story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

خبراء يعددون دلالات انضمام المغرب لـ “مجلس السلام”

ص ص

أعلن المغرب موافقته على دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانضمام إلى “مجلس السلام”، في إطار مبادرة تقودها واشنطن بهدف تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، وحل النزاعات المسلحة حول العالم.

وتأتي هذه الخطوة في ظرف إقليمي شديد الحساسية، يتقاطع فيه البعد الإنساني مع رهانات سياسية وأمنية متشابكة، وسط تباين مواقف الفاعلين الدوليين والإقليميين بشأن بؤر التوتر في العالم ومنها مستقبل القضية الفلسطينية.

وتعيد هذه الموافقة طرح أسئلة حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يضطلع به المغرب داخل هذا الإطار، وحدود تأثيره الفعلي، فضلًا عن دلالات انخراطه في مبادرة تقودها الإدارة الأمريكية، في وقت لا تزال فيه ملامح “السلام” المقترح في قطاع غزة المدمر على الخصوص، غير واضحة، سواء على مستوى الآليات أو الضمانات السياسية.

وأُنشئ المجلس في البداية للإشراف على إعادة إعمار غزة، إلا أنّ ميثاقه لا يذكر القطاع الفلسطيني بشكل صريح، بل يكلّفه بهدف أوسع يتمثل في المساهمة في حل النزاعات المسلحة في مختلف أنحاء العالم.

وجاء في مقدمة هذا الميثاق، الذي أُرسل إلى الدول المدعوّة للمشاركة في المجلس، أنّ “مجلس السلام منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهدَّدة بها”.

ويرى خبراء في العلاقات الدولية أن هذه الموافقة تستند إلى الرصيد التاريخي للمغرب في قضايا السلام، وإلى أدواره المتراكمة في ملف القضية الفلسطينية، سواء من خلال رئاسة لجنة القدس، أو عبر مبادرات إنسانية وتنموية ميدانية، ما يجعل منه فاعلًا موثوقًا وقادرًا على المساهمة في جهود الوساطة وإعادة الإعمار.

في هذا الصدد، يعتبر إسماعيل حمودي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن أهمية المغرب في هذه المبادرة ترتبط بـ“حاجة الرئيس الأمريكي إلى فاعل موثوق قادر على المساهمة في تثبيت وقف إطلاق النار، وبناء ما يعتبره سلامًا دائمًا في غزة”.

ويشير حمودي إلى أن المغرب يمتلك رصيدًا تاريخيًا وخبرة طويلة في قضايا السلام، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس تمنح المغرب مكانة اعتبارية خاصة، وصوتًا مسموعًا على المستويين الإقليمي والدولي، فضلًا عن حضور ميداني فعلي عبر وكالة بيت مال القدس.

هذا الحضور، بحسب المتحدث ذاته، يتيح للمغرب فهمًا دقيقًا للأوضاع الإنسانية في غزة والضفة الغربية والقدس، ويعزز موقعه كطرف “مقبول من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي”، وهي نقطة قوة أساسية في أي مسار وساطة.

ويرى حمودي أن قبول المغرب بعضوية هذا المجلس يعني “عودة الرباط بفعالية أكبر إلى الملف الفلسطيني”، بعد فترة من التعاطي الحذر، فرضتها عوامل معقدة، من بينها الانقسام الفلسطيني الداخلي، وتصاعد التطرف الإسرائيلي، إضافة إلى الانقسام العربي–العربي.

ويضيف أن هذه العودة تتم اليوم ضمن إطار متعدد الأطراف، يضم دولًا فاعلة مثل مصر وقطر والإمارات، وتركيا، وهو ما يمنح المبادرة وزنًا سياسيًا أكبر.

وبخصوص طبيعة الدور المغربي داخل المجلس، يرجّح حمودي أن ينصب على تيسير أدوار الوساطات، وهو الدور التقليدي الذي راكم فيه المغرب تجربة مهمة، إلى جانب تعزيز الحضور الإنساني، خاصة في مجالات إعادة إعمار غزة، ودعم التعليم والصحة والبنية التحتية.

ويذكّر في هذا الصدد بأن المغرب كان حاضرًا سابقًا في القطاع عبر مشاريع حيوية، شملت المساهمة في إنشاء مطار غزة، وبناء مستشفيات، ومؤسسات جامعية، ما يؤهله اليوم للإسهام بفعالية في جهود إعادة الإعمار، اعتمادًا على خبرته في التنمية وإعادة البناء.

ومن جهته، يرى خالد الشيات، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، أن هذه المبادرة تحمل دلالات سياسية واضحة، أبرزها “الثقة الأمريكية في المسار التاريخي لمساهمة المغرب في قضايا السلام”، خاصة وأن الدعوة صدرت بشكل مباشر عن الرئيس الأمريكي.

ويشير الشيات إلى أن المغرب ظل حاضرًا في مختلف محطات القضية الفلسطينية منذ 1948، مرورًا بمشاركته العسكرية سنة 1973، وصولًا إلى احتضانه قممًا ومؤتمرات عربية وإسلامية أسفرت عن قرارات مفصلية، إضافة إلى دفاعه المستمر عن حل الدولتين في المحافل الدولية.

كما يربط الشيات هذه الخطوة بعمق العلاقات المغربية–الأمريكية، التي يصفها بـ“تحالف تاريخي حقيقي”، مدعومًا بشخصية الملك محمد السادس “التي تؤمن بعمليات السلام، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي”.

وأشار إلى أنه “حتى في الحالات المرتبطة بتدبير الأزمات داخل المغرب، كما حدث في معبر الكركارات، كان تدخل المغرب يتسم بالحكمة والرصانة”.

ويؤكد الشيات أن وجود المغرب داخل هذا المجلس “أفضل بكثير من غيابه”، خاصة في ظل تباين مواقف بعض الدول المشاركة، وتناقض الرؤى بشأن مستقبل الحل السياسي، في وقت تشهد فيه الساحة الإسرائيلية توجهات أكثر تشددًا “تسعى إلى تهويد الأرض والجغرافيا الفلسطينية”.

ويرى الأستاذ الجامعي أن المغرب، بما يحمله من قناعات تاريخية راسخة في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، “سيكون مناسبًا أيضًا للدفاع عن الحلول السلمية التي تنسجم مع هذه التوجهات”.

وفي ما يتعلق بالمكاسب المحتملة، يشدد الشيات على أن المغرب “لا ينخرط بحثًا عن مكاسب سياسية مباشرة”، خاصة وأن علاقاته مع واشنطن مستقرة، لا سيما بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء. غير أن انخراطه في هذا المجلس ينسجم، بحسبه، مع انتمائه الحضاري العربي والمتوسطي، ومع رهانه على استقرار المنطقة، وتحقيق سلام عادل ودائم للقضية الفلسطينية.

ويخلص المتحدث إلى أن الاستقرار السياسي من شأنه أن يفتح آفاقًا للتنمية الاقتصادية والانفتاح الحضاري والإنساني، بما يعود بالنفع على المنطقة ككل، ويعزز موقع المغرب كفاعل مسؤول في قضايا السلام الدولية.