رأس السنة بين الأسطورة والدين والتاريخ.. لماذا يحتفل الإنسان ببداية عام جديد؟
تبدو ليلة رأس السنة الميلادية، في ظاهرها، مجرد موعد متفق عليه عالميا لتبديل رقم في التقويم. لكن ما يقع فعليا على الأرض أكبر من ذلك بكثير: لحظة نادرة تتقاطع فيها أديان وثقافات ولغات ومصالح، لتلتقي، ولو على اختلاف الدوافع، حول فكرة واحدة: أن هناك «حدا» زمنيا يفصل بين عام مضى وآخر قادم، وأن عبوره يستحق احتفالا، أو صلاة، أو طقسا، أو حتى مجرد صمت شخصي يراجِع فيه الإنسان نفسه.
في منتصف الليل الفاصل بين 31 دجنبر والفاتح من يناير، تتجه عدسات العالم، رمزيا، نحو الشرق، حيث تبدأ «الدورة» ثم تواصل التفافها عبر المدن والسواحل والقارات.
ووراء الألعاب النارية، والعدّ التنازلي، والرسائل القصيرة، وموائد العشاء، تختبئ حقيقة قديمة: البشر يحتاجون إلى علامات على الطريق. إلى لحظات فاصلة يعلّقون عليها معنى التطهر من تعب سابق، والإعلان عن نية جديدة، والتصالح مع الزمن الذي لا يتوقف.
ورغم أن العولمة جعلت رأس السنة الميلادية الأشهر عالميا، فإن فكرة «رأس السنة» نفسها لم تولد في العصر الحديث، ولا في الثقافة الغربية وحدها.
تاريخ البشر مليء بسنوات تبدأ في الربيع، أو مع فيضان، أو مع ظهور نجم، أو عقب حدث ديني، أو عند انقلاب فصلي. واللافت أن هذه البدايات المختلفة، رغم تباعد الجغرافيا، تتشابه في جوهرها في ربط الزمن بدورة الطبيعة أو دورة الروح.
بين الأسطورة والكون
تروي الأديان السماوية سرديات الخلق بوصفها أصلا للوجود ومعناه، وتقدّم للإنسان مفاتيح كبرى لفهم البداية الأولى والمآل الأخير، وتضع الزمن داخل إطار أخلاقي وروحي يربط بين الفعل والجزاء، وبين الحياة وما بعدها.
غير أن الإنسان، خارج النص الديني أو بمحاذاته، لم يتوقف عن ابتكار طرقه الخاصة لفهم الزمن وتنظيمه، فبنت الثقافات الإنسانية «خرائط زمنية» موازية؛ أحيانا مستمدة من إيقاع الطبيعة والزراعة وتعاقب الفصول، وأحيانا مرتبطة بصعود الممالك وسقوط الإمبراطوريات، وأحيانا أخرى نابعة من حاجة عميقة إلى ضبط الفوضى ومقاومة القلق الوجودي الذي يولّده الإحساس بالجريان المتواصل للوقت.
لذلك، لم يكن الاحتفال برأس السنة، عبر التاريخ، مجرد موعد ترفيهي أو طقس اجتماعي عابر، بل شكّل في كثير من الحضارات لحظة ذات بعد قدسي ورمزي كثيف، تُقدَّم فيها القرابين، وتُمارس طقوس التطهير، وتُطفأ نار لتُشعل أخرى، ويُعلن العفو العام، أو تُقام «مسرحيات رمزية» تعيد تمثيل الصراع الأزلي بين الخير والشر، والنظام والفوضى، والموت والحياة.
كأن الإنسان، في كل مرة يقف فيها على عتبة سنة جديدة، يحاول أن يمنح نفسه فرصة أخلاقية ونفسية للبدء من جديد، لا بوهم أن العالم يولد من الصفر، بل بإيمان هشّ وعنيد في آن واحد، بأن التجربة البشرية تستحق محاولة أخرى.
من بابل إلى آشور
من أقدم جذور الاحتفال برأس السنة في تاريخ البشرية، ما يرتبط بالموروث البابلي–الآشوري، حيث كان الربيع، باعتداله المناخي وتجدّد نباته وعودة الخصب إلى الأرض، لحظة مثالية لإعلان بداية زمن جديد.
في هذا السياق نشأ عيد «أكيتو»، الذي لم يكن مجرد احتفال موسمي، بل طقسا مركزيا في الوعي الجمعي لبلاد الرافدين، ارتبط بمعاني الأرض، والخصوبة، واستعادة النظام بعد الفوضى، وتجديد العهد بين الإنسان والكون.
وقد امتد هذا العيد تاريخيا عبر أسماء ومسارات متعددة، متنقّلا بين بابل وآشور، ثم عابرا إلى شعوب وثقافات مجاورة، حاملا معه جوهر الفكرة وإن تغيّرت الأشكال.
مع تعاقب القرون، وتبدّل السلط السياسية، واللغات، والحدود، ظل أثر «أكيتو» حاضرا لدى مجموعات آشورية وسريانية وكلدانية، لا بوصفه مجرد بقايا طقس قديم، بل كذاكرة هوية تقاوم الذوبان. وما يزال هذا العيد يُستعاد اليوم في مناطق من العراق وسوريا وتركيا، عبر احتفالات تمتد أياما، تمزج بين الطقوس الشعبية، والرموز الزراعية، واستحضار تاريخ جماعي يرى في الربيع وعدا متجددا بالحياة.
والأهم في هذا المسار، أن الربيع لم يكن في نظر الإنسان القديم فصلا جماليا فحسب، بل مؤشرا عمليا على بداية دورة كاملة من العمل والعيش. بداية موسم الزراعة، وبداية القمح والماء، وبداية جهد جماعي يرتبط بالبقاء نفسه.
من هنا جاء الربط العميق بين «السنة» وحركة الفصول، قبل أن ينتقل العالم، مع تشكّل الدول المركزية والاقتصادات الكبرى، إلى تقاويم تُدار أكثر بمنطق السلطة والإدارة والحساب، لا فقط بمنطق الحقول والأنهار ودورات الطبيعة.
النيروز القبطي.. الفيضان بداية للعام
في مصر، لم يكن الزمن مفهوما مجردا يُقاس بالأيام والأرقام، بل كان، منذ فجر الحضارة، امتدادا مباشرا لدورة نهر النيل. فالزراعة، وأنماط العيش، والاستقرار السكاني، وحتى فكرة الدولة نفسها، كانت جميعها مرهونة بإيقاع الفيضان السنوي، الذي يهب الأرض خصوبتها ويحدّد مصير الحصاد والحياة.
لذلك، تشكّل الوعي الزمني المصري القديم حول النهر، لا بوصفه مجرى ماء فقط، بل باعتباره ساعة كونية تضبط إيقاع العام، وتفصل بين الجفاف والخصب، وبين الخوف والطمأنينة.
في هذا السياق، لم يكن غريبا أن تتبلور سنةٌ قبطية ذات جذور فرعونية عميقة، تجعل من بداية العام لحظة مرتبطة بالبداية الزراعية الكبرى، أي عودة الماء إلى الأرض وإعلان دورة جديدة من العمل والحياة.
تقويم ذو طابع نجمي–زراعي، استند إلى مراقبة السماء وحركة النجوم، وقسّم السنة بدقة لافتة إلى شهور وفصول تخدم حاجات الفلاح قبل أن تخدم الإدارة أو السلطة.
مع مرور الزمن، حافظ هذا التقويم على حضوره، لا كأثر تاريخي جامد، بل كنظام عملي ظلّ الفلاح المصري يستأنس به في الزراعة، ويستعمله في تقدير المواسم، حتى حين تغيّرت الدول وتبدّلت أنظمة الحكم.
ولا تزال السنة القبطية، إلى اليوم، تحتفظ بمكانة خاصة لدى قطاعات واسعة من المجتمع المصري، خصوصا في الريف، حيث تبقى «لغة الموسم» أقوى من لغة السياسة، وحيث يُقاس الزمن بما يُزرع ويُحصد أكثر مما يُقاس بما يُعلن في الخطابات الرسمية.
أما تسمية «النيروز»، التي تطلق على رأس السنة، فتحمل في الذاكرة القبطية دلالة تتجاوز الاسم، إذ تلامس معنى الماء والنهر والبداية في آن واحد، وكأن السنة ليست مجرد رقم يُضاف إلى سابقه، بل حياة تتجدّد مع كل فيضان، ووعد قديم يتكرّر بأن الأرض ستثمر من جديد.
إثيوبيا… تقويم خاص، وزمن يمشي بإيقاع مختلف
إلى الجنوب من مسار النيل، وفي قلب القرن الإفريقي، تتخذ إثيوبيا من رأس السنة موعدا متقاربا زمنيا مع التقويم القبطي، لكنها تمنحه سياقا دينيا وثقافيا مختلفا يعكس خصوصية تاريخها ومسارها الحضاري.
فهي من الدول القليلة في العالم التي ما تزال تحتفظ بتقويم خاص بها، يختلف عن التقويم الميلادي في عدد الشهور، وفي طريقة احتساب الأيام، وفي العلاقة التي يقيمها المجتمع مع الزمن نفسه.
هنا لا يُعدّ اختلاف التقويم مجرد تفصيل إداري أو فضول ثقافي، بل يتحوّل إلى تعبير عن استقلال رمزي عميق: هوية تاريخية تقاوم الذوبان في المعايير الكونية، وطريقة خاصة في تنظيم الوقت والاحتفاء بالبدايات.
يرتبط رأس السنة الإثيوبية ارتباطا وثيقا بالتصور الديني للكنيسة الأرثوذكسية، وبفكرة ميلاد المسيح في تاريخ مختلف عمّا تعتمده الكنائس الغربية، وهو ما يفسّر الفارق الزمني القائم بين التقويم الإثيوبي والميلادي.
غير أن هذا البعد اللاهوتي لا ينفصل عن بعد اجتماعي حيّ، حيث يتحول العيد إلى مناسبة جماعية تعيد وصل الناس بزمنهم المحلي وبإيقاع حياتهم اليومية.
في هذا اليوم، يرتدي الإثيوبيون أزياءهم التقليدية، وغالبا ما يطغى اللون الأبيض رمزا للنقاء والتفاؤل، وتُذبح الذبائح، وتُفتح البيوت للاحتفال الأسري والجماعي.
وتبقى هذه الطقوس، في جوهرها، أكثر من مجرد احتفاء عابر؛ إنها طريقة المجتمع الإثيوبي في إعلان دخوله عاما جديدا بلغته الخاصة، وبمفرداته الرمزية التي تمزج بين الدين، والأرض، والعائلة.
هكذا لا يُستقبل العام الجديد باعتباره رقما يُضاف إلى سجل الزمن، بل كفصل جديد في سردية جماعية ما تزال تحتفظ بحقها في أن تعيش الوقت وفق إيقاعها الخاص، لا وفق الساعة العالمية وحدها.
الصين.. سنة تحمل اسم حيوان
في آسيا، يقدّم التقويم الصيني نموذجا مختلفا تماما لفكرة «بداية السنة». فهنا لا يبدأ العام وفق خط مستقيم ثابت كما في التقويم الميلادي، بل يتحرك مع دورة مركّبة تجمع بين القمر والشمس، وتعيد ضبط الزمن على إيقاع الطبيعة لا على إيقاع الساعة وحدها.
لذلك تتبدّل مواعيد رأس السنة من عام إلى آخر، ويُصبح الدخول إلى عام جديد أقرب إلى عبور موسم كامل، لا إلى لحظة واحدة تُختزل في منتصف الليل.
وفي قلب هذا التقويم، تحمل كل سنة اسم حيوان من اثني عشر برجا، ليس بوصفه زينة لغوية، بل كبنية رمزية تقرأ بها الثقافة الصينية الحياة من مختلف الجوانب: الطباع، والحظوظ، وتحوّلات المزاج العام.
لهذا لا يستقبل الناس «سنة جديدة» فحسب، بل يستقبلون «شخصية» جديدة للعام، وكأن الزمن نفسه يرتدي جلدا مختلفا في كل دورة، فيؤثّر في الإيقاع العام للناس، ويغيّر توقعاتهم وتفاصيل طقوسهم.
من هنا، لا يبدو رأس السنة الصينية مجرد يوم عطلة، بل يتحول إلى أكبر حركة اجتماعية سنوية في الصين، أي موسم للسفر والعودة إلى الجذور، حيث ملايين الأشخاص يقطعون المسافات للالتقاء بالعائلة حول مائدة واحدة.
في هذا التوقيت، يصبح البيت مركز الكون، فتُنظَّف الغرف بعناية، وتُرتَّب الأشياء، توُرمى بقايا العام الماضي، وتُغسل التفاصيل الصغيرة كما لو أنها تحمل معه آثار تعب قديم.
تنظيف المنزل ليس سلوكا عمليا فقط، بل طقس معنوي لإزالة «غبار» العام المنصرم، وإعداد المكان لاستقبال زمن جديد بوجه أقل فوضى.
ثم تأتي الأظرف الحمراء التي تُوزّع على الأطفال والأقارب كإشارة مزدوجة: عطاءٌ مادي بسيط، ورسالة رمزية تقول إن الخير يجب أن يفتتح العام، وأن الفرح لا يُترك للصدفة.
وتتصاعد الألعاب النارية والضجيج والألوان في لحظة تبدو لمن يراقب من بعيد احتفالا صاخبا، لكنها في معناها العميق إعلان مقاومة للخوف، وتوكيد جماعي على أن البداية لا تكتمل إلا بإرادة الناس في طرد ما يعتقدون أنه يجلب التعاسة أو «يُثقل» العام.
حتى أسطورة «نيان»، التي تتكرر في السرد الشعبي الصيني (وحش يهاجم القرى ويخاف من اللون الأحمر والضجيج) ليست مجرد حكاية للأطفال، بل تلخيصٌ بالغ الذكاء لآلية بشرية قديمة. فالإنسان لا يكتفي بالخوف، بل يحوّل خوفه إلى طقس، ويجعل له لونا وصوتا وشكلا، ثم يبتكر له طردا جماعيا، ويعيد تكرار هذا الطرد عاما بعد عام حتى يصبح عادة، ثم يصبح «تقليدا»، ثم يُورَّث للأطفال كأنه قانون طبيعي لا يُناقش.
بهذه الطريقة، لا تبدو طقوس رأس السنة في الصين مجرد «فولكلور» للفرجة، بل نظاما ثقافيا متماسكا لإعادة ترتيب الحياة، وتصفير الذاكرة الثقيلة، وترميم الروابط العائلية، واستقبال العام الجديد كأن المجتمع كله يكتب لنفسه، مرة أخر، وعدا بسيطا: سنبدأ من جديد، لكن هذه المرة ببيت أنظف، وقلب أخف، وضوء أعلى.
رأس السنة الأمازيغية.. «أسكاس أمباركي»
في المغرب وعموم شمال إفريقيا، لا يزال رأس السنة الأمازيغية يحتفظ بحضور اجتماعي حيّ ومتجذّر، يمتد من المغرب إلى الجزائر وتونس وليبيا، بوصفه موعدا تتقاطع فيه الذاكرة الجماعية مع إيقاع الأرض.
وتختلف القراءات حول أصل هذا التاريخ بين من يربطه بالدورة الزراعية وبداية ما يُعرف بـ»السنة الفلاحية»، حيث تُقاس الحياة بما يُزرع ويُحصد، وبين من يمنحه بعدا تاريخيا يعود إلى حدث يُنسب إلى الملك الأمازيغي شيشنق ووصوله إلى حكم مصر القديمة، بما يحمله ذلك من رمزية سياسية وهوياتية.
غير أن هذا الجدل، على أهميته الأكاديمية، لا يُغيّر كثيرا من جوهر الاحتفال في حياة الناس اليومية.
فما يميّز رأس السنة الأمازيغية، في الواقع المعاش، هو حضوره القوي داخل البيت وعلى المائدة، لا في الخطابات أو السجالات.
تُستقبل السنة الأمازيغية الجديدة بطقوس بسيطة لكنها دالّة: أطباق الكسكس المُعدّة بعناية، والمكسرات والفواكه المجففة، ووصفات محلية تختلف من منطقة إلى أخرى لكنها تتفق في معناها، وطقوس كرم عائلي تجعل من الوجبة لحظة جماعية بامتياز.
ويُمنح الأطفال حلوى أو هدايا صغيرة، في إشارة رمزية واضحة تقول إن «العام الجديد دخل»، وإن البداية يجب أن تُستقبل بالفرح لا بالقلق.
بهذا المعنى، لا يُحتفل برأس السنة الأمازيغية كذكرى تاريخية جامدة، بل كتجربة اجتماعية تتجدّد كل عام، تعيد ربط الإنسان بأرضه وبعائلته وبإيقاع زمن بطيء ومفهوم.
التقويم الهجري
تأتي «بداية السنة» في العالم الإسلامي محمّلة بمعنى مغاير في جوهره، إذ لا ترتبط بدورة طبيعية ولا بحدث فلكي، بل بلحظة تاريخية فاصلة شكّلت تحوّلا عميقا في مسار الجماعة المؤمنة: الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة.
هنا تُقرأ البداية لا بوصفها ميلاد زمن جديد فحسب، بل انتقالا من حال إلى حال، ومن مرحلة الاستضعاف والخوف إلى أفق البناء والتنظيم، ومن جماعة مضطهدة إلى نواة مجتمع ودولة.
لذلك يظل البعد الرمزي للهجرة أقوى من البعد الاحتفالي، وتبقى «بداية السنة» مناسبة للتأمل في المعنى قبل الطقس.
ورغم حضور النقاش الفقهي حول شكل إحياء رأس السنة الهجرية، بين من يرفض أي مظهر احتفالي باعتباره بدعة لا أصل لها، ومن يرى في المناسبة فرصة للعبرة واستحضار الدروس، فإن مكانة التقويم الهجري في حياة المسلمين تظل راسخة.
فهو ليس مجرد أداة لعدّ الأيام، بل إطار زمني تنتظم داخله أعظم الشعائر الجماعية، من رمضان بما يحمله من تعبّد جماعي، إلى الحج بوصفه ذروة الالتقاء الروحي للأمة، وصولا إلى باقي المناسبات التي تشكّل الذاكرة الدينية المشتركة.
ويكتسب اعتماد شهر محرّم كبداية للتقويم، رغم أن واقعة الهجرة نفسها حدثت في ربيع الأول، دلالة خاصة على نضج مبكر في إدارة الزمن داخل الدولة الإسلامية الناشئة.
فقد جاء هذا الاختيار نتيجة قرار إداري–حضاري اتخذه الصحابة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، حين فرضت الحاجة العملية للدولة، في المراسلات، والعقود، وتنظيم شؤون الناس، اعتماد نظام تأريخ واضح يرفع الالتباس.
هكذا لم يكن التقويم الهجري مجرد استذكار لحدث تاريخي، بل أداة تنظيم وبناء، جمعت بين الرمزية الدينية ومتطلبات الدولة، ورسّخت فكرة أن الزمن، في التجربة الإسلامية، ليس معطى محايدا، بل جزء من مشروع حضاري يتشكّل بالفعل والمسؤولية.
نحتفل لأن الإنسان يحتاج إلى «وعد»
قد تبدو كل هذه التقاويم متباعدة، واحدة تبدأ مع الربيع، وأخرى مع الفيضان، وثالثة مع القمر، ورابعة مع حدث ديني. لكن ما يجمعها أكثر مما يفرقها: أن الإنسان، منذ بداياته، لم يكتفِ بأن يعيش الزمن… بل أراد أن يروّضه. أراد أن يقسمه، ويسميه، ويضع له بوابات عبور، ثم يزين هذه البوابات بطقوس تشبهه.
لهذا، حين يُطفئ العالم أضواء عام ويشعل أضواء عام جديد، فهو لا يحتفل فقط بتقويم، بل يحتفل بفكرة أن البداية ممكنة. وأن الإنسان، مهما أثقله الماضي، يحتاج إلى لحظة يقول فيها: سأحاول مرة أخرى.