كأس العالم 2030.. صراع سياسي داخل إسبانيا
عندما تم الإعلان عن الترشح الثلاثي بين إسبانيا والبرتغال والمغرب، ساد الاعتقاد أن إضافة الأخير بعد التراجع عن فكرة إضافة أوكرانيا، هو فقط محاولة أوروبية لربح أصوات إفريقيا، ولمنافسة ملف الترشيح اللاتيني، الذي كان يبني حظوظه على معطى رمزي، وهو كون دورة سنة 2030، ستكون ذكرى مائوية على انطلاق كأس العالم بالأوروغواي سنة 1930، سيما وأن المغرب كان يراكم تجارب عديدة للترشح بمفرده لنيل تنظيم المونديال.
وخلال الشهور الأولى للترشح، كانت إسبانيا هي محور الملف، وصاحبة حصة الأسد في عدد الملاعب التي ستحتضن المباريات، وأيضا المتوفرة على البنية التحتية المتطورة التي ستمكنها من قيادة الطرفين الآخرين إلى نيل ثقة الفيفا أمام الترشح المنافس، في ظل توفرها على تجربة تنظيم كأس العالم سنة 1982 والألعاب الأولمبية في مدينة برشلونة سنة 1992.
لكن، وبعد الإعلان المفاجئ عن فوز الملف الإسباني المغربي البرتغالي، و”تخريجة” جياني إنفاتينو بمنح بلدان الأرجنتين والأوروغواي والباراغواي شرف لعب المباراة الأولى على أرضها قبل الانتقال إلى أوروبا وإفريقيا لإكمال المونديال، جرت مياه كثيرة تحت الجسر الإسباني، حولت جامعته الكروية إلى مرتع لفضائح فساد مالي وأخلاقي، وتركت فيها فراغا تنظيميا مهولا بعد متابعة رئيسيها روبياليس وروشا، وتدخلت الحكومة المركزية لتعيين لجنة مؤقتة لتسيير اتحاد كرة القدم، مما أضعف ثقة الاتحاد الدولي “الفيفا” في مسؤولي مدريد، وحولت اتجاهها إلى الرباط لتجعل من المغرب المخاطب الرئيسي لها في ملف تنظيم مونديال 2030 وكانت فرصة له ليعزز موقعه التفاوضي في الملف.
الآن بعد انتخاب رافاييل لوزان رئيسا للجامعة الإسبانية لكرة القدم، بدأت الأمور تظهر عند الجانب الإسباني وكأنها استعادت طبيعتها كما كانت عليه في اليوم الأول لطرح ملف الترشح الثلاثي، لكن ما يصدر من تصريحات إعلامية للمسؤولين الإسبان، تخفي الكثير من ملامح “حرب” سياسية داخل إسبانيا للسيطرة على ملف تنظيم أضخم تظاهرة كروية في العالم، وترخي بظلالها على الضفة الجنوبية للمتوسط وأيضا تصل صداها إلى زيوريخ السويسرية حيث مقر الفيفا.
في هذا الملف سنتناول ملامح هذا الصراع السياسي الإسباني، وتفاصيل التجاذبات الحاصلة حول السيطرة على الملف، بين الحزبين الاشتراكي والشعبي، وموقع المغرب في الكثير من نقاط التماس التي يشتبك فيها الحزبان وتأثيرها على جلسات التفاوض المرتقب انطلاقها بين الأطراف الثلاثة والفيفا بعد إنهاء مونديال 2026.
ترشح إيبيري فاشل
خلال زيارة لجان التفتيش التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” للمدن المرشحة في إسبانيا والبرتغال لاستضافة كأس العالم 2018، لوحظ التطور الكبير في البنية التحتية ووسائل النقل وقوة قطاع الإقامة المتاحة للحضور المحتملين، لكن تم التأكيد على أن الاختيار سيكون الوسيلة الوحيدة التي من خلالها تمنح الفيفا حق الاستضافة، وأن عامل الاستثمار سيكون ذا أهمية كبيرة، إذ إن الملاعب الإسبانية والبرتغالية تظهر تقادما في هياكلها بسبب نقص الاستثمار، ولم يتم تجديدها منذ مونديال إسبانيا 1982. وعلى الرغم من ذلك، حظي الترشيح بدعم واسع من القيادات السياسية والقصر الملكي الإسباني وقطاعات أخرى.
وأظهرت عمليات التصويت التي جرت في مقر الفيفا بمدينة زيوريخ السويسرية أن الترشيح الإيبيري المشترك وروسيا تقدما في الجولة الأولى، لكن في الجولة الثانية، وبسبب العمل الدبلوماسي الضعيف الذي قام به الإسبان والبرتغاليون، تفوقت روسيا وحصلت على شرف استضافة كأس العالم 2018.
إعادة فكرة التنظيم المشترك
بعد فشل إسبانيا والبرتغال في استضافة مونديال 2018، بدأ الإسبان في التفكير في معاودة الترشح، لكن بفكرة جديدة غير مسبوقة، حيث كتب لويس روبياليس، الذي لم يمض على رئاسته للاتحاد الملكي لكرة القدم سوى شهر ونصف، رسالة عبر تطبيق واتساب إلى رئيس الحكومة بيدرو سانشيز لطلب “المساعدة” فيما قال إنه أكثر من “عملية رياضية”، بل “مسألة دولة”.
وجاء في نص الرسالة: “عزيزي الرئيس بيدرو، أردت أن تعرف مني، وبشكل سري، أننا نعمل على ترشيح مستقبلي مسبق لاستضافة كأس العالم مع المغرب والبرتغال، سأناقش هذا الأمر مع الوزير غيراو من أجل الحصول على رأيه، والذي آمل أن يكون إيجابيا، قبل المضي قدما والإعلان عن ذلك لاحقا، ستكون هذه العملية أكثر من مجرد عملية رياضية… ستكون مسألة دولة، وعلينا جميعا أن نعمل معا من أجلها”.
واعترف بيدرو سانشيز لرئيس الاتحاد الملكي الإسباني بأن الملف الثلاثي “مشروع مثير”. وعلى الرغم من أن الاتصالات المعتادة لمناقشة هذا الملف يكون المحاور الرئيسي فيها وزير الثقافة والرياضة آنذاك، خوسيه جويراو، إلا أن سانشيز طلب صراحة من روبياليس أن يبقيه على اطلاع. وقال “تحدث إليه ثم تحدث إلينا”.
وأخبر روبياليس رئيس الحكومة أيضا أن رئيس الفيفا، السويسري جياني إنفانتينو، يريد زيارته في شتنبر لمناقشة العرض الثلاثي، وفي 13 شتنبر 2018، التقى إنفانتينو وروبياليس في قصر رئيس الحكومة لامونكلوا مع بيدرو سانشيز.
في ذلك الاجتماع، اقترح رئيسا الفيفا والاتحاد الإسباني على رئيس الحكومة أن يقوم بتنظيم الحدث الرياضي الأبرز في العالم. وأن يقوم بذلك بالاشتراك مع المغرب والبرتغال، دون أن يخرج هذا الأمر إلى العلن.
موافقة مغربية مبدئية
وبعد مرور بضعة أسابيع أبلغ رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم رئيس الاتحاد الملكي الإسباني لكرة القدم أنه تلقى ردود فعل إيجابية من الرباط، إذ في 27 أكتوبر من العام نفسه، أي بعد شهر ونصف فقط من الاجتماع الذي عقد في قصر “لا مونكلوا”، أبلغ سانشيز روبياليس عن مفاوضاته مع البرتغال والمغرب لاستضافة كأس العالم 2030، وقال “لقد وافق البرتغاليون على مشروع كأس العالم. ما زلت بحاجة إلى موافقة المغرب. لقد أخبرتهم بالفعل. أنا في انتظار الملك”.وبعد شهر، وفي 19 نونبر، توصل سانشيز إلى اتفاق مع المغرب، وكتب إلى روبياليس: “لقد وافق المغاربة على إطلاق مشروع كأس العالم”.
في ذلك اليوم، سافر سانشيز إلى المغرب وأعلن في مؤتمر صحافي مع رئيس الحكومة المغربية آنذاك سعد الدين العثماني أنه طلب من المغرب الانضمام إلى ملف مشترك مع البرتغال وإسبانيا لاستضافة كأس العالم 2030، رغم أن المحادثات حول مشروع الملف الثلاثي “كانت قد بدأت قبل ذلك بكثير، على الأقل في شهر أكتوبر، عندما أخبر سانشيز روبياليس أن المغاربة ينتظرون فقط موافقة الملك محمد السادس”.
وخلال الأشهر التالية، ظلت الجامعة الملكية المغربية تلزم الصمت، رغم أن اسم المغرب راج كثيرا في ملف التنظيم، وأكثر من ذلك غاب عن الاجتماعات التي انطلقت فقط بين إسبانيا والبرتغال في يونيو 2019، ولم يتأكد “خروج” الطرف الإفريقي من الملف، إلا عند الإعلان عن توقيع اتفاق رسمي بين روبياليس وفرناندو غوميش، رئيس الاتحاد البرتغالي في يونيو 2020، أعلنا فيه نتائج مباحثات ثنائية طويلة لتوحيد رؤية مشتركة للترشح لتنظيم مونديال 2030.
دخول وخروج أوكرانيا
في أكتوبر 2022، وبشكل مفاجئ عقد الاتحادان البرتغالي والإسباني مؤتمرا صحفيا مشتركا في مقر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا) بمدينة نيون السويسرية، وأعلنا انضمام أوكرانيا إلى ملف الترشيح المشترك لاستضافة كأس العالم 2030، في خطوة اعتبرت آنذاك ذات أبعاد سياسية، بسبب الحرب التي كانت روسيا تشنها على جارتها الجنوبية، وكان التخطيط لأن تستضيف أوكرانيا إحدى مجموعات البطولة رغم عدم الإعلان الرسمي عن ذلك. غير أن أوكرانيا خرجت لاحقا من ملف الترشيح، بسبب فضيحة الفساد التي تورط فيها رئيس الاتحاد الأوكراني لكرة القدم أندري بافيلكو، حيث وجهت إليه اتهامات تتعلق بسوء إدارة الأموال والفساد المالي داخل الاتحاد، ما أدى إلى عزله وتراجع مصداقية الاتحاد الأوكراني على المستوى الدولي، ودفع الشركاء في ملف الترشيح إلى استبعاد أوكرانيا للحفاظ على صورة الملف التنظيمي أمام الفيفا.
عودة المغرب
بعد سنوات من الغموض والتردد، جاءت عودة المغرب إلى ملف ترشح كأس العالم 2030 لتشكل لحظة مفصلية في مسار مشروع بدا في بداياته متذبذبا، ثم تحول لاحقا إلى أحد أكثر ملفات الترشح طموحا في تاريخ كرة القدم. ففي مارس 2023، أعلن الملك محمد السادس رسميا انضمام المغرب إلى الملف المشترك مع إسبانيا والبرتغال، في رسالة اعتبرت ذات أبعاد رياضية وسياسية ورمزية، إذ وصف المشروع بأنه جسر يوحد بين أفريقيا وأوروبا عبر كرة القدم.
جاءت هذه العودة بعد سنوات من ابتعاد المغرب عن الملف، إذ كانت المباحثات في مراحلها الأولى قد ركزت على التحالف الإيبيري بين مدريد ولشبونة، فيما ظل موقف الاتحاد المغربي لكرة القدم غامضا دون إعلان رسمي. غير أن السياق الإقليمي والدولي تغير تدريجيا، خاصة مع تحسن العلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا، ومع إدراك الأطراف الثلاثة أن ملفا مشتركا عابرا للقارات يمكن أن يمنحهم أفضلية استراتيجية أمام المنافسين الآخرين، سواء من أوروبا أو من مناطق أخرى في العالم.
وقد اعتبرت الحكومة الإسبانية انضمام المغرب خطوة حاسمة تعزز فرص الفوز، إذ صرح رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بأن عودة المغرب تضع الملف المشترك «في ظروف أكثر مثالية للفوز بهذه المنافسة». كما رحبت البرتغال بالخطوة، معتبرة أن التوافق بين الاتحادات الثلاثة يعيد المشروع إلى فكرته الأصلية التي طرحت عام 2018. وعلى المستوى الرياضي، رأت الاتحادات الثلاثة أن الجمع بين البنية التحتية الأوروبية المتقدمة والزخم التنظيمي المغربي، الذي عززه تنظيم كأس العالم للأندية وبطولات قارية أخرى، سيشكل نموذجا متكاملا لإقناع الفيفا.
لم تكن عودة المغرب مجرد خطوة تقنية، بل حملت أيضا رمزية سياسية وثقافية، إذ أعادت إلى الواجهة فكرة تنظيم مونديال متعدد القارات، يربط بين ضفتي المتوسط ويمنح أفريقيا للمرة الأولى دورا محوريا في تنظيم بطولة عالمية بهذا الحجم بالشراكة مع أوروبا. كما ساهمت الجغرافيا القريبة بين الدول الثلاث في تعزيز سردية «مونديال القارتين»، الذي يمكن الوصول فيه بسهولة عبر رحلات قصيرة وممرات بحرية وجوية مكثفة، وهو عامل اعتبرته الفيفا عنصرا إيجابيا في تقييم الملف.
مرسوم ملكي للترشح
كانت أول ما قامت به الحكومة الإسبانية بعد الاقتناع بجدوى الترشيح الثلاثي لتنظيم مونديال 2030، هو أنها أقرت مرسوما ملكيا صدر في الجريدة الرسمية بتاريخ 20 دجنبر 2022 يمنح بموجبه إعانة مالية مباشرة بقيمة 7.5 ملايين يورو للاتحاد الإسباني لكرة القدم، بهدف تمويل إعداد وتطوير ملف الترشح المشترك مع البرتغال وأوكرانيا لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030. وأكد المرسوم أن الهدف هو «تنظيم منح مباشرة لإعانة مالية للاتحاد الإسباني لكرة القدم لإعداد وتطوير ملف الترشح لكأس العالم 2030»، مبررا ذلك بوجود «أسباب تتعلق بالمصلحة العامة والاجتماعية». ويمنح الدعم بشكل استثنائي دون منافسة عامة نظرا للأهمية الاستراتيجية للمشروع، حيث اعتبرت الحكومة أن الرياضة «تشكل أداة مهمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز صورة إسبانيا في الخارج». وتشمل الأنشطة الممولة تنظيم مشاورات وفعاليات وطنية ودولية، وإنشاء مكتب تقني للتنسيق، وتنفيذ حملات إعلامية، إضافة إلى تطوير مراكز تدريب وبنى تحتية تقنية للمنتخبات الوطنية. وأشار النص إلى توقعات اقتصادية كبيرة، حيث «سيولد كل يورو من الاستثمار 4.28 يورو من الناتج المحلي الإجمالي و1.32 يورو من الإيرادات الضريبية»، مع إمكانية خلق أكثر من «82 ألف وظيفة في إسبانيا»، فيما قد يتجاوز إنفاق السياح المرتبطين بالمونديال «5.500 ملايين يورو». كما شدد المرسوم على مفهوم الإرث الذي تشترطه الفيفا، مؤكدا أن الترشح يسعى إلى ترك «إرث بيئي وتكنولوجي» خصوصا في ما يتعلق بانبعاثات ثاني أكسيد الكربون والبصمة المائية وتجديد المساحات الرياضية والبيئية. وينص المرسوم على صرف الدعم دفعة واحدة مسبقا مع التزام الاتحاد بتقديم تقارير مالية وفنية مفصلة، مع إمكانية استرداد الأموال في حال عدم الامتثال، حيث «يجب إرجاع الكميات غير المبررة أو الناتجة عن الإخلال بالالتزامات مع فوائد التأخير».
فضائح الاتحاد الإسباني
عرف الاتحاد الإسباني لكرة القدم خلال السنوات التي تلت تقديم الترشح لتنظيم مونديال 2030، سلسلة فضائح مالية وأخلاقية هزت صورته وأثرت على استقرار ترشيح إسبانيا لاستضافة كأس العالم 2030، إذ أجبر الرئيس السابق لويس روبياليس على الاستقالة بعد اتهامه بالاعتداء الجنسي على لاعبة المنتخب جيني إيرموسو ومحاولة الضغط عليها لتبرير الواقعة، وهي القضية التي غطت على فوز المنتخب النسوي بلقب كأس العالم، وأثارت جدلا واسعا حول التمييز بين الجنسين في كرة القدم الإسبانية، كما خضع روبياليس لتحقيقات في قضايا فساد مالي وغسيل أموال مرتبطة بعقود تجارية مثيرة للجدل خلال فترة رئاسته، ما أدى إلى توقيفه واستجوابه من طرف الشرطة الوطنية.
كما أن بيدرو روشا خليفته في رئاسة الاتحاد، تولى المنصب وهو يخضع للتحقيق في قضية فساد مالي بعد مداهمة الشرطة لمكتبه، ما دفع الحكومة المركزية إلى التدخل وتشكيل لجنة إشراف خاصة على الاتحاد، وسط مخاوف من تأثير هذه الاضطرابات على صورة كرة القدم الإسبانية دوليا. وكانت تقارير صحفية محلية قد حذرت إلى أن ملف إسبانيا لاستضافة مونديال 2030 قد تضرر كثيرا بسبب “تعرضه لتقلبات وصراعات داخلية تعكس فضائح الاتحاد وسوء الحكامة فيه”، بما في ذلك اتهامات بانعدام الشفافية في اختيار المدن المضيفة.
وفي محاولة لإنهاء الفراغ القيادي واستعادة الاستقرار المؤسساتي للاتحاد، انتخب رافاييل لوزان رئيسا جديدا للاتحاد الإسباني لكرة القدم في ديسمبر 2024، رغم الجدل القضائي حوله، قبل أن تبطل المحكمة العليا لاحقا الحكم الذي كان يمنعه من تولي المنصب. وينظر إلى انتخابه على أنه خطوة لإنهاء مرحلة الفوضى التي أعقبت سقوط روبياليس وروشا، ولبعث رسالة طمأنة للفيفا بشأن قدرة إسبانيا على إدارة ملف مونديال 2030 وسط التحديات السياسية والفضائح السابقة.
بداية تجاذب سياسي
كان صعود رافاييل لوزان رئيسا للاتحاد الملكي الإسباني لكرة القدم، بداية لتجاذب سياسي في إسبانيا حول ملف تنظيم كأس العالم 2030، فلوزان القيادي في الحزب الشعبي المعارض في إقليم غاليسيا، أول ما قام به بعد تبرئته من طرف المحكمة العليا بمدريد في ملف فساد مالي أثناء توليه أحد المناصب السياسية، هو القيام بتغييرات جذرية في تركيبة لجنة الترشح لتنظيم المونديال التي كان قد شكلها لويس روبياليس وبيدرو سانشيز، وأبعد كل الأعضاء المقربين من الحزب الاشتراكي الحاكم وعوضهم بأعضاء محسوبين عن الحزب الشعبي.
ولكي يظهر أمام الرأي العام الإسباني أنه الممسك بزمام ملف تنظيم المونديال والمخاطب الوحيد في إسبانيا حول تفاصيله، بدأ في الاتصال بالفيفا وبطرفي الملف المشترك المغرب والبرتغال، وأصبح يتحدث في تصريحاته عن ضرورة إعادة تعيين الملاعب التي ستستضيف المباريات، كما طالب بإدراج ملعب ميستايا بمدينة فالينسيا التي تهاوت فيها أسهم الحزب الشعبي بعد تدبيره الكارثي للفيضانات المهولة التي عرفتها المدينة.
كما قام رافاييل لوزان بزيارات متعددة للرباط ولشبونة وزيوريخ من أجل إثارة الجوانب المتعلقة بالملف، لكن كل اللقاءات لم تتعد طابعها البروتوكولي، ولم تناقش أي نقطة متعلقة بالترشح المشترك ولا فتحت تفاوضا على شيء له علاقة بمونديال 2030.
سانشيز يشكل لجنة وزارية
خطوات رافاييل لوزان اليميني في ملف مونديال 2030، وانفراده باللجنة المشرفة عليه، دفعت رئيس الحكومة بيدرو سانشيز إلى اتخاذ قرار يسحب البساط من تحت أرجل الحزب الشعبي، وذلك بإصدار مرسوم يحدث بموجبه لجنة وزارية من أعضاء حكومته للإشراف التقني على الأمور المتعلقة بالاستعدادات للتنظيم، وحدد تركيبها واختصاصاتها وآليات عملها.
وجاء في ديباجة المرسوم الذي صدر في الجريدة الرسمية بتاريخ 18 فبراير 2025 أن بطولات كأس العالم «تجاوزت الطابع الرياضي البحت وأصبحت حدثا عالميا ذا تأثير اقتصادي وسياحي وثقافي واسع على الدولة المضيفة»، مشيرا إلى أن تنظيم البطولة «من المتوقع أن يحقق أثرا مضاعفا مهما على الاستثمارات، ويزيد الإنتاجية، ويساهم في خلق فرص عمل جديدة». وأكد المرسوم أن «الوفاء بالالتزامات التي تعهدت بها الحكومة الإسبانية لتنظيم كأس العالم 2030، وتنسيق العمل الحكومي من منظور تشاركي ومتعدد التخصصات بين الوزارات والهيئات المعنية». وحدد مهام اللجنة، ومنها «تنسيق الإجراءات التي يتعين على الإدارة العامة للدولة اتخاذها لتنظيم البطولة، ومتابعة تنفيذ الخطط الوزارية، ودعم الأنشطة العامة والخاصة المرتبطة بالحدث، وتعزيز التعاون مع الدول المنظمة الأخرى»، إضافة إلى اقتراح تعديلات تشريعية عند الحاجة وتحليل المبادرات العامة والخاصة المرتبطة بتنظيم البطولة.
كما وضح المرسوم تركيبة اللجنة، التي يرأسها وزير التعليم والتكوين المهني والرياضة، ويشغل رئيس المجلس الأعلى للرياضة منصب نائب الرئيس، وتضم ممثلين رفيعي المستوى عن وزارات الخارجية، والمالية، والداخلية، والنقل، والعمل، والصناعة والسياحة، والسياسة الإقليمية، والتحول البيئي، والثقافة، والاقتصاد، والصحة، والهجرة والضمان الاجتماعي، والتحول الرقمي، إلى جانب المديرية العامة للرياضة.
كما أكد المرسوم أن إنشاء اللجنة «لن يترتب عليه أي زيادة في الإنفاق العام، إذ ستعمل بالموارد البشرية والمادية المتاحة في الوزارات المشاركة دون تحميل الميزانية العامة أعباء إضافية».
استرجاع بيدرو سانشيز لزمام الملف، كرسه بلقائه برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” بنيويورك على اجتماعات الجمعية العمومية لهيأة الأمم المتحدة، مانحا إياه كل الضمانات السياسية والتنفيذية لإنجاح التنظيم، وفي نفس الوقت بعث رسالة ضمنية للسويسري، أن مخاطبه الوحيد في إسبانيا هي اللجنة الوزارية، وليس اللجنة التي أعاد تشكيلها رافاييل لوزان.
جدل المباراة النهائية
رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم، رافائيل لوزان، ولكي يظهر أنه الماسك بزمام الملف، استغل اجتماعا لرابطة الصحفيين الرياضيين في مدريد، ليشعل جدلاً واسعاً حين أعلن أن نهائي مونديال 2030 سيقام في إسبانيا، متجاوزاً بذلك صلاحيات الاتحاد الدولي لكرة القدم ومتجاهلاً الشراكة الثلاثية التي تجمع بلاده بالمغرب والبرتغال لتنظيم الحدث العالمي.
برّر موقفه في تصريحاته الأولى بالخبرة التنظيمية الطويلة لإسبانيا، معتبراً أن استضافة النهائي ستكون تتويجاً لهذه التجربة، لكنه ألمح أيضاً إلى بعض الأحداث التي رافقت نهائي كأس الأمم الإفريقية الأخيرة، في محاولة لإلقاء ظلال من الشك على التنظيم الإفريقي، رغم اعترافه بالتطور الكبير الذي يشهده المغرب على مستوى البنية التحتية الرياضية.
وقد تلقى لوزان انتقادات واسعة من طرف وسائل الإعلام الإسبانية بسبب هذا التصريح، وطالبته بمصدر كل تلك “اليقينية” التي كان يتحدث بها، وهل تلقى ضمانات من الفيفا بذلك، وما مدى أهليته لتمثيل إسبانيا في الملفات التي لها امتداد في العلاقات الخارجية للبلاد.
لكن تصريحات لوزان، التي أثارت آنذاك علامات استفهام واسعة، لم تدم دون مراجعة، حيث نقلت مواقع إخبارية إسبانية حديثه لاحقاً عن “سحب بعض التصريحات” وتأكيده أن الحديث عن استضافة النهائي لم يكن قراراً رسمياً، وأن مكان إقامة المباراة النهائية يظل من اختصاص الفيفا وحده، بما يضع تصريحاته السابقة في سياق “تمنيات شخصية” أكثر منه إعلاناً رسمياً.