story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

فنزويلا.. فرحٌ قصير بثمن طويل

ص ص

أكثر ما يزعجني في النقاش العمومي الذي أعقب ما جرى في فتزويلا صباح اليوم السبت، 3 يناير 2026، ليس اختلاف الناس في التقدير، فهذا طبيعي، بل انزلاقه السريع نحو منطق التشفي والحسابات الصغيرة، كأننا أمام مباراة كرة قدم يخوضها أطفال طائشون، لا أمام حدث دولي يهزّ معنى السيادة والقانون.

يقول لنا البعض “يستاهل” لأنه “خصمنا”، ثم ننتهي إلى استباحة القيم والمبادئ التي يقوم عليها عيش الإنسان المعاصر، لا لأننا اقتنعنا بحجج، بل لأن لحظة الانفعال بدت ممتعة.

ورغم أن الواقعة بعيدة عنا، لكنني لا أستطيع قبول أن نتعامل مع قضايا بهذا الحجم بعقلية لعبة أطفال طائشين: نفرح حين يأكل القوي الضعيف كأننا نتفرج على سلسلة رسوم متحركة، ثم نستغرب غدا حين تمتد اليد نفسها إلى ما نعتبره نحن مقدسا وحقا لنا.

على وقع هذا الضجيج الذي صنعه خبرٌ ثقيل مثل هذا، وجدتني أتابع النقاش: واشنطن تتحدث عن “عملية” انتهت بإخراج الرئيس الفينزويلي مادورو وزوجته من بلدهما، بل من غرفة نومهما، وكاراكاس تصف الأمر بالعدوان والاختطاف.

قد نختلف في التفاصيل، وقد تتكشف حقائق لاحقا، لكن الذي يهمني الآن هو هذا السؤال البسيط: ماذا يعني أن يُصبح اقتياد رئيس دولة من تراب دولته فعلا قابلا للتطبيع وللتبرير، بل قابلا للاحتفال؟

أفهم تماما لماذا يصفق البعض. مادورو “خصم” سياسي للمغرب، وبلده اصطفّ طويلا مع البوليساريو ومع الجزائر. لكنني أقولها كما هي: الفرح هنا قد يكون أسهل رد فعل، لكنه أخطره. لأننا حين نصفق لخرق قاعدة، فنحن لا نعاقب خصما فقط، بل نفتح ثغرة في الجدار الذي يحمينا نحن أيضا.

هذا الجدار اسمه القانون الدولي، واسمه سيادة الدول، واسمه حصانة كبار المسؤولين حين يكونون في مناصبهم. قد لا يكون هذا القانون مثاليا، وقد يُستعمل بازدواجية، نعم. لكنه يبقى الحد الأدنى الذي يمنع العالم من أن يعود إلى منطق الغابة.

قم إن الولايات المتحدة لم تفعل ما فعلته لأنها تذكرت المغرب أو أرادت أن تقدم لنا “خدمة” صديق لصديق، ضد خصومنا. هذا وهم. أمريكا تتحرك حيث ترى مصلحتها، وبالطريقة التي تراها أنفع لها. وفنزويلا، بالنسبة لها، ليست قصة مبادئ ولا قصة أخلاق فقط، بل قصة نفط وثروة وموقع وصراع نفوذ.

حين تضع واشنطن مصلحتها في المقدمة، فهي لا تُخفي ذلك كثيرا. الخطر ليس في المصلحة، الخطر في أن تتحول المصلحة إلى رخصة لاستخدام القوة خارج أي غطاء شرعي، ثم يُطلب منا أن نعتبر الأمر “عدالة”.

أنا لا أشتري هذه الحكاية. لأن إنفاذ القانون عبر الحدود ليس غارة، وليس اقتحاما، وليس نقل شخص بالقوة من دولة ذات سيادة إلى دولة أخرى. إنفاذ القانون له أبواب منها التعاون القضائي، وطلب التسليم، والمساطر الدولية، والمؤسسات… أما أن نستبدل كل ذلك بالقوة، فهذه ليست عدالة، بل إعلان صريح بأن من يملك القوة يقرر وحده كيف يُطبق القانون ومتى وعلى من.

هنا تتبخر الفكرة من أصلها: لماذا صنع البشر القانون؟ لماذا قبلوا أن يحدّوا من سطوة القوة؟ لأنهم عرفوا أن البديل هو العودة إلى “حالة الطبيعة”، وإلى عالم يأكل فيه القوي الضعيف، وأن هذا لا ينطبق على الأفراد فقط، بل على الدول أيضا.

ثم هناك ما هو أكثر حساسية وخطورة: حصانة رؤساء الدول أثناء ولايتهم ليست امتيازا أخلاقيا نمنحه لمن نحب ونمنعه عمن نكره. هي جزء من نظام يمنع أن تتحول العلاقات الدولية إلى مطاردة متبادلة بين العواصم، ويمنع أن يصبح كل خلاف سياسي ذريعة لاعتقال رئيس دولة في الخارج.

حين تسقط هذه القاعدة عمليا، لا يعود أحد آمنا من سابقة تُستنسخ وتُعاد صياغتها بعناوين جديدة: مرة مكافحة المخدرات، وأخرى محاربة الإرهاب، مرة حماية الاستقرار، وتالية حماية الديمقراطية. العناوين تتغير، والجوهر واحد: القوة أولا، والقانون يأتي لاحقا لتزيين ما وقع.

هنا أصل إلى النقطة التي أخاطب بها القارئ المغربي مباشرة: لا تُخدّر نفسك بفكرة أنك تحت “الحماية الأمريكية”. أنا لا أشيطن أمريكا، ولا أنكر ما فيها من قوة ومؤسسات وتجارب. لكنني أرفض الوهم. واشنطن دولة مصالح، وحين تتعارض مصالحك مع جدول أعمالها، ستتقدم مصالحها أولا.

انظروا إلى أوكرانيا التي تحولت إلى ساحة استنزاف مفتوحة وهي الأقرب جغرافيا وثقافيا إلى الغرب. وانظروا إلى أوروبا الغربية التي تُدفع دفعا لرفع الأعباء وتقديم التنازلات تحت ضغط الحليف نفسه. وانظروا كيف تُدار خرائط النفوذ الكبرى بين واشنطن وبكين، وكيف يصبح الحلفاء أنفسهم أوراقا في لعبة أكبر منهم.

ثم لا تقولوا لي إن المغرب سيكون أهم من تايوان، أو أثقل من أوروبا، أو أكبر من عقد الطاقة في الخليج، أو أسبق من السعودية أو قطر في ميزان الحسابات حين تُسخّن المصالح الجغرافيا.

المغزى الذي أريد أن أصل إليه ليس تبرئة مادورو ولا تجميل نظامه ولا الدفاع عن خصوم وحدتنا الترابية. المغزى أنني لا أقبل أن يتحول “خصومي” إلى ذريعة لأشجع على كسر القواعد التي أحتاجها أنا غدا. لأنني أعرف نهاية هذا الطريق: دول عربية أُزيح حكامها “الأشرار” بالقوة أو بالفوضى أو بالتدخلات، ولم تصبح بعدها واحات ديمقراطية ولا جنات تنمية. بل تحولت إلى جراح مفتوحة، وإلى دول تتنازعها الميليشيات، وإلى مجتمعات تبحث عن أمن يومها قبل حلم غدها.

هذه ليست دعوة للاستسلام للظلم، بل تذكير بأن الدولة لا تُبنى بالصواريخ، وأن الحرية لا تُستورد، وأن الاستقرار لا يأتي كهبة من الخارج.

لهذا أقولها بوضوح: إذا كان ما حدث في كاراكاس اختطافا فعلا، فالتصفيق له لا يمكن أن يكون “انتصارا للمغرب”، بل مقامرة على فكرة القانون نفسها. وإذا سقط القانون تحت أقدام الأقوياء، فلن يبقى أمام الدول المتوسطة والصغيرة سوى أن تحتمي بما تستطيع: بتماسك جبهتها الداخلية، وبذكاء دبلوماسيتها، وبمشروع وطني يخلق الحد الأدنى من العدالة والثقة.

أما الفرح بخرق القواعد لأن الضحية لا تعجبنا، فهو فرح قصير… بثمن طويل.