لماذا احتفل الآخرون بخسارتنا؟
ربما هدأت النفوس الآن وآن لنا أن نفكر بهدوء أكبر فيما جرى، بعيدا عن الانفعال وردود الفعل السريعة، وبعيدا أيضا عن التفسيرات الجاهزة التي ترضي العاطفة أكثر مما تقنع العقل. فاحتفال جماهير بعض الدول الإفريقية والعربية بخسارة منتخبنا في نهائي كأس إفريقيا لا يمكن فهمه فقط بمنطق الحسد أو الغيرة من نجاح التنظيم أو بوجود مخطط للنيل من التجربة المغربية. مثل هذه القراءات قد تريح الوجدان، لكنها لا تقنع العقل، وتبقى قاصرة عن الإحاطة بتعقيد اللحظة ودلالاتها الرمزية.
ما حدث كان، في جزء منه، لحظة كاشفة لصورة المغرب الرياضية في الوعي الإفريقي والعربي، وللطريقة التي قدم بها نفسه، جمهورا وإعلاما وخطابا، خلال البطولة، وربما حتى قبلها. فتداخل النجاح التنظيمي مع خطاب احتفالي متضخم لم ينجح دائما في الفصل بين الاعتزاز المشروع بالإنجازات والانزلاق ربما غير المقصود نحو نوع من الاستعلاء الرمزي، وكأن الفوز أمرا بديهيا لا يخضع لمنطق الاحتمال الرياضي.
ولا يعني هذا، إطلاقا، أن من احتفل بخسارتنا كان على حق، ولا أن الشماتة سلوك مشروع أو مقبول أخلاقيا أو رياضيا. كما لا يعني أيضا أن بعض التصريحات والمواقف الصادرة عن مسؤولين أو أعضاء في بعثات رياضية أخرى كانت لائقة أو محترمة. كما لا يمكن القول إن سلوكات مدرب منتخب السنغال، ولا بعض ردود فعل جماهيره، كانت كلها مقبولة أو منسجمة مع الروح الرياضية التي يفترض أن ترافق لحظات اللعب كما لحظات التتويج والانتصار. فالفوز الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض، ولا إلى استفزاز الخصم، كما أن التفوق الرياضي لا يمنح حصانة أخلاقية.
لكن الإقرار بأخطاء الآخرين لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتبرئة الذات بالكامل. فبما أننا كنا أصحاب الضيافة، كان يفترض فينا أن نتصرف بحكمة أكبر، وأن ندرك أن التنظيم الجيد لا يكتمل إلا بسلوك جماهيري وإعلامي راق، قادر على الفصل بين الاعتزاز المشروع بمنتخب بلادنا ولاعبيه وبين الانفعال المفرط والتورط في تشجيع منتخبات ضد أخرى من منطلق حسابات وهمية مفادها أن هذا الفريق أو ذاك سيكون “أسهل” في نصف النهاية أو النهاية. كرة القدم، في نهاية المطاف، تبقى مجرد لعبة حتى ولو كانت هي الأكثر شعبية، والخسارة في نهائي، مهما كانت قاسية، لا تعني نهاية العالم، حتى وإن طال انتظار تحقيق لقب قاري خمسين عاما أو أكثر.
المشكل لم يكن في الحزن على الخسارة، فذلك شعور طبيعي ومفهوم، بل في تضخيم الحدث إلى درجة تحميله ما لا يحتمل، وتحويل المباراة، والمسابقة ككل، إلى معركة رمزية تختلط فيها السياسة بالتاريخ وبإحساس غير معلن بالتفوق. في لحظات كهذه، يصبح الفوز استحقاقا بديهيا، وتتحول الخسارة إلى إهانة جماعية، وهو منطق خطير لأنه يختزل الوطن في نتيجة مباراة، ويفرغ الرياضة من معناها التنافسي والإنساني.
وكان من الضروري أيضا أن نقتنع بأن لدينا منتخبا جيدا، وقادرا على المنافسة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه الأفضل دائما أو أنه الأجدر باللقب في هذه النسخة من البطولة الإفريقية. ففي كرة القدم، هناك دائما من يكون أفضل منك في لحظة معينة، وهو الفريق الذي يفوز بالبطولة في نهاية المطاف، لا لأن الجميع تآمر على غيره، بل لأنه كان أكثر جاهزية، أو أكثر انسجاما، أو أكثر قدرة على إدارة التفاصيل الصغيرة والضغط واللحظات الحاسمة التي تتطلبها مسابقات ومقابلات من هذا النوع. الاعتراف بتفوق الخصم لا ينتقص من قيمتنا، بل يحررنا من وهم الاستحقاق المسبق، ومن شعور متضخم بالذات قد يتحول بسهولة إلى “جنون عظمة جماعي”.
ومن حيث نشعر أو لا نشعر، ربطنا كرة القدم، والرياضة عموما، بقضية الوحدة الترابية، وحملنا المستطيل الأخضر رهانات سياسية وسيادية لا يحتملها. فأصبحنا، في أحيان كثيرة، مضطرين إلى تقديم تنازلات رياضية أو رمزية لمنافسين، لا لأن منطق اللعبة يفرض ذلك، بل تفاديا لإمكانية إغضاب هذا الطرف أو ذاك، أو خوفا من تأويل رياضي قد يسقط عليه معنى سياسي. هنا فقدت الرياضة جزءا من استقلالها، وتحولت من مجال تنافسي واضح القواعد إلى فضاء حسابات دقيقة وحساسة.
بل إننا ذهبنا أبعد من ذلك، حين حولنا ملاعبنا إلى ما يشبه “قاعة أفراح” مفتوحة للجميع، رهينة إشارة كل منتخب لا ملعب له، أو كل مسابقة لا تجد من يحتضنها، أو كل اتحاد يبحث عن حل سريع لمشكل تنظيمي. صحيح أن في ذلك قدرة تنظيمية قد تحسب لنا، وبعدا تضامنيا لا يمكن إنكاره، لكن الخطير هو أن يتحول هذا الدور من اختيار سيادي محسوب إلى التزام دائم، ومن استضافة مدروسة إلى استعداد تلقائي لتحمل أعباء الآخرين، حتى حين لا يكون لذلك أي مردود رياضي أو حتى رمزي واضح.
وجزء من الصورة التي أسهمت في تأجيج ردود الفعل السلبية يعود أيضا إلى سلوك بعض من يفترض أنهم إعلاميون، حين اختلط عليهم الدور المهني بدور المشجع، فطرحت أسئلة على المدربين واللاعبين بنبرة استفزازية أو تعال غير مبرر. الإعلام، في مثل هذه المناسبات، لا يمثل نفسه فقط، بل يصدر صورة عن البلد كله، والسؤال غير المهني لا يسيء إلى من يوجه إليه فحسب، بل إلى من يطرحه وإلى السياق الذي يتحدث باسمه.
أعرف أن مثل هذا الكلام قد لا يعجب البعض، وخاصة أولئك الذين اعتادوا الاصطياد في الماء العكر، وتغذية الانفعال بدل تهدئته، وتحويل كل نقاش عقلاني إلى اتهام في الوطنية أو إلى تشكيك في النوايا. غير أن لحظات من هذا النوع تتطلب قدرا أكبر من الصراحة مع الذات قبل الصراخ في وجه الآخرين، وتتطلب شجاعة قول ما قد يكون غير شعبي، لكنه ضروري.
فالتعبير عن الرأي النقدي لا يعني التنكر للمنتخب، ولا التقليل من قيمة ما تحقق، ولا الاصطفاف ضد الفرح الجماعي، بل يعني الإيمان بأن النقاش الهادئ والمسؤول هو أحد أشكال حب هذا البلد. الوطنية لا تقاس برفع الصوت ولا بتضخيم المشاعر، بل بالقدرة على التمييز بين الدعم الأعمى والنقد البناء، وبين الاعتزاز المشروع والانغلاق المرضي.
إن ما نحتاجه بعد هذه التجربة ليس البحث عن متهمين جدد، ولا الدخول في سباق المظلومية، بل القيام بمراجعة هادئة تضع الأمور في نصابها. فالقوة الحقيقية لا تكمن في الادعاء بأننا الأفضل دائما، ولا في انتظار تعاطف الآخرين معنا، بل في القدرة على الفوز بتواضع، والخسارة بكرامة، والتصرف بثقة دون استعلاء. عندها فقط يمكن للنجاح التنظيمي والرياضي أن يتحول إلى رصيد رمزي حقيقي، لا إلى عبء يولد النفور بدل الإعجاب.
ربما لم يحتفل الآخرون بخسارتنا لأنهم يكرهوننا، بل لأن بعضنا قدم، من حيث لا يدرك، صورة عن ذاته بوصفها فوق المنافسة وفوق النقد. والخسارة، في هذه الحالة، ليست إهانة، بل فرصة نادرة لتذكير أنفسنا بأن الاحترام لا يفرض، بل يكتسب، وأن الرياضة، قبل أن تكون كؤوسا وألقابا، هي مدرسة في التواضع والنضج الجماعي. ثم إنها مهما تم تحميلها من رموز سياسية أو إسقاطات سيادية، تظل في جوهرها مجالا للمنافسة البشرية لا لقياس وزن الدول أو تصنيفها بين صاعدة وهابطة. فربح الكأس لا يحول بلدا إلى قوة إقليمية، وخسارته لا تسقط دولة من موقعها، كما أن المدرجات الممتلئة والملاعب الضخمة والحديثة لا تصنع وحدها صورة أمة أو عظمتها.