story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

دفن الحقيقة مع جثامين سبتة

ص ص

حتى لا نكون بدورنا شركاء في دفن ضحايا “الهروب الكبير” نحو سبتة في قبور النسيان والتجاهل والنكران، يجدر بنا أن نترك “فتنة” الانتخابات جانبا لبعض الوقت. فهناك، على بعد كيلومترات قليلة فقط، ما تزال واحدة من أكبر المآسي التي عرفتها حدود المغرب في العقود الأخيرة مفتوحة على أسئلة لم يجب عنها أحد، فيما أُغلقت قبور كثيرة بالفعل على أصحابها قبل أن نعرف أسماءهم.

يوم الخميس 27 غشت المنصرم، كانت سبتة قد أنهت دفن 88 من ضحايا أحداث 30 يوليوز في مقبرة سيدي مبارك. كثير منهم دُفنوا بأرقام بدل الأسماء، بعدما تعذر التعرف على الغالبية وبالتالي تعذر نقل الجثامين إلى المغرب.

قبل ذلك بأيام، كانت أولى عمليات الدفن قد انطلقت بثمانية عشر جثمانا مجهول الهوية، في قبور مرقمة تسمح، نظريا، بنبشها لاحقا إذا ظهر أهل الضحية وطابق الحمض النووي بين الاسم والرفات.

هذا هو السياق الذي ينبغي أن نضع داخله حدثين تواصليين وقعا في اليوم نفسه تقريبا، كي نفهم إلى أي حد “طليناه اخضر”.

من جهتنا، خرجت إلى الإعلام رقية العلوي، رئيسة المجلس الجهوي للسياحة بطنجة-تطوان-الحسيمة، لتشرح كيف أن أحداث سبتة لم تُحدث، إلى الآن، أثرا ملموسا في الجاذبية السياحية للجهة؛ وأن السوق الإسبانية لم تُظهر موجة إلغاءات أو تراجعا في الحجوزات، مع التنبيه إلى أن الحكم النهائي يحتاج إلى أشهر أخرى.

بل إن تفسير المسؤولة لضعف الأثر المباشر يقوم على كون نحو 99 في المئة من زبناء الشمال، حسب قولها، مغاربة يضاف إليهم مغاربة العالم. هكذا جاء حديث السيدة العلوي، عن الخسائر والأرباح والحجوزات والمؤشرات، كأن الذين “طجّوا” والذين ماتوا، مجرّد كائنات ضالة. لا تعبير عن الأسف ولا الحزن ولا التقدير للأرواح التي فقدت وتلك التي تئن حيّة جراء ما وقع!

لا عيب طبعا في أن تهتم مسؤولة عن السياحة بالسياحة. هذا عملها. العيب يوجد في مكان آخر، وهو أن تكون هذه إحدى الصور القليلة التي تقدمها بلادنا عن مأساة بهذا الحجم، فيما لا نرى مسؤولا سياسيا أو أمنيا أو حكوميا رفيعا يجلس أمام المواطنين ليشرح لهم، بالتفصيل نفسه الذي نخصصه لليالي المبيت والحجوزات، كيف أمكن لعشرات الآلاف أن يتحركوا في ليلة واحدة، وكم من المغاربة ماتوا، ومن هم، وأين جثثهم، وماذا فعلت الدولة للتعرف عليهم، وكيف تفسر ما وقع، ومن يتحمل مسؤوليته.

في الجهة الأخرى، جلس رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أمام ميكروفون “كادينا سير” وفعل، من موقعه وحرصا منه على مصالح بلاده طبعا، ما لم نفعله نحن: قدّم رواية سياسية وأمنية لما وقع، وأعطى أرقاما، ونفى فرضيات، وفتح أخرى.

قال سانشيز إن نحو 70 ألف شخص دخلوا سبتة، وإن تسعة من كل عشرة عادوا، وإن حوالي خمسة آلاف ما زالوا داخل المدينة، بينهم 1200 قاصر. لم يتحدّث سانشيز عن السياحة في سبتة، بل قال إن حكومته رفعت طاقة إيواء المهاجرين في ثلاثين يوما من 500 إلى 3300 سرير، وتتجه إلى ستة آلاف. والأهم أنه حسم، بناء على ما يقول إنها معطيات أجهزة الأمن والاستخبارات الإسبانية، بأنه لا توجد معلومات تثير الشك في تورط السلطات المغربية، واصفا التعاون مع الرباط بأنه “إيجابي للغاية”.

لكن سانشيز لم يكتف بتبرئة المغرب، بل ذهب إلى مكان أكثر خطورة. الرجل قال إن ما جرى سبقه وانتشر خلاله تضليل رقمي عبر شبكات مرتبطة بروسيا وإسرائيل و”أممية لليمين المتطرف” تستعمل الهجرة لضرب إسبانيا وأوروبا.

صحيح أنه احتاط قائلا إن ذلك لا يعني بالضرورة أن الفاعل دولة رسمية، وإن التحقيق لم يكتمل بعد، لكنه طرح السؤال السياسي الذي يكشف منطقه: هل روسيا وإسرائيل قلقتان فعلا من الهجرة إلى إسبانيا، أم من مواقف مدريد الدولية، وخصوصا في غزة وغيرها؟

إسرائيل فهمت خطورة الكلام فورا. ولم ينتظر وزير خارجيتها جدعون ساعر لجنة ولا بلاغا مقتضبا؛ بل خرج في اليوم نفسه ليتهم سانشيز بالكذب “بشكل وقح”، واعتبر أن تحميل إسرائيل مسؤولية التضليل حول سبتة محاولة لصرف الانتباه عن فشل الحكومة الإسبانية في إدارة الأزمة.

أي أن مأساة بدأت على الشاطئ المغربي، بأجساد مغربية في معظمها، تحولت في مدريد وتل أبيب وموسكو إلى ملف سياسي وأمني وجيوسياسي مفتوح، بينما يبدو أننا نحن، أصحاب الجغرافيا والأجساد والأمهات المنتظرات، نفضل الاكتفاء بمراقبة أثرها في “جاذبية الوجهة السياحية”.

لسنا في حاجة إلى أن نصدق سانشيز كي نسائل دولتنا، ولا إلى أن نبرئه من مسؤوليات بلاده في ما جرى. كلامه نفسه يحتاج إلى أدلة، واتهام شبكات مرتبطة بروسيا وإسرائيل لا يتحول إلى حقيقة نهائية لمجرد أن رئيس حكومة قاله. لكنه قدم رواية قابلة للفحص والنقاش والرد. قدم أرقاما. سمّى أجهزة. ميّز بين ما يعرفه وما لا يعرفه. ودافع عن موقف بلاده. أما نحن، فحتى الرواية لم نحصل عليها.

من فرط الفراغ، أصبح رئيس حكومة دولة أخرى هو الذي يقول للمغاربة إن دولتهم لم تكن وراء ما حدث. وهو الذي يشرح لهم دور شبكات التضليل. وهو الذي يخبرهم بعدد من بقي في سبتة. وهو الذي يعلن ما فعلته بلاده لإيوائهم. أما الأسماء التي غابت، فبعضها صار أرقاما على شواهد في سيدي مبارك.

قد تكون السياحة بخير كما بشّرتنا السيدة العلوي، وهذا خبر سار. وقد يكون التعاون الأمني مع إسبانيا ممتازا، وهذا أيضا مفيد للدولتين. وقد تثبت التحقيقات غدا أن موسكو، أو شبكات إسرائيلية، أو تجار البشر، أو الجميع معا، لعبوا دورا في إشعال موجة 30 يوليوز؛ لكن كل ذلك يبقى ثانويا أمام السؤال الذي لا يجوز أن يُدفن مع الموتى:

كيف حدث أن عرف العالم عن هذه المأساة من مدريد أكثر مما عرفه المغاربة من الرباط؟

أخطر ما يمكن أن يقع بعد موت عشرات الشباب ليس فقط أن يواروا التراب بلا أسماء، بل أن ندفن معهم السؤال أيضا.