كواليس جلسة متوترة بالمستشارين.. وصف إحالة مقترحات قوانين مرفوضة بـ”العبث” يفجر سجالا انتهى برفع الجلسة
تحولت الجلسة التشريعية التي خصصت للدراسة والتصويت على عشرات مقترحات القوانين بمجلس المستشارين أمس الثلاثاء 16 يونيو 2026، إلى نقاش قانوني وسياسي حاد انتهى برفع الجلسة لنحو ربع ساعة وتأخر أشغالها لما يقارب أربعين دقيقة، وذلك بعدما فجر وصف إحالة مقترحات قوانين سبق أن رفضها مجلس النواب بـ”العبث” سجالا بين عدد من المستشارين ورئاسة الجلسة.
وفي مستهل الجلسة، قال الرئيس لحسن حداد إن “المقترحات الواردة من مجلس النواب ستعرض دفعة واحدة حسب كل لجنة، بينما المقترحات المقدمة من طرف فرق ومجموعات وأعضاء مجلس المستشارين سيتم تقديمها كل مقترح على حدة من طرف أصحابها”، قبل أن يعلن انطلاق دراسة مقترحات القوانين التي تدخل في اختصاص لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان وعددها 10 مقترحات.
وسرعان ما برز أول اعتراض من خلال نقطة نظام تناولتها مستشارة مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل فاطمة زكاغ، التي اعتبرت أن مقترحات القوانين التي صادق عليها أو رفضها مجلس النواب “لا يمكن أن نصادق عليها دفعة واحدة، ولكن يجب دراسة كل مقترح على حدة لمعرفة محتوى المقترح وإعطاء فرصة للمناقشة”.
مناقشة مقترحات مرفوضة “عبث”
وأخذ النقاش منحى آخرا بعد تدخل عبد القادر الكيحل، مقرر لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، الذي تساءل قائلا “هل يمكن دراسة مشروع أعدم في مهده؟”، موضحا أن الدستور ينص في الفصل 84 على أن نصوص المشاريع والمقترحات تمر عبر المجلسين لدراسة أومناقشة نص واحد.
وقال إن المقترح الذي تقدم به نائب أو فريق بمجلس النواب وتم رفضه “فلا يجب إحالته على مجلس المستشارين”، معتبرا أن هذا النقاش “يجب أن يحل على مستوى الأنظمة الداخلية”.
وأحال الكيحل مقتضيات المادتين 211 و213 من النظام الداخلي، مبرزا أن المادة 213 تسمح، إذا قررت اللجنة دراسة أكثر من نص تشريعي دفعة واحدة، بجمعها في تقرير واحد، قبل أن يضيف “شخصيا أعتقد أن هذا عبث وإهدار للزمن التشريعي أن تحال على مجلس المستشارين مقترحات رفضها مجلس النواب”.
بدوره اعتبر رئيس الجلسة لحسن حداد أن إحالة النصوص التي رفضها مجلس النواب “تطرح إشكالية يوجب حلها في إطار القوانين الداخلية للمجلس”.
“العبث هو التشكيك في مؤسسة مجلس النواب”
توصيف “العبث” أثار اعتراض المستشار البرلماني خليهن لكرش عن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الذي قال إن “العبث هو أن نشكك في سير مسطرة تشريعية في مؤسسة مجلس النواب وهي مؤسسة محترمة لا يمكن أن ترتكب خطأ وتحيل هذه القوانين على مجلس المستشارين”، مطالبا بالاعتذار عن استعمال هذا المصطلح.
واعتبر لكرش أن النظام الداخلي لمجلس المستشارين واضح، مستندا إلى المادة 214 التي تنص على أن مناقشة مقترحات القوانين المحالة من مجلس النواب تبتدئ بالاستماع إلى مقرر اللجنة المختصة.
وأضاف “المسطرة واضحة، لا غبار فيها، لا توجد فيها قراءة بين السطور أو تفسير أو اجتهاد قضائي لجهة معينة، إلا إذا أردتم التحايل على النظام الداخلي وتريدون إخراج المؤسسة عن عملها”.
كما دعا إلى قراءة المادة 213 من بدايتها، مشددا على أن “المسطرة واضحة ولن تخترعوا مسطرة جديدة، هذا النظام الداخلي إما نحترمه أو لا نعترف به”.
ورد حداد بالتأكيد على أنه “لا يوجد أي شخص في المجلس طعن في مجلس النواب”، موضحا أن النقاش يتعلق بالسؤال الذي طرحه المستشار كيحل بشأن النصوص التي رفضها مجلس النواب ثم أحيلت على مجلس المستشارين.
كما شدد على أن وجود تقرير واحد لا يمنع التصويت على كل مقترح على حدة، قائلا “قلنا يوجد تقرير واحد، والتصويت سيكون على كل مقترح على حدة”.
مواجهة مباشرة بين حداد ولكرش
بعد ذلك طلب لكرش نقطة نظام جديدة قائلا “لن يقمعنا أحد اليوم، اليوم سندافع عن المؤسسات”.
غير أن حداد رد بأنه لم يمنحه الكلمة، مضيفا “لا يمكنني أن أمنحك إياها بالقوة”، قبل أن يعرض عليه التدخل في حدود 30 ثانية، ليندلع سجال مباشر بين المستشارين.
وقال لكرش “نقطة نظام فيها دقيقتان وليس 30 ثانية”، ليرد حداد: “أنا من سيقرر”.
ورد لكرش “ليس من حقك، وليس أنت من يقرر، سأخذ دقيقتين لا تقل لي 30 ثانية، ليس لديك الحق”.
وقال حداد “أنا رئيس الجلسة”، ليجيبه لكرش: “أنت كرئيس الجلسة، النظام الداخلي فوقي وفوقك، ليس أنت من يحدد ويصحح”، مضيفا “نحن اليوم مستعدون لمناقشة النظام الداخلي لأن خروقاته كثيرة”.
وتابع لكرش “المسطرة واضحة، المقترحات تقدم وتناقش وتصوت عليها مقترحا بمقترح، مادة مادة، هذه هي المسطرة، ولن نقبل بتطبيق نظام داخلي آخر، ولن نسكت على الخرق”.
في المقابل، اقترح حداد أن يقدم المقرر المقترحات تباعا في إطار التقرير.
بعدها تدخل مقرر اللجنة موضحا أن المادة 211 تنص على أن مسطرة مناقشة المشاريع والمقترحات المطبقة داخل اللجنة هي نفسها داخل الجلسة العامة، وأن المادة 213 واضحة في مسألة إعداد تقرير واحد.
وقال مدافعا “اللجنة قررت مناقشة المقترحات دفعة واحدة، وأنا أتكلم كمقرر، قررنا تقديم المقترحات بشكل جماعي”.
في هذا الإطار، تدخلت المستشارة زوكاغ قائلة بدورها إن النظام الداخلي واضح، وإذا كان فيه لبس “يجب أن تتدخل المحكمة الدستورية وليس نحن”، مؤكدة أن المسطرة المطبقة في اللجنة يجب أن تطبق في الجلسة، وأنه لا يمكن حرمان المستشارين غير الأعضاء في اللجنة من مناقشة مقترحات القوانين.
اتهامات بـ”الديكتاتورية” ورفع الجلسة
وسط هذا السجال، عاد لكرش للمطالبة بنقطة نظام، مخاطبا ريئس الجلسة “أعطني نقطة نظام لم أقاطعك”.غير أن حداد رد “ليس لأنك لم تقاطعني ستطلب الكلمة، لا يمكنك ابتزازي لطلب نقطة نظام”.
وردّ لكرش قائلاً: “أريد أن أتحدث، ويجب أن تخاطبنا باحترام وألا تلوّح بيديك. احترمنا كما نحترمك، فأنت مثلنا ونحن مثلك”، قبل أن يصف ما يجري بأنه “ديكتاتورية”.
وواصل احتجاجا على عدم منحه نقطة نظام في الوقت الذي تقدم مقرر اللجنة إلى المنصة لقراءة التقرير، ليقول رافعا صوته “ليس من حق المقرر الكلام قبل أن آخذ نقطة نظام”.
وأمام استمرار التوتر والتشويش على كلمة المقرر، رفع حداد الجلسة لما يقارب ربع ساعة، قبل استئنافها لاحقا بتقديم التقرير.
سؤال “هدر الزمن التشريعي” يعود بعد استئناف الأشغال
وبعد استئناف الجلسة، عاد رئيس اللجنة إلى إثارة الإشكال نفسه، قائلا “دعونا نقف قليلا ونطرح للنقاش سؤالا جوهريا بحمولة نظرية نقدية وهو ألا يشكل إحالة مقترحات القوانين المرفوضة من المجلس صاحب المبادرة التشريعية هدرا للزمن التشريعي وتكرارا نمطيا لفعل برلماني هو في الأصل أصبح في حكم العدم التشريعي”.
وأضاف الكيحل أن الفصل 84 من الدستور، وإن كان قد أسس لقاعدة التداول التشريعي بين مجلس النواب ومجلس المستشارين، فإنه ربط ذلك بالمصادقة على نص واحد باعتبارها غاية كل تداول تشريعي، “الشيء الذي يتبين في هذه الحالة لأن مقترح القانون كان مآله الرفض ابتداء وانتهاء”.
كما دعا إلى “التفكير الجماعي للاجتهاد ابتغاء إقرار قواعد متجددة في إطار قراءة الدستور نصا وروحا تراعي المبادئ المؤطرة للعمل البرلماني، وفي مقدمتها ضمان النجاعة البرلمانية المنصوص عليها في الفصل 69 من الدستور”.
وانطلقت بعد ذلك مناقشة 10 مقترحات قوانين أحيلت على لجنة العدل والتشريع، ثم 12 مقترح قانون أحيلت على لجنة المالية، وبعدها 14 مقترحا أحيلت على لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية وذلك بحضور مصطفى بايتاس الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان وعبد اللطيف وهبي وزير العدل.
وفي ختام الأشغال، لم تتم الموافقة ضمن 36 مقترح قانون سوى على مقترحين اثنين، يتعلق الأول بتعديل المادة 19 من القانون 15.01 المتعلق بكفالة الأطفال المهملين، الذي تقدم به الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، وحظي بموافقة 37 مستشارا برلمانيا مقابل امتناع ثلاثة عن التصويت.
أما المقترح الثاني فيرمي إلى تعديل الفقرة الثالثة من الفصل 2.1 من القانون المنظم للالتزامات والعقود كما وقع تعديلها بموجب القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات الإلكترونية الصادر بتاريخ 30 نونبر 2007، وحظي بموافقة 45 مستشارا برلمانيا مقابل امتناع 6 مستشارين عن التصويت.