حسن أحمديان.. “صوت” مصالح طهران في قلب معركتها الإعلامية
بينما كان متتبعو الحرب في الشرق الأوسط يترقبون ما ستؤول إليه الأوضاع في العالم، وفي المنطقة خصوصا، إثر التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تجاه إيران، والتي حدد مهلة لها في 48 ساعة (تنتهي في الساعة الثامنة مساءً يوم الثلاثاء 7 أبريل 2026 بالتوقيت الأمريكي)، كان حسن أحمديان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران، يقول بهدوء وتركيز وبعينين ثاقبتين، وسط عدد من المحللين: “إيران لا تعير أي اهتمام لترامب“.
ويرى المحلل الإيراني أن الولايات المتحدة الأمريكية تملك قدرات عسكرية قوية، لكنها لا تستطيع ثني طهران عن مجهودها الحربي، مشدداً على أن بلاده لن ترضخ للتهديدات الأمريكية، وأنه في حال نفذ ترامب تهديداته، سيتم الرد عليها وتدمير حلفاء أمريكا في المنطقة.
وبنفس الأسلوب والنهج، يظهر أحمديان في البرامج واللقاءات الإعلامية التي يشارك فيها؛ فرغم الانتقادات اللاذعة التي لاحقت تحليلاته في برنامج “نقاش الساعة“، ظلّ مركزا هادئا، مدافعا عن مصالح إيران، ومقدما إياها بلدا أعجز قوات أمريكا وحشر رئيسها في أزمة ومأزق استراتيجي، معتبرا أن الإيرانيين لا يُمكن إجبارهم على التراجع عن الحرب بالتهديدات، موردا بنبرة واثقة: “هم أيضا يهددون ويُنفذون التهديدات”.
إن ابتعاد تحليلات الرجل عن التضخيم وصخب الشعارات الرنانة، وهدوءه في البرنامج الإعلامية وصرامة تدخلاته، على الرغم من تصاعد المخاوف بشأن اندلاع حرب موسعة في المنطقة، جلّب إليه الأنظار؛ فمن هو حسن أحمديان؟
من طهران إلى هافارد..
بالبحث عن سيرة أحمديان، يظهر أن الرجل لم يأتِ إلى التحليل السياسي والاستراتيجي من فراغ؛ إذ أنه نتاج فريد بين الأصالة العلمية والخبرة الدولية.
بدأ حسن أحمديان رحلته البحثية العلمية في جامعة طهران، حيث تشبع برؤية الدولة الواقعية، لينطلق بعدها إلى آفاق عالمية جعلت منه زميلاً لأبحاث ما بعد الدكتوراه في مركز “بيلفر” بجامعة هارفارد، وشريكا في مشروع الشيعة والشؤون العالمية في مركز «ويذرهيد» للشؤون الدولية بجامعة هارفارد.
وتركز أعمال أحمديان البحثية والأكاديمية بشكل أساسي على السياسة والعلاقات الخارجية لإيران، والتنمية السياسية، والعلاقات المدنية العسكرية، والحركات الإسلامية في الشرق الأوسط.
إن هذه النشأة المزدوجة هي التي صقلت لغته وعلّمته الهدوء والصرامة؛ فهو يمتلك القدرة على تفكيك العقل الغربي بأدواته الأكاديمية، بينما يظل قلبه نابضا بهويته الوطنية التي ترفض الانكسار والاستسلام.
وانطلاقا من جذوره الفارسية وتمسكه بهويته الوطنية، ومعرفته الدقيقة ببنية النظام الإيراني وتوازناته الداخلية، ونظرا لكونه يتقن اللغتين الإنجليزية والعربية، وتعلّم كيف يُخاطب «العقل البرغماتي الغربي» و«الوجدان العربي» في آن واحد، فإنه صار أحمديان خلال هذه المرحلة المتوترة في الخليج صوتا إيرانيا نادرا، قادرا على الدفاع عن رواية طهران بلغة تتجاوز «البروباغندا» إلى لغة «المصالح والتوازنات الضرورية».
والمثير في سيرة أحمديان أن بداياته الأكاديمية كانت في الفلسفة؛ إذ درس هذه المادة بـ«جامعة تبريز» بين سنتي 2002 و2006، وفق ما تشير له بعض المصادر، وهذا التكوين الفلسفي يمنح تحليلاته السياسية والعسكرية عمقا منهجيا لا نجده لدى العديد من المحللين الآخرين؛ فالرجل لا يقرأ الأحداث فقط، بل يفكك بنية الصراع ومنطق أطرافه.
مترجم لغة صواريخ طهران..
مع بلوغ التهديدات ذروتها وتحدث ترامب عن «نهاية إيران»، لم يكتفِ أحمديان بالرد الدفاعي وتوظيف الخطاب الأخلاقي وتقديم أمريكا كدولة ترتكب «جرائم حرب في المنطقة»، بل جادل بهدوء أن التهديدات بالدمار لم تعد تخيف طهران، التي تعلّمت كيف تعيش وتنهض في ظل «الحصار الدائم».
ففي برنامج «نقاش الساعة»، تحدث أحمديان بهدوء عن وقوع ترامب، بشخصيته المأزومة، في مأزق استراتيجي، معللا ذلك بفشل الرئيس الأمريكي في تحقيق النتائج المرجوة من الحرب في الأسبوع الأول، وتوجهه الآن إلى «الحل السياسي» عبر التهديدات في محاولة لـ«فرض ما يريد بالسياسة بعدما عجز عن ذلك بالحرب».
وركز المحلل الإيراني على فكرة مفادها أن «طهران لن تستجيب لضغوط ترامب، وتقول له أوقف الحرب أولا»، معتبرا أن «واشنطن لا تستطيع التصعيد» في تنبيه منه إلى الرد الإيراني على أمريكا بالمثل عبر ضرب حلفائها.
كان حضور أحمديان في الإعلام طاغياً وهو يشرح للعالم كيف أن إيران حولت «التهديد الوجودي» إلى «فرصة استراتيجية»، مؤكداً أن أي محاولة لإنهاء وجود إيران تعني بالضرورة إنهاء استقرار سوق الطاقة العالمي وانهيار المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط برمتها.
وبهذا يكون أحمديان «مترجما» يفسر ويشرح لغة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية بأنها «دعوة خشنة للواقعية»، وليست مجرد رغبة في التدمير.
ما وراء الصواريخ في خطابه..
وفي قلب تحليلاته، يُحاول أحمديان تقديم تصور متماسك حول الكيفية التي تُدير بها إيران الصراع؛ حيث يركز على أن بلاده لا تبحث عن حرب موسعة، بل تنبّه خصومها إلى ما يمكن القيام به لردعهم، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تكون مكلفة للجميع.
ويلفت أن طهران تعتمد على ضربات محدودة ومدروسة وتتجنب التصعيد الذي يفلت من السيطرة. ووفق هذا التحليل يُستشف من أن إيران تراهن على الزمن، أكثر مما تراهن على الحسم السريع.
ولا يختزل أحمديان الصراع في الشرق الأوسط في بعده العسكري أو الأمني، بل يوسّع زاوية النظر لتشمل الجيوستراتيجي، خاصة ما يتصل بممرات الطاقة.
ففي تحليلاته، يحضر مضيق «هرمز» كأحد أهم أوراق الضغط التي تملكها إيران التي تعتمد عليها لإعادة تشكيل قواعد اللعبة، ويُشدد على أن طهران لا تمنع سوى سفن «الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها» بينما تسمح للباقي بالمرور، في تأكد منه على أهمية الورقة الاقتصادية.
إن هذا الربط بين العسكري والاقتصادي يعكس خلفيته الأكاديمية، وفهمه للعقلية البرغماتية الغربية، ويمنح تحليلاته عمقا إضافيا، يجعلها تتجاوز التعليق اللحظي إلى محاولة فهم البنية العامة للصراع.
أحمديان والعقلية الإيرانية..
إن ما يميّز أحمديان في نهاية المطاف هو أنه يقدّم قراءة عن إيران وكيفية تحركها وإدارتها للصراع، من منطلق التحليل السياسي والاسترتيجي، لكن لا يمكن أن نغفل «جنسيته أو هويته» التي يُمكن أن نفهم من خلالها العقلية الإيرانية.
فهو يجتهد ويحاول أن يُفسر ويشرح للعالم كيف ترى إيران نفسها، وكيف تقيّم خصومها، وكيف تبني استراتيجياتها على المدى الطويل، وهذه الزاوية تحديدا هي ما يجعله مهما في لحظة تتكاثر فيها القراءات المتناقضة حول الدور الإيراني في المنطقة.
فبين من يختزل إيران في مشروع أيديولوجي صرف، ومن يراها مجرد قوة توسعية، يحاول أحمديان تقديم صورة أكثر تعقيداً، يمكن تلخيصها في الآتي: إيران دولة تتقاطع فيها الأيديولوجيا مع البراغماتية، ويتداخل فيها الأمني بالسياسي، وتُدار فيها الأزمات بمنطق التدرّج والتراكم، وتنظر للعالم بعين المصالح.
وعليه، فإن أحمديان، الذي لم يكن طارئا على الإعلام؛ إذ أنه كاتب في منصة «ال مونيتور» الأمريكية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، وفي منصة «الشرق» للبحوث الاستراتيجية، كما أنه شارك كمتحدث في منتديات دولية كبرى مثل منتدى الدوحة ، والذي يتقن الفارسية والعربية والإنجليزية، يمكن أن يكون وسيطا فريداً بين الثقافات المختلفة، في زمن تتعدد فيه الروايات وتتصارع، وتختلط فيه الدعاية الإعلامية والخطاب الأيديولوجي والمصالح الواقعية.
*المحفوظ طالبي