story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

خيانة النخبة

ص ص

أن تكتشف “النخبة المتنورة” فجأة أن القانون الدولي نكتة، وأن “الحق” مجرد زينة لغوية تصلح للندوات ولا تصلح للحياة، فهذا يعني أننا دخلنا زمنا جديدا من الانحطاط.

زمن تتنازل فيه العقول المتعلمة عن شرفها الأخلاقي، وتقرر أن تلعب مع العامة لا ضد جموحها، وأن تقود الانفعال بدل أن تُهذّبه، وأن تشرعن الشهوة بدل أن تُقاومها.

عشنا خلال أيام قليلة، مثالين صارخين على هذا الانزلاق.

في فنزويلا، انفجرت موجة من التعليقات العربية والمغربية خصوصا، تُصفّق لمنطق القوة وتبصق على فكرة القانون، وتضحك من “السيادة” كأنها طرفة قديمة.

العملية التي تحدثت عنها تقارير دولية باعتبارها عملية أميركية انتهت بإعلان القبض على نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، تحوّلت عند كثيرين إلى لحظة “تشفي” سياسية قبل أن تكون سؤالا قانونيا وأخلاقيا. كأني بلسان حال البعض يسعى إلى قتل فكرة الاختلاف مع القوي والسخرية منها والتنكيل بها.

والأدهى أن من يقود موجة التصفيق ليسوا “العامة” وحدهم، بل فئات محسوبة على الأكاديميين والإعلاميين وذوي الشهادات واللغة اللامعة… أي نفس الذين يفترض فيهم، من حيث المبدأ، أن يذكّروا الناس بأن العالم لا يُبنى على الغريزة، وأن العدالة ليست فُرجة، وأن القانون الدولي ـ مهما كان منافقا ومختلا ـ هو على الأقل السقف الذي يمنع الغابة من أن تصير هي الدستور.

هنا تظهر خيانة النخبة في أبهى صورها. أن تُحوّل انهيار القاعدة الأخلاقية إلى حجة وعنوان للوطنية. أن تقول للناس: نعم، فلنصفّق لدهس القانون لأن الضحية لا تعجبنا. أن تشرح لهم، ببرودة المتعلم، أن حق القوة أجمل من قوة الحق… فقط لأن مادورو كان قريبا من خصومنا.

هذه ليس “واقعية سياسية” كما يتوهّم البعض. هذا تحلل أخلاقي. الواقعية الحقيقية، حتى بالمعنى المصلحي البارد، تبدأ من سؤال بسيط: من قال إننا نحن في نادي الأقوياء؟ ومن قال إن قاعدة اليوم التي تُسحق في كاراكاس لن تُستعمل غدا في مكان آخر، ضد “ضعفاء العصر” الذين نُنكر أننا منهم؟ هل تنسى نخبة “جوج فرنك” أن الطرف نفسه الذي استباح سيادة فنزويلا اليوم يهدّد وحدة أراضي دولة أوربية هي من بين أقرب حلفائه: الدانمارك؟ هل يعقل أن يغفل هؤلاء ما يجري مع أوكرانيا، بل حتى مع كندا، كي يعوا أن قاعدة القانون، مهما كانت هشة وضعيفة، هي الملاذ الوحيد؟

ثم نصل إلى الملف الثاني، الذي يبدو أصغر لأنه كروي، لكنه أخطر لأنه تربوي: لقطة ركلة جزاء محتملة في نهاية مباراة المغرب وتنزانيا، وغياب الاحتكام إلى “الفار” أو على الأقل غياب ما يكفي من الشفافية لقتل الجدل في مهده.

هنا أيضا رأينا نخبة تُزايد، لا لتقول: “نريد الإنصاف”، بل لتقول: “لا يهم… المهم أن نتأهل”. وكأن البطولة غنيمة. وكأن الرياضة مجرد طريق مختصر إلى نشوة قومية، حتى لو جاءت على حساب روح المنافسة.

أنا لا أطلب من أحد أن ينصب نفسه حكما فوق الحكام. ولا أطلب جلد الذات، ولا التباكي أمام خصمنا. أنا أطلب شيئا واحدا فقط، وهو ما يفترض أن تطلبه “النخبة” قبل غيرها:

احترام القاعدة. احترام فكرة أن التكنولوجيا وُجدت لتقطع الشك باليقين. وأننا إذا كنا على حق، فال”فار” كان سيخدمنا ويخدم صورتنا ويخنق كل هذا الضجيج في مهده. وإذا لم نكن على حق، فالأشرف أن نعرف ذلك ونواجهه، لا أن نغطيه بالهتاف.

الذي يحدث هو العكس: نخبة تُربّي العامة على الفكرة الأكثر تدميرا لأي مجتمع: “إذا أفلتّ بفعلتك فافعلها”.

وهذه ليست كرة قدم فقط. هذه مدرسة كاملة في الأخلاق العمومية الفاسدة.

ولأن الموضوعين يبدوان مختلفين، فنزويلا وركلة جزاء، يمر كثيرون من تحتهما بلا وعي: القاسم المشترك واحد. إنه سقوط “المعيار”. وسقوط النخبة من موقع الضمير إلى موقع المبرّر. من موقع المصباح إلى موقع المصفّق. من موقع من يقول: “تروّوا” إلى موقع من يقول: “اشعلوها”.

غوستاف لوبون، في كتابه الشهير عن “الجموع”، لم يكن يكتب عن الجماهير لتزيين رفوف المكتبات، بل ليحذر من لحظة يصبح فيها الإنسان داخل الحشد أقل عقلا، أسرع انقيادا، أكثر قابلية لتقديس القوة والرمز والصراخ. لكنه، وكل من جاء بعده من فرويد إلى كانيتي إلى أورتيغا، كان يفترض ضمنيا أن هناك “نخبة” تمتلك عُدّة المقاومة. نخبة تعرف أن مهمتها ليست الذوبان في الصراخ، بل قول كلمة تبقى واقفة حتى حين تُصفع.

هنا نصل إلى لبّ الفضيحة: نخبتنا لا تقاوم سيل الجموع. نخبتنا تتحول إلى جزء من السيل. بل إلى قائدته أحيانا.

فتصير خيانة النخبة أكثر من مجرد خطأ في التقدير، بل انقلابا في الوظيفة. من يفترض أن يكون صمام أمان يصبح مكبر صوت للغريزة.

لست محتاجا إلى كثير من التنقيب لأقول إن تاريخ المغرب الحديث يعرف هذا المرض. كم من محاولة إصلاح منذ القرن التاسع عشر تعثرت لأن النخبة لم تقف في صف المعنى، بل دخلت في صفقة مع السلطة: مكاسب هنا، امتيازات هناك، صمت مقابل السماح للاستبداد أن يتغذى بهدوء.

السلطة، في كل مكان، تفهم جيدا قيمة النخبة: إما أن تكون شوكة في الحلق، أو تكون مِلحا يذيب الضمير ويعطي القمع طعما مقبولا. وعندما تختار النخبة أن تكون “مِلحا”، فهي لا تخون العامة فقط، بل تخون فكرة الإصلاح ذاتها.

النخبة ليست من يملك اللغة. بل هي من يملك الشجاعة.

والشجاعة هنا ليست بطولات على الورق. بل هي أن تقول للناس: لا تفرحوا بانهيار القانون لأنكم ستدفعون ثمن ذلك يوما.

الشجاعة هي أن تقول: لا تبرروا الظلم لأن الضحية خصمكم.

الشجاعة هي أن تقول: لا تسرقوا بطولة، ولا تلمعوا سرقة، لأنكم تسرقون من أطفالكم معنى الاستحقاق.

أما أن تتحول النخبة “المتنورة” إلى سمسار للانفعال، وإلى واعظ للقوة، وإلى متعهد حفلات يوزع التصفيق حسب المصلحة، فذلك ليس فقط سقوطا، بل خيانة.

خيانة لفكرة أن الإنسان يستحق قاعدة تحميه من الأقوى.
وخيانة لفكرة أن الرياضة تربي قبل أن تُسلي.

وخيانة لفكرة أن النخبة وُجدت لتدفع ثمن قول الحقيقة، لا لتتقاسم أرباح الكذب.

في النهاية، حين تصبح النخبة جزءا من اندفاع العامة، لا يبقى السؤال: لماذا يضلّ العامة؟ بل يصبح أبسط وأقسى:

من الذي دلّهم على الطريق؟