مأساة الرجل المغربي!
قرأتُ تفاصيل البحث الوطني حول الأسرة الذي نشرت المندوبية السامية للتخطيط خلاصاته الأساسية مؤخرا، بعدما كانت النسخة السابقة من هذا البحث قد أُنجزت قبل ثلاثين عاما.
ورغم أن التقاليد المرعية في مثل هذه المواضيع تفرض النظر إلى الموضوع من زاوية المرأة وما تعيشه من تقلّبات وتحولات اقتصادية واجتماعية، بكل ما تستحقه السيدات من تقدير لمعاناتهن وشظف عيشهن؛ إلا أنني أستسمح الحقوقيين والنسوانيين والسوسيولوجيين، في قراءة هذا البحث من زاوية تبدو لي أكثر قتامة وقسوة لكائن يبدو لي أكثر قهرا، وهو الرجل المغربي.
هذا الكائن استحال إلى كائن “مخصيّ” بالمعنيين المباشر والضمني للكلمة، وخلاصات هذا البحث الوطني تقول الكثير عن المحنة التي أصبحت عليها حياة هذا المسمى رجلا.
فعلاوة على تهمة “السلطة الذكورية” التي لم يعد جلّ الرجال المغاربة يعرفون منها سوى “الباطل”، تكشف نتائج هذا البحث الوطني كيف بات الرجل المغربي كائنا “منبوذا”، تتقاذفه المحن، والأحكام المسبقة، والوصم، والضغوط.
يعبّر هذا الكائن عن محنته هذه برفضه الذي يحقق نسبة “الأغلبية” بالمنطق الديمقراطي، للزواج ونفوره منه.
فالمندوبية تقول، بوضوح لا يحتاج إلى تأويل، إن 60 في المائة من الرجال غير المتزوجين لا يرغبون في الزواج.
بل إن سن الزواج الأول نفسه يقول الكثير: 33,3 سنة لدى الرجال مقابل 26,3 سنة لدى النساء. أي أن الرجل لا يدخل إلى مؤسسة الزواج إلا متأخرا، ماديا ونفسيا وعُمريا، وكأنه يُستدعى إليها بعد أن يكون قد أنهكته مقدمات المعركة أصلا.
وقبل أن يقدم على خطوة تأسيس الأسرة، الرجل مطالبٌ بحكم قوانين المجتمع أن يغادر بيت الوالدين و”يهزّ راسو”، وأن يظل، في حالات كثيرة، سندا مادّيا لبيت العائلة الأصلية، بينما تظل المرأة مستحقة للإقامة “المجانية” في بيت والديها، إلى أن يحين أوان الانتقال إلى بيت الزوج، المطالب وحده تقريبا بتوفير العقار والأثاث و”Fond de roulement” اللازم لاستقبال الأسرة.
وحتى خلال فترة “دراسة الجدوى” الخاصة بمشروع الزواج، يواجه الرجل المغربي معضلة مؤلمة. البحث يقول إن الرجال، إجمالا، لا يبدون اكتراثا كبيرا لا بالمستوى التعليمي ولا بالأصل الجغرافي، لكنهم يفضّلون المرأة الأصغر سنا والمنتمية إلى نفس الفئة الاجتماعية، بينما النساء يفضّلن، في نسبة معتبرة، رجلا أكبر سنا أو من نفس السن، والأهم من ذلك أنه من طبقة اجتماعية أعلى.
أي أننا، ببساطة، أمام “سوق” زوجية يطلب فيها الرجل شريكة من مستواه، بينما تُطلب منه، من الجهة الأخرى، ترقية اجتماعية صاعدة. الرجل يريد زواجا أفقيا، والمرأة تريد زواجا ينقلها عموديا إلى الأعلى.
ثم تأتي المصيبة التي يكشفها هذا البحث الوطني: عقد الزواج الذي يسبقُه كل هذا العناء، أصبح عقدا محدود المدة (CDD)، وليس بالضرورة عقدا طويل الأمد (CDI).
فمتوسط مدة الزواج قبل الطلاق لا يتجاوز تسع سنوات على المستوى الوطني. أي أن “الاستثمار” الذي دخل به الرجل إلى مشروع الأسرة، بعد سنوات من الادخار والانتظار والتأجيل، قد ينهار قبل أن يكمل دورة اقتصادية كاملة.
والأسوأ من ذلك أن 58 في المائة من النساء أفدن بأنهن كنّ، في الغالب، المبادرَات إلى طلب الطلاق، بينما قال الرجال إن الانفصال تم، في نسبة 41,5 في المائة، باتفاق متبادل. أي أن الرجل، في كثير من الحالات، لا يخرج حتى بحق رواية متماسكة عن الذي حدث.
ثم يعود هذا الرجل، بعد الإفلاس العاطفي والمادي، إلى حياة العزلة والفردانية. فالمعطيات البحثية تقول إن العيش المستقل بعد الطلاق يظل محدودا عموما، لكنه أعلى بكثير لدى الرجال، 20 في المائة من الرجال يعيشون بمفردهم بعد الطلاق، مقابل 4 في المائة فقط لدى النساء، بينما 73,9 في المائة من المطلقات يعشن مع الأقارب المقربين.
أي أن المرأة، مهما قست عليها التجربة، ما زالت تجد شبكة استقبال عائلية مفتوحة. أما الرجل، فيُترك في كثير من الحالات في مواجهة الجدران الأربع، ومطاردات تنفيد أحكام النفقة، والتأويلات الأخلاقية، وعبارة “تحمّل مسؤوليتك” التي لا تُقال إلا للرجال.
والمفارقة أن المجتمع نفسه الذي ما يزال يتهم الرجل بالهيمنة، يكشف البحث أنه لم يعد يمنحه حتى امتياز التضامن العائلي عند الحاجة. فالأسر التي تترأسها نساء تستفيد من التبادلات العائلية بنسبة 47,7 في المائة، مقابل 27,7 في المائة فقط للأسر التي يترأسها رجال.
أما الدعم الذي تقدّمه الدولة، حين يوجد، فيذهب غالبا نحو من يُنظر إليهن بوصفهن أولى بالرعاية. والرجل، كما جرت العادة، يُعتبر قادرا على الاحتمال حتى حين يكون منهارا.
ثم تأتي نهاية المشوار. وعلى افتراض أن الأسرة نجت من الطلاق، فإن المندوبية تحدثنا عن مفهوم “العش الفارغ”، أي تلك الأسر المكونة من زوجين دون أطفال.
الأبناء يغادرون، والبيت يفرغ، ويجد الرجل نفسه من جديد أمام مأزق وجودي صامت: لقد أدى الفاتورة كاملة، من الكراء إلى اللوازم إلى التعليم إلى المصاريف الطارئة إلى دور “القوّام”، ثم انتهى به المطاف في بيت هادئ أكثر مما ينبغي، بينما المجتمع نفسه لا يملك له سوى نصائح الصبر ومواعظ التكيّف.
هنا تكتمل المفارقة المرّة. فهذه الأسرة التي تحمل الرجل، نظريا، عبء القوامة والإنفاق والجاهزية والقدرة على “تحمّل المسؤولية”، تتجه في الوقت نفسه نحو نمط ديمغرافي جديد، عنوانه تقلص حجم الأسر، مع بقاء الرجل معيلا لأكثر من 80 في المئة منها.
أي أن الرجل، حتى وهو يفقد سلطته الرمزية والمادية تدريجيا، لا يُعفى من الوظائف الثقيلة التي تُلقى عليه ثقافيا واجتماعيا.
حتى الخصوبة، التي تُقاس دائما على مقياس المرأة، تخفي مأساة أخرى للرجل. تتحدّث التقارير عن 1,98 طفل لكل امرأة، وعن 2,83 لدى الأسر الأقل يسرا مقابل 1,53 لدى الأسر الأكثر يسرا، وعن 66,8 في المائة من النساء اللواتي لا يرغبن في إنجاب طفل إضافي، وترجع 48,3 في المائة منهن ذلك أساسا إلى الإكراهات الاقتصادية…
لكن هذه الإكراهات الاقتصادية لا تأتي من الفراغ، بل من رجل مطلوب منه أن يكون ممولا مقيما في بلد ترتفع فيه الكلفة الاجتماعية للزواج والأسرة، أسرع من معدّل النمو والوعود التنموية.
ومع ذلك، لا يُسأل الرجل كثيرا عن معنى أن يعيش وهو يشعر أن كل شيء في هذه المعادلة يمر من جيبه ثم يُسجَّل، في النهاية، على أنه “معدل خصوبة نسائي”.
لسنا هنا بصدد منافسة المرأة في مظلوميتها، ولا بصدد تبرئة الرجل من كل ما تراكم تاريخيا واجتماعيا باسم الذكورة والعرف والامتياز. لكن الإنصاف يستلزم الاعتراف بأن الرجل المغربي صار، في هذا الزمن بالذات، كائنا معلقا بين عالمين لا يعترف به أيٌّ منهما كامل الاعتراف.
التراث يطالبه بأن يكون رجلا كما كان الأجداد، والاقتصاد الحديث لا يمنحه شروط ذلك.
خطاب المساواة ينتقده باعتباره وريث السلطة الذكورية، والواقع اليومي يجرّده من أدواتها واحدة تلو أخرى.
الأسرة تنتظره ممولا، والسوق يقدّمه هشا، والدولة تراه رقما في البطالة أو الضرائب أو الاستهلاك، والسوسيولوجيا، في كثير من الأحيان، تمر عليه بسرعة وهي في طريقها إلى الضحية الأشهر… المرأة.
لهذا كلّه، يبدو لي أن البحث الوطني حول الأسرة، من هذه الزاوية تحديدا، لا يحكي فقط عن تحولات الأسرة المغربية، بل عن سقوط سردية الرجل القوي، والمتحكم، والآمر الناهي، صاحب اليد العليا. لقد مات “السي السيّد” وصلّينا جنازته يا قوم.
الرجل المغربي اليوم ليس ذلك الكائن المتخيل في الأدبيات الغاضبة، بل كائن مرتبك، متأخر عن الزواج، نافِر منه، مثقل بكلفته، مهدد بالطلاق، أكثر عرضة للعزلة بعده، وأقل حظا في شبكات الدعم، ثم يُطلب منه بعد ذلك كله أن يبتسم للصورة الجماعية ويؤدي دور “الذكر” في مسرحية لم يعد هو نفسه قادرا على شراء تذكرتها.
إنها مأساة حقيقية ما باتت عليه حياة الرجل المغربي، هذا الكائن “المخصيّ” الذي لم تعد له من الذكورية إلا التهمة، ولا من القوامة إلا الفاتورة.