ويشرح أحد المتدخلين في الوثائقي أن “بيغاسوس”برنامج متطور يتيح التحكم الكامل في الهاتف: تشغيل الكاميرا والميكروفون، الوصول إلى الرسائل، وحتى اختراق التطبيقات المشفرة، ما يجعل الشخص المستهدف “مكشوفا بالكامل”.
في هذا السياق، يطرح العمل فرضية أن “الاهتمام المغربي” المحتمل بهاتف الرئيس الفرنسي قد يكون مرتبطاً بسياق إقليمي، خاصة حينما كانت باريس تتابع عن قرب الوضع في الجزائر سنة 2019.
الدبلوماسي الفرنسي بيرنارد باجوليه قال إن “فائدة المغرب في التجسس على رئيس الحكومة الفرنسي تكمن في اهتمامه بمعرفة الحالة النفسية لفرنسا في مواجهة المغرب والجزائر كون ذلك بالنسبة للمغرب معلومات ذات طبيعة استراتيجية”.
و من بين اللحظات التي يركز عليها الوثائقي، تلك المكالمة الهاتفية التي جمعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالملك محمد السادس، في ذروة التوتر المرتبط بقضية “بيغاسوس”.
ووفق روايات يقدمها العمل، فإن الرئيس الفرنسي اختار أسلوبا مباشرا في مخاطبة العاهل المغربي، وذهب حدّ طرح احتمالين، “إما أن تكون الأجهزة المغربية قد تجاوزت الملك، أو أن يكون على علم بما جرى”.
هذا النوع من الخطاب، الذي قد يكون عاديا في علاقات دبلوماسية أخرى، لم يمرّ دون أثر في العلاقة مع المؤسسة الملكية، حيث يشير الوثائقي إلى أن الرباط اختارت الرد بتجميد شبه كامل للعلاقات، في أزمة استمرت لأكثر من سنتين.
من الحماية إلى حرب الريف
الوثائقي يعود خطوة إلى الوراء لفهم جذور هذا التعقيد، مستحضرا مرحلة الحماية الفرنسية سنة 1912، حين تم تقسيم المغرب بين فرنسا وإسبانيا.
ويركز بشكل خاص على حرب الريف، التي انتهت سنة 1926 بعد تدخل عسكري واسع، استخدمت فيه فرنسا وإسبانيا قوة كبيرة للقضاء على المقاومة المحلية في شمال البلاد، في واحدة من أكثر المحطات دموية في التاريخ الحديث للمنطقة.
في المقابل، يقدم العمل صورة أكثر تركيبا للمرحلة الاستعمارية، من خلال استحضار شخصية الجنرال ليوطي، الذي يُنسب إليه الحفاظ على الطابع المعماري للمدن العتيقة، وهو ما يُستخدم أحيانا لتقديم “وجه مختلف” للاستعمار في المغرب مقارنة بتجارب أخرى.
اللغة و الاقتصاد
لا يقف الوثائقي عند السياسة فقط، وإنما يتوسع في استعراض الروابط الإنسانية التي نسجت العلاقة بين البلدين، من المدرسة التي فرضت اللغة الفرنسية على أجيال من المغاربة، إلى الهجرة التي انطلقت بقوة في سبعينيات القرن الماضي، حيث انتقل آلاف المغاربة للعمل في فرنسا، في ظروف يصفها بعض المتدخلين بأنها “قاسية ومليئة بالعزلة”.
ويقدم العمل شهادات لأبناء هذه الهجرة، الذين يتحدثون عن الازدواجية التي يعيشونها بين اندماج في المجتمع الفرنسي، وشعور دائم بأنهم “موضوع نقاش” في الجدل السياسي حول الهجرة والهوية.
من جانب آخر، يسلط الوثائقي الضوء على المصالح الاقتصادية التي تربط البلدين، مبرزا حضور الشركات الفرنسية في مشاريع كبرى داخل المغرب، خاصة في قطاعات الصناعة، والبنية التحتية، والأبناك، والجيش.
ويشير إلى أن هذه المصالح تجعل من الصعب على باريس اتخاذ مواقف حادة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة، مثل حقوق الإنسان أو حرية الصحافة.
دبلوماسية المامونية
انتقل الوثائقي لنبش المسكوت عنه في علاقة النخبة الفرنسية بالمغرب، حيث صاغ المخرج مصطلح “دبلوماسية المامونية” لتوصيف شبكة العلاقات غير الرسمية التي حيكت لسنوات في ردهات فندق المامونية الفاخر بمراكش.
وجاء في الوثائقي أن باريس لم تكن تتعامل مع الرباط بمنطق المؤسسات فحسب، و إنما عبر “صداقات شخصية” تمت تغذيتها بحفاوة الاستقبال المغربي.
وأورد الفيلم تساؤلات مباشرة وجهها لسياسيين فرنسيين بارزين، من بينهم نيكولا ساركوزي ودومينيك دو فيلبان، حول طبيعة إقامتهم في “قصر المأمونية”، محاولا الربط بين هذه “الامتيازات” وبين ليونة المواقف الفرنسية تجاه ملفات حساسة.
سنوات الرصاص
في سياق آخر، خصص الوثائقي مساحة واسعة لما يعرف بـ”سنوات الرصاص” و الاحتجاجات، مستحضرا صورا لمعتقلات تازمامارت وقلعة مكونة .
كما جاء في الوثائقي شهادة للكاتب والشاعر عبد اللطيف اللعبي، الذي استعاد لحظات الاعتقال والتعذيب، واصفا إياها بالقطيعة التامة مع العالم.
وفي مقابل ذلك، أشار الوثائقي إلى تجربة “هيئة الإنصاف والمصالحة”، وصور المغرب كبلد يعيش “طابو الخوف”، متجاهلا الاعتذار الرسمي للدولة وتعويض الضحايا.
عندما “تنحني” باريس للرباط
توقف العمل المطول عند واقعة المدير العام للمديرية العامة للأمن الوطني، عبد اللطيف حموشي، عام 2014، واصفا إياها بـ”لحظة الحقيقة” في ميزان القوى. حيث جاء في الوثائقي أن محاولة القضاء الفرنسي استدعاء مدير المخابرات المغربية من قلب مقر إقامة السفير في باريس، قوبلت بـ “رد سيادي عنيف” من الرباط التي جمدت التعاون الأمني والقضائي فورا.
وأوضح الوثائقي كيف وجدت فرنسا نفسها “رهينة” لحاجتها للمعلومات الاستخباراتية المغربية في عز خطر الإرهاب، مما اضطر الإليزيه لـ “ابتلاع الكبرياء”، وانتهى الأمر ليس فقط بالاعتذار، و إنما بتوشيح الحموشي بـ”وسام جوقة الشرف” وتغيير القوانين الفرنسية لتوفير حصانة للمسؤولين المغاربة.
الصحراء.. الثمن الضروري للصلح
في ختام الفيلم، ركز المخرج، بينوا برينجيه، على ملف الصحراء باعتباره “مفتاح الخروج من النفق”، وكما جاء في العمل الوثائقي، فإن العودة الأخيرة للدفء للعلاقات بين البلدين، لم تكن لتحدث لولا الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء.
وأضاف الوثائقي أن فرنسا، التي فقدت نفوذها تدريجيا في منطقة الساحل الإفريقي، أدركت أن خسارة “الحليف المغربي” تعني الخروج النهائي من المعادلة الإفريقية.
وخلص الفيلم إلى أن العلاقة بين الرباط وباريس انتقلت من “الوصاية” إلى “ندية قسرية”، حيث باتت الرباط تفرض شروطها بوضوح: “الصحراء هي النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم”، وهي القواعد الجديدة التي اضطرت باريس لقبولها لتفادي “القطيعة الكبرى”.