من أزمة بروتوكول إلى رسالة أخوة.. كواليس زيارة بن علي للمغرب عام 1999
في حديث السفير التونسي الأسبق لدى الرباط صالح البكاري عن تفاصيل من كواليس زيارة الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي إلى المغرب عام 1999، أشار إلى أزمة بروتوكولية كادت تعقّد ترتيبات الزيارة التونسية الأولى بعد فتور في العلاقات بين الجانبين.
وفي مقابلة مع برنامج “الذاكرة السياسية” على قناة “العربية”، قال البكاري إن تنظيم الزيارة كان من بين المهام الأساسية التي كُلف بها عند تعيينه سفيراً لتونس في الرباط سنة 1997، مشيراً إلى أن ستة سفراء قبله حاولوا طوال عقد كامل ترتيب زيارة رسمية لبن علي إلى المغرب دون نجاح.
تعقيدات تونسية
وعن الأزمة البروتوكولية التي حصلت أثناء ترتيب زيارة الرئيس التونسي للمغرب عام 1999، أوضح البكاري أن الإشكال لم يكن من الجانب المغربي، بل من الجانب التونسي نفسه، بحيث كانت الطلبات البروتوكولية تصل بشكل متقطع ومتأخر.
وقال: “المغاربة كانوا قد رتبوا كل شيء بشكل جيد، وكانوا يلحون علينا بأن نطلب ما نشاء، لكن الطلبات التونسية كانت متقطعة وتأتي تباعاً”.
وأضاف أن أصعب هذه الطلبات كان طلباً يقضي بأن يتوجه الملك الحسن الثاني شخصياً إلى مطار الرباط لاستقبال الرئيس بن علي، وهو أمر لم يكن مألوفاً في التقاليد البروتوكولية المغربية، بحسب تعبيره.
وذكر أن العرف المتبع يقضي بأن يوفد الملك شخصية رفيعة، مثل الوزير الأول أو مجموعة من الوزراء، لاستقبال الضيف في المطار، على أن يتم الاستقبال الرسمي لاحقاً في ساحة القصر الملكي المعروفة باسم “المشور السعيد”.
قال السفير التونسي: “هذا الطلب الأخير أزعجني”. واضطر إلى إبلاغه إلى مدير التشريفات في القصر الملكي، الذي وصف الأمر بأنه “مسؤولية تاريخية” قبل أن يرفعه إلى الملك الحسن الثاني، “الذي كان نائماً ساعتها (11 صباحاً)”. وقال البكاري: “بلغني أن الملك وافق على الفور، وقال إنه مستعد لتلبية الطلب وسيذهب إلى المطار”.
وفي يوم الزيارة، حضر الملك الحسن الثاني شخصياً إلى المطار في استقبال الرئيس التونسي، برفقة ولي عهده آنذاك (الملك محمد السادس حالياً) وشقيقه الأمير مولاي رشيد.
وقال البكاري: “يبدو أن مدير التشريفات التونسي – وللأسف – تجاوز في بعض الحالات التكليف المطلوب منه. لست متأكداً إن كان الرئيس هو من طلب حضور الملك للمطار، أم أن مدير التشريفات هو من اجتهد من تلقاء نفسه”.
كرم مغربي ورمزية خاصة
ورغم الصعوبات البروتوكولية، أكد البكاري أن الزيارة تمت في أجواء إيجابية، مشيراً إلى ما وصفه بـ”التجاوب التام” من الجانب المغربي.
وقال: “كانت الزيارة صعبة بالنسبة لي من الجانب التونسي، بقدر ما كانت سهلة من الجانب المغربي. كانت طلبات البروتوكول التونسي متلاحقة ومتقطعة، مما سبب لي حرجاً، لكنني وجدت تجاوباً تاماً من الإخوة المغاربة المعروفين بحسن الضيافة والكرم”.
ومن العقبات البروتوكولية التونسية أيضا، ذكر البكاري إصرار الجانب التونسي على أن تكون دعوة الزيارة “مكتوبة”، رغم أن البروتوكول العالمي في زيارات الدولة لا يمرر الدعوات كتابةً عبر الخارجية. وقال: “طلبتُ ذلك من الطيب الفاسي الفهري المستشار في الخارجية المغربية شخصياً، ولم يقصر، وأُعدت رسالة دعوة مكتوبة من الملك إلى الرئيس”.
عند وصول الرئيس التونسي إلى المغرب، كانت الأمطار تنزل بغزارة، وبمجرد وصول الطائرة توقف المطر وبزغت الشمس، بحسب السفير التونسي. وأشار البكاري إلى أن الملك الحسن الثاني استغل اللحظة وقال لبن علي: “إن الطبيعة فرحة بمقدمك”.
واستحضر السفير التونسي موقفاً رمزياً خلال مأدبة العشاء الرسمية، حين هطلت الأمطار ليلاً، فقام الملك الحسن الثاني بوضع برنسه (ما يسمى بالسلهام المغربي) على كتفي بن علي. وأوضح البكاري أن البعض في تونس اعتبرها مجرد حركة لحمايته من المطر، لكنه أكد على أن لها دلالة عربية تقليدية عميقة، ترمز إلى القرب والأخوة.
محاولة لإحياء اتحاد المغرب العربي
وتطرق اللقاء بين الزعيمين أيضاً إلى الوضع السياسي في المنطقة، خصوصاً الجمود الذي أصاب اتحاد المغرب العربي منذ عام 1994 بعد التوتر بين المغرب والجزائر.
وقال البكاري إن بن علي أثار خلال الاجتماع مسألة توقف المغرب عن المشاركة في أنشطة الاتحاد، قائلاً: “الناس يحملونكم مسؤولية توقف العمل في اتحاد المغرب العربي”. سأله الملك: “كيف ذلك؟”. فأجاب بن علي: “لأنكم منذ تلك السنة لم تشاركوا في أي نشاط”. وهو ما دفع الملك الحسن الثاني إلى الرد بشكل حاسم قائلاً: “من الغد سنشارك”.
وأضاف أن الملك بادر إلى تعيين السفير المغربي في ألمانيا آنذاك، سالم بوهلال، كاتباً عاماً لوزارة الخارجية، في خطوة هدفت إلى إعطاء دفعة جديدة لمسار العمل المغاربي المشترك.