story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

علاش الحولي ما جاش؟

ص ص

ها قد مرّ عيد الأضحى بكل ما صاحبه من جدل و”فقصة” وخوف كاد يلامس الرعب. وها نحن، بعد أن هدأ غبار الرحبة قليلا، مدعوون إلى أن ننظر إلى ما جرى بعين بَعدية، فيها بعض المسافة من الحدث، وبعض البرودة التي تسمح بالفهم، لا بالنسيان.

الذي وقع لا يمكن أن يطوى مع آخر يوم من العيد، ولا أن يختزل في منطق ال”موسم”، ولا أن يردّ إلى حكاية شناق صغير، أو كساب طمّاع، أو مواطن بالغ في الشكوى، أو صحافة ركبت موجة الغلاء.

لقد خرج وزير الاستثمار في حكومة أخنوش، كريم زيدان، ليؤكد المؤكد بالطريقة الحكومية نفسها، أي التشبث بالمعزة التي تطير، وبلازمة “العام زين”، وبالفكرة العجيبة التي تقول إن سبب الغلاء هو أننا فكرنا فيه كثيرا، ورددناه كثيرا، وكأن المسألة كلها حصة من حصص التنمية الذاتية، ويكفي ألا تفكر في الغلاء فيختفي.

إذا جمعنا كل ما توفر قبل العيد من تصريحات رسمية وبلاغات وأرقام وأحداث، سنجد أنفسنا أمام احتمالين لا ثالث لهما. إما أن الأرقام التي قدمها رئيس الحكومة ووزير الفلاحة حول القطيع والعرض والوفرة كانت أرقاما كاذبة، أو في أحسن الأحوال معزولة عن الواقع، لأن السوق الذي شاهدناه طيلة أيام ما قبل العيد لا يمت بأي صلة إلى فكرة عرض وفير في مقابل طلب محدود؛ أو أن هذه الأرقام كانت صحيحة، لكن المغرب تمكن، بعبقريته الخاصة، من إبطال مفعول قوانين السوق كما عرفتها البشرية منذ أن صار الناس يتبادلون السلع، أي وفرة في العرض، ودعم سخي، وإعفاءات، واستيراد، وسنة مطيرة، ومع ذلك أسعار ملتهبة.

في الحالتين نحن أمام كارثة. أن تكون لدينا حكومة تكذب بهذا القدر من الصلافة و”الصنطيحة” وتخراج العينين، فهذه نكبة سياسية وأخلاقية تجعلنا أمة منكوبة في ثقتها قبل جيبها. وأن تكون المصيبة كلها في سوق قادر على ابتلاع ملايير الدعم، وأطنان الاستيراد، وأضعاف حجم الطلب الطبيعي، ثم يقف ليشوينا على جمر الأسعار، فهذه مصيبة لا تقل خطورة عن الأولى.

والحقيقة أن مشكلتنا ليست في الاحتمال الأول وحده، ولا في الثاني وحده، بل في شيء من هذا وبعض من ذاك. لدينا حكومة تتصرف بمنطق “تافراقشيت”، وسوق تلقفت هذه الإشارة وتوسعت فيها، وأضافت إليها من باب “الزيادة في العلم”.

رئيس الحكومة شخصيا جاء إلى المنصب من تجربة “تافراقشيت” أنطولوجية في قطاع المحروقات، حيث تحررت الأسعار، وانفجرت الهوامش، وتفكّك مجلس المنافسة في الطريق، ووجد المواطن نفسه يؤدي كلفة زواج المال بالسلطة.

ثم جاءت السنوات الحكومية لتؤكد أن الأمر لم يكن حادثة قطاعية معزولة، بل طريقة في النظر إلى الدولة والسوق والمواطن. هيئة النزاهة التي أطيح برئيسها وقلصت ميزانيتها، ومجلس المنافسة الذي صار موضوع شكوك، ومشروع تجريم الإثراء غير المشروع الذي أقبر، وقانون المسطرة الجنائية الذي يراد له أن يضع المجتمع المدني خارج التبليغ عن الفساد، وصفقة تحلية المياه التي حملها رئيس الحكومة تحت إبطه ودافع عنها في البرلمان كما يدافع صاحب مصلحة عن متجره…

ومع ذلك، من الظلم حصر كل ما جرى في التدبير السياسي وحده. السياسة مسؤولة أولا، نعم. لأن وظيفة السياسة العمومية أنها لا تكتفي بوصف الواقع، بل تستبق تحولاته وتدبر مخاطره وتعيد توزيع كلفته بعدالة. لكن هناك، إلى جانب ذلك، تحولات اجتماعية ومجالية عميقة تجعل أزمة عيد الأضحى أكبر من مجرد وزير فاشل أو حكومة متواطئة أو سوق منفلتة. هنا تكتسب مساهمة أستاذ الجغرافيا المصطفى عيشان أهميتها، لأنها تضع فشل الحكومة داخل خريطة أوسع من التحولات التي لم تفهمها، أو فهمتها وبنت عليها سياساتها الافتراسية.

يقول عيشان، في خلاصته الجوهرية، إن تفسير أزمة عيد الأضحى بثنائية العرض والطلب لم يعد كافيا. ويذكّرنا أن المغرب انتقل، خلال عقود قليلة، من مجتمع كان جزء كبير منه يربي أضحيته، أو على الأقل يعيش قريبا من مجال إنتاجها، إلى مجتمع حضري يشتري أضحيته.

في السابق، كانت البادية لا تنتج اللحم فقط، بل تنتج جزءا من توازنات السوق والمعنى والتضامن. وقسم كبير من المغاربة كان يتلقى أضحيته من “البْلاد”، من ضيعة العائلة أو إرث الأسرة الذي يرعاه أخد الإخوة. أما اليوم، فقد انتقلت الكتلة البشرية الكبرى إلى المدن، وارتفع عدد المتسوقين، وتراجع عدد المنتجين التقليديين، وصار ملايين المغاربة يدخلون السوق في فترة قصيرة، بحثا عن سلعة لم تعد تنتج داخل نفس النسيج الاجتماعي الذي يطلبها.

نعم، لم يكن السوق القديم بريئا ولا عادلا بالكامل، لكنه كان مدمجا داخل مجتمع يملك آليات تقليدية للتضامن، وتقليل الجشع، وتوزيع المخاطر. نعم كان لابد من تعويض الأقارب الذين يسهدون على تحضير الأضحية عن نفقاتهم، لكن من المستحيل الاحتكام إلى منطق السوق وهامش الربح اللا محدود و”الله يجعل الغفلة”. أما اليوم، فقد خرجنا من تلك البنيات دون أن نبني بديلا حديثا، عادلا، منظما، وشفافا. خرجنا إلى سوق عرفنا حداثتها في تعظيم الربح وتكثير المضاربة، ولم نعرف بعد قوانينها وحدود أخلاقياتها.

لقد انتقلنا، كما يقول عيشان، من “تربية المراعي” إلى “تربية الإسطبلات”. في المخيال العام، عندما تمطر السماء، ينبغي أن يرخص الخروف، لأن الكلأ متوفر والطبيعة كريمة. لكن هذا المنطق صار شيئا من الماضي. جزء كبير من القطيع لم يعد يعيش داخل الجغرافيا الطبيعية كما في السابق، بل داخل منظومة شبه صناعية تعتمد على الأعلاف المركبة، والشعير، والنقل، والماء، والتسمين، والطاقة، والديون، والوسطاء.

لذلك لا تكفي السنة المطيرة وحدها لخفض الأسعار، لأن العلاقة بين المطر والكلفة لم تعد مباشرة كما كانت. نحن أمام فصل تدريجي بين الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا الإنتاجية.

والمدن المغربية الكبرى لم تعد قادرة على استيعاب التدفق الموسمي الضخم للماشية والناس والتفاوض والبيع والنقل والذبح. لذلك تحولت بعض الأسواق إلى فضاءات توتر جماعي، بل إلى ما يشبه لحظات رعب اجتماعي، وازدحام، وشجار، وحجر يتطاير، وصراخ، وخوف من نفاد العرض، وخوف أكبر من فقدان القدرة على الشراء.

قررت السلطات هذا العام، “في الدقيقة 90″، مواجهة “الشناقة” الصغار بمنع الشراء وإعادة البيع داخل السوق، لكنها لم تفهم أن بعض أشكال الوساطة التقليدية ليست كلها مضاربة خالصة. جزء منها، كما يشرح الأستاذ عيشان، كان يؤدي وظيفة مجالية، من خلال ربط الأسواق المحلية، ونقل القطيع حسب الحاجة والطلب، وتوزيع العرض، وتسريع دورانه، وخلق مرونة بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك…

حين تحاصر هذه الوساطة دون أن تضع بديلا لوجستيكيا ومهنيا ورقميا قويا، فإنك لا تلغي المضاربة فقط، بل تعطل جزءا من الدورة نفسها.

لهذا ستبقى الحلول التقنية ناقصة إن لم نسمّ المشكلة السياسية باسمها. وأزمة الحولي ليست مجرد اختلال جغرافي، ولا مجرد تحول ديموغرافي، ولا مجرد نقص في الخرائط والبيانات؛ إنها أزمة ثقة أيضا وأساسا.

المواطن لم يعد يصدق الرقم الرسمي لأنه يرى عكسه في السوق. ولم يعد يصدق الدعم لأنه لا يشعر به في السعر. ولم يعد يصدق الوفرة لأنه يبحث عنها فلا يجدها. ولم يعد يصدق أن السوق حرة، لأنه لا يرى فيها إلا حرية الآخرين في افتراسه.

لقد مر عيد الأضحى، لكن السؤال لم يمر. “علاش الحولي ما جاش؟”. لأنه، ببساطة، ضاع في الطريق. ضاع بين رقم رسمي وسوق واقعي. وضاع بين دعم عمومي وسلسلة غير شفافة. وضاع بين بادية تتراجع ومدينة تطلب أكثر. وضاع بين شناق صغير يطارد في الرحبة وفراقشي كبير يجلس في قلب مصنع القرار.

الحولي ضاع بين دولة تريد أن تبدو قوية في آخر لحظة، لكنها تركت أسباب الضعف تكبر في أحشائها سنوات طويلة. لهذا علينا نحذر من “الحولي” الذي لا يأتي، لأنه قد يكون بصدد التراجع إلى الخلف، لينطحنا.