“عاطلات وأمية حقوقية وتمثيلية شكلية”.. دراسة ترصد “هشاشة” أوضاع النساء بالمغرب
خلصت دراسة حديثة إلى مفارقة تطبع وضعية النساء في المغرب؛ إذ بينما تشهد الترسانة القانونية والمؤسساتية “زخماً إصلاحياً لافتاً منذ عقدين”، لا يزال “الأثر الاجتماعي” لهذه التشريعات يتسم بالهشاشة والتعثر، إذ تستمر اختلالات التعليم والشغل والحماية الاجتماعية والبنيات الثقافية “في إعادة إنتاج اللامساواة بأشكال مختلفة”.
وترصد الدراسة، المنشورة من قبل المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، والتي أعدتها الباحثة هدى لنزاري، كيف أن هذا التراكم لم ينجح في إحداث تحول فعلي ملموس في المؤشرات السوسيو-اقتصادية للنساء، مما يطرح تساؤلات حول جدوى القوانين حين تصطدم بمعيقات بنيوية وغياب للإرادة السياسية الفعلية.
خريجات دون شغل وأمية قانونية
تعتبر المشاركة الاقتصادية للمرأة أحد أكثر المؤشرات كشفاً عن هذه الفجوة؛ إذ تسجل الدراسة تراجعاً ملموساً في معدل نشاط النساء من 20.4% سنة 2014 إلى 16.8% سنة 2024. وتبرز المفارقة هنا في كون التحصيل العلمي العالي لا يشكل ضمانة للإدماج؛ حيث تصل نسبة البطالة بين حاملات الشهادات العليا إلى 30.2%، مقارنة بـ 17.9% لدى الرجال.
وتشير المعطيات إلى أن سوق الشغل المغربي يبدو أكثر استيعاباً للنساء غير المتعلمات في القطاعات الهشة كالفلاحة والقطاع غير المهيكل، بينما تواجه المؤهلات ما يُعرف بـ “السقف الزجاجي”؛ وهو حاجز غير مرئي يمنع وصولهن لمراكز القرار. ففي القطاع الخاص، لا تتعدى تمثيلية النساء في مواقع النفوذ 0.1%، “مما يعكس طابعاً ذكورياً صلباً لبنيات القيادة الاقتصادية”.
ورغم أن الأرقام الكمية تشير إلى ارتفاع نسب التمدرس، إلا أن الدراسة تصف السياسات التعليمية بـ “ديمقراطية الفشل”. فالمغرب صُنّف في دراسة دولية (SIRIP) ضمن المراكز الأخيرة (48 من أصل 50 دولة) في كفاية فهم النصوص المكتوبة.
وفي المناطق القروية، تتحول حُجرة الدراسة إلى “مغامرة يومية” محفوفة بمخاطر الجغرافيا وبعد المسافات، مما يرفع معدلات الهدر المدرسي في صفوف الفتيات بسبب غياب النقل أو دور الطالبة.
وتخلص الدراسة إلى أن ما تحقق هو مجرد انتقال شكلي؛ حيث تحررت نساء كثيرات من الجهل بالحرف لِيقعن في فخ “الأمية القانونية والحقوقية”، مما يحرمهن من الاندماج الفاعل في الاقتصاد.
ما وراء شعارات “الحماية الاجتماعية”
لا تبدو الصورة أكثر تفاؤلاً في القطاع الصحي؛ إذ يحتل المغرب المرتبة 131 عالمياً من أصل 141 في مؤشر صحة المرأة. وتنتقد الدراسة حصر الصحة النسائية في “البعد الإنجابي”، مغفلةً جوانب حيوية كالصحة النفسية والكشف المبكر عن السرطانات.
كما تسلط الضوء على ما تصفه بظاهرة “عنف التوليد” وضعف ظروف الكرامة الإنسانية في المرافق العمومية، خاصة في “المغرب العميق”. وتؤكد الباحثة هدى لنزاري على أن الحصول على بطاقة التغطية الصحية لا يعني بالضرورة الحصول على الخدمة، طالما أن المرفق العام يفتقر للعدالة المجالية والكفاءة اللوجستية.
.
السياسة.. “ريع شكلي”
وفي قراءتها لمسار التمثيلية السياسية للنساء، اعتبرت الدراسة أن المغرب حقق “طفرة عددية” مهمة في حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة ووصولهن للبرلمان (من 67 مقعداً في 2011 إلى 96 مقعداً في 2021)، عبر آليات التمييز الإيجابي، غير أن هذا التراكم الكمي “بات يثير التساؤل حول التمثيل الفعلي ومدى قدرته على تجاوز سقف التمثيل العددي الصرف”.
وأوضحت أن الرهان لم يعد مرتبطاً فقط برفع عدد النساء داخل البرلمان أو المجالس الجماعية، بل بمدى قدرة هذا الحضور على التحول إلى “سلطة قرار فعلية تكسر الصمت السياسي”، محذرة من أن الاكتفاء بالأرقام دون تمكين النساء من آليات التأثير المستقل “يهدد بتحويل المكتسب إلى ريع سياسي شكلي يفتقر إلى الروح الديمقراطية”.
وربطت الدراسة بين المشاركة السياسية للنساء والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، معتبرة أن المرأة التي تعاني من الهشاشة الاقتصادية تظل أكثر عرضة للاستغلال الانتخابي، بينما يؤدي ضعف تكافؤ الفرص في سوق الشغل إلى حصر العمل السياسي في “فئة النخبة”.
كما شددت على أن ضعف التعليم، خاصة في القرى والمناطق النائية، يحرم الفتيات من “الرأسمال الثقافي اللازم لفهم القوانين والمشاركة في تدبير الشأن العام”.
وفي هذا السياق، سجلت الدراسة أن المجالس الجماعية في العالم القروي ما تزال تفتقر إلى “تمثيلية نسائية فعلية نابعة من صلب الواقع المحلي”، موضحة أن الحضور النسائي هناك يُختزل أحياناً في “أسماء عائلية أو تزكيات شكلية لملء مقاعد الكوطا”.
غموض قانوني
وعلى المستوى التشريعي، اعتبرت الدراسة أن القوانين المتعلقة بقضايا المرأة في المغرب غالباً ما تؤدي وظيفة مزدوجة؛ فمن جهة تنتج خطاباً رسمياً حول المساواة يعزز صورة الدولة كفاعل إصلاحي، ومن جهة أخرى تترك البنيات الاجتماعية والاقتصادية العميقة المنتجة للامساواة دون تغيير جذري.
وأشارت إلى أن عدداً من الإصلاحات الكبرى، مثل مدونة الأسرة ودستور 2011، قدمت باعتبارها “قطيعة مع الماضي”، ومنحت المغرب رصيداً رمزياً على المستويين الداخلي والدولي، خاصة في سياق التزامه بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق النساء. غير أن هذا الخطاب الإصلاحي “لم يُترجم إلى تحول مماثل في البنيات الاجتماعية والاقتصادية”.
وأضافت الدراسة أن اعتماد نصوص قانونية متقدمة لم يكن مصحوباً دائماً بإصلاحات موازية في مجالات حاسمة مثل التعليم وسوق الشغل والحماية الاجتماعية، معتبرة أن “التنصيص الدستوري على المساواة لم يُترجم إلى سياسات توزيعية فعالة وعادلة تحفظ حقوق الجنسين”.
وفي انتقادها لطبيعة بعض النصوص القانونية، تحدثت الدراسة عن “الغموض القانوني” باعتباره آلية تفرغ الإصلاح من مضمونه، من خلال إنتاج قوانين بصيغ توافقية تتيح تأويلات متعددة تسمح باستمرار الممارسات نفسها التي يفترض أن القانون جاء لتغييرها.
واستحضرت الدراسة، في هذا الإطار، المادة 20 من مدونة الأسرة المتعلقة بزواج القاصرين، معتبرة أن منح القاضي سلطة تقدير “المصلحة” دون معايير دقيقة يجعل النص القانوني مفتوحاً أمام التأويل، بما يسمح باستمرار الظاهرة داخل إطار قانوني يمنحها الشرعية.
كما انتقدت القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، معتبرة أنه يركز أساساً على الجانب الزجري بعد وقوع العنف، في حين يظل البعد الوقائي ضعيفاً، وهو ما يعكس – بحسب الدراسة – “تصوراً ضيقاً للسياسة العمومية” يتعامل مع الظاهرة باعتبارها انحرافاً فردياً لا نتيجة لبنية اجتماعية مركبة.
اعتراف بالمشاكل دون علاج
وفي الجانب المؤسساتي، اعتبرت الدراسة أن إحداث مؤسسات وهيئات تعنى بالمساواة لا يعني بالضرورة وجود تحول فعلي، خاصة في ظل محدودية صلاحياتها وضعف آليات الإلزام والمساءلة. وتحدثت عن ما سمته “المأسسة المقيدة”، حيث يتم الاعتراف بالمشكل داخل بنية الدولة، “لكن دون توفير الأدوات الكفيلة بمعالجته”.
كما سجلت وجود “اختلالات بنيوية” في البرامج الحكومية الخاصة بإدماج مقاربة النوع، من بينها غياب التنسيق بين القطاعات الحكومية وضعف الموارد المالية والبشرية مقارنة بالأهداف المعلنة، معتبرة أن ذلك يؤدي إلى إنتاج “سياسات متفرقة ذات أثر محدود وغير قادرة على تحقيق تحول ملموس”.
وخلصت الدراسة إلى أن “المعضلة الأساسية في قضايا المرأة بالمغرب لا تكمن فقط في العجز التشريعي”، بل في “الفجوة بين تطور النصوص القانونية وثبات الواقع السوسيو-اقتصادي”، داعية إلى الانتقال من المقاربات القطاعية المجزأة إلى “مقاربة شمولية مندمجة تقوم على إرادة سياسية فعلية”، وتربط بين الإصلاح القانوني والتعليم والتمكين الاقتصادي والتنزيل الترابي للسياسات العمومية.