كرة القدم والقيم الفلسفية !
في كرة القدم، كما في سائر الرياضات، لا شيء يتحكم في مواقف الجمهور، سوى النتائج. فالجماهير التي حملت وليد الركراكي على الأكتاف في كأس العالم بقطر قبل أربع سنوات، واحتفت به كبطل مغربي صنع مجدا غير مسبوق، هي نفسها التي طالبت بعد كأس إفريقيا للأمم الأخيرة برحيله، وهي اليوم أكثر ارتياحا لرحيله عن قيادة المنتخب الوطني.
المفارقة ذاتها تنطبق على محمد وهبي، الذي تعرض لانتقادات لاذعة خلال كأس إفريقيا للأمم للشبان بمصر قبل عامين، قبل أن يرفعه المغاربة إلى عنان السماء بالمديح والإطراء فجأة بعد العودة بلقب المونديال من الشيلي، ويصبح في نظر الكثيرين اليوم مدربا يستحق فرصة الإشراف على المنتخب الأول.
هذه التحولات في المواقف لا يمكن قراءتها بمنطق العلاقات الاجتماعية اليومية، حيث تُستحضر عبارات من قبيل “نكران الجميل” أو “الجحود” أو حتى “التناقض”. فالمتابعة الرياضية تخضع لقواعد مختلفة تماما، إذ أنها محكومة بحسابات الألقاب، وبالأداء التقني، وبالقدرة على تحقيق الانتصارات.
كرة القدم ليست درساً في الفلسفة الأخلاقية، ولا مجالا لاستخدام القيم المجتمعية، بل هي نشاط إنساني جماعي يتداخل فيه العمل التكتيكي مع الجهد البدني، وتحكمه تفاصيل صغيرة قد تقلب مباراة رأسا على عقب في رمشة عين، وتقلب معها مواقف المتابعين والجمهور وأحكامهم حول اللاعبين والمدربين.
عبر التاريخ الكروي، شهدنا حالات عديدة لمدربين ولاعبين بلغوا مرتبة التقديس حين كانوا في أوج التألق، يرفعون الكؤوس ويكتبون فصول المجد. غير أن المنحنى قد ينحدر فجأة، بسبب تراجع في المستوى أو أخطاء متكررة أو حتى سوء توفيق عابر، فيتحول التصفيق إلى صفير، والإشادة إلى انتقاد لاذع، بل أحياناً إلى هجوم قاس من الجماهير نفسها التي كانت تهتف بأسمائهم قبل أسابيع قليلة.
وفي المقابل، كم من لاعب ومدرب بدأ مشوارا مع ناد أو منتخب بشكل متعثر، فانهالت عليه سهام النقد، واعتُبر تعاقدا سيئا أو صفقة خاسرة. لكن ولأن كرة القدم تتداخل في عوامل نجاحها الكثير من التفاصيل، قد يتغير الأداء فجأة، ويحصل الإندماج في الأجواء والمجموعة، وتزول كل مسببات الفشل، فيصبح المدرب الذي كان مرفوضاً بطلاً في عيون جماهيره، ويصير اللاعب الذي طاله التشكيك نجما لا يمكن اللعب بدونه. وهكذا تتبدل الأحكام، لا بدافع المزاجية فقط، بل لأن المعيار الأساسي ظل ثابتا، وهو ماذا تحقق فوق أرضية الملعب.
القاعدة التي تحكم التشجيع الرياضي واضحة وصريحة.. النتائج أولاً. قد يبدو هذا المنطق فيه الكثير من التعسف وعدم الموضوعية، لكنه جزء من طبيعة المنافسة.
في الرياضة، لا يكفي الماضي المجيد لضمان الحاضر، ولا تشفع “النوستالجيا” في لحظات الضعف التقنيوالتكتيكي، والجمهور والمشجعون للرياضة بصفة عامة من حقهم أن يتقلبوا في المواقف كما شاؤوا حتى ولو وصل الأمر إلى حد كبير من التناقض، ومن حقهم أيضا أن يغضبوا ويعاتبوا وينتقدوا ويطالبوا بالتغيير، لأن ارتباطهم بالمنتخب أو النادي يقوم على هدف مشترك واحد يعمل من أجله الجميع، وهو الإنتصارات والألقاب والتفوق.