story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
آداب |

جدل مقولة العروي.. هل المغرب جزيرة منعزلة أم مفترق حضارات؟

ص ص

برز اسم المفكر المغربي عبد الله العروي في واجهة النقاش العمومي، تزامناً مع أحداث كأس إفريقيا للأمم الأخيرة بالمغرب، عقب استحضار مقولته الشهيرة: “المغرب جزيرة ويجب أن نتصرف كسكان جزيرة”، وذلك في سياق مشحون بالانفعالات الرياضية، خصوصاً مع ما صاحب المباراة النهائية التي جمعت المغرب والسنغال من توترات، وما رافقها من احتفال بعض الجماهير العربية بهزيمة أسود الأطلس، الذين أضاعوا اللقب لصالح أسود التيرانغا.

وقد تحولت هذه العبارة، التي قيلت في إطار فكري وتحليلي محدد، إلى ما يشبه تفسيراً جاهزاً لكل توتر أو إحساس بالعزلة، سواء تعلق الأمر بالعلاقات داخل الفضاء الإفريقي أو العربي، أو بتدبير التنافس الرياضي القاري. وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤال السياق الذي وردت فيه المقولة، وحدود توظيفها خارج شروطها التاريخية والفكرية.

وفي هذا الإطار، يرى مؤرخون أن العروي لم يكن بصدد توصيف جغرافي حرفي، أو الدعوة إلى الانعزال، بقدر ما كان يلفت الانتباه إلى خصوصية الموقع المغربي، وما يفرضه هذا الموقع من خيارات تاريخية واستراتيجية. فالمغرب، بحكم امتداده بين البحرين والصحراء، ظل تاريخياً في وضعية “الطرف القصي”، كما وصفه المؤرخ والأستاذ الجامعي الطيب بياض، وهو ما أثر في إيقاع تشكله التاريخي والحضاري، دون أن يعني ذلك القطيعة أو الانغلاق.

غير أن استحضار المقولة خلال كأس إفريقيا لكرة القدم 2025 بالمغرب، في لحظة توتر رياضي وإعلامي، جعلها تُقرأ أحياناً بوصفها تبريراً للعزلة أو تعبيراً عن تعالٍ رمزي، وهو ما فتح باب السجال حول علاقة المغرب بعمقه الإفريقي، وحدود إسقاط المفاهيم الفكرية على وقائع ظرفية.

وواقع الحال أن المغرب “لم يكن جزيرة ولن يكون”، كما يقول المؤرخ واستاذ التعليم العالي امحمد جبرون، إذ إن “كل تاريخ المغرب هو تاريخ انفتاح واستيعاب وتواصل مع الشرق والغرب، ومع الشمال والجنوب”، مشيراً إلى أنه أمة لا تحتاج إلى انتصار رياضي لتثبت للعالم علوّها الحضاري، الذي “أثبته الأجداد بأثر خالد، لا تزال شواهده ظاهرة في قرطبة وغانا وفرغانة وبرقة”.

السياق التاريخي

في هذا الصدد، يرى المؤرخ الطيب بياض، أستاذ التاريخ المعاصر والراهن بجامعة محمد الخامس، أن مقولة “المغرب جزيرة” قد جرى تحميلها أكثر مما تحتمل، إذ نُزعت من سياقها الذي قيلت فيه بوصفها فكرة ضمن تحليل عام لتحولات كبرى كانت تعرفها المنطقة آنذاك. وأوضح بياض أن هذا المفهوم، الذي استحضره العروي، ليس مبتكراً، بل هو تكرار لما تداوله العرب قديماً، حيث كانت عبارة “جزيرة المغرب” تعبيراً عن الميل إلى الدوام الذي تختص به الجزر.

ويشير بياض، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إلى أن هذا التصريح، الذي ورد في حوار تلفزيوني وفي سياق تاريخي وفكري محدد، تحول إلى ما يشبه “نموذجاً تفسيرياً” جاهزاً لكل إحساس بالعزلة أو التطويق، أو حتى النقمة الجغرافية، مؤكداً أن العروي لم يكن بصدد إطلاق حكم جغرافي حرفي أو الدعوة إلى الانغلاق.

وفي هذا الإطار، يدعو بياض إلى طرح أسئلة مفتاحية لفهم المقولة خارج الانفعالات الظرفية: هل فكرة “المغرب جزيرة” جديدة في ذاتها؟ أم أنها مفهوم جرى تداوله تاريخياً في سياقات معينة؟ وكيف يمكن قراءتها في ضوء “تبيئة” المفاهيم الجغرافية باعتبارها أدوات شارحة لصناعة التاريخ؟

ويضيف أن العودة إلى كتاب المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان، الصادر قبل نحو قرن حول تاريخ شمال إفريقيا، تكشف أن مفهوم “جزيرة المغرب” لم يكن ابتكاراً حديثاً، بل تكراراً لما تداوله العرب قديماً. إذ يرى جوليان أن هذه العبارة لم تكن تُستعمل من باب الاستعارة فقط، بل تعبيراً عن ميل إلى الدوام، وهي خاصية تُنسب تاريخياً إلى الجزر، حيث إن “المدنيات المتتابعة التي طرأت من الخارج لم تكن بالنسبة إلى البربري إلا ثياباً متنوعة تستر جسداً وروحاً لا يتغيران”.

ومن هذا المنطلق، يطرح بياض سؤالاً مركزياً حول ما إذا كان وجود المغرب في “الطرف القصي” من مجاله الإقليمي، المحاط ببحرين من الشمال والغرب، والصحراء من الجنوب، يُعد نعمة أم نقمة في مسار تشكل شخصيته الحضارية.

ويستحضر في هذا السياق أعمال كبار المؤرخين، من جول ميشليه إلى لوسيان فيفر، مروراً بفريديريك جاكسون تورنير، الذين جعلوا من المجال والموقع الجغرافي مدخلاً رئيسياً لدراسة الإنسان في الزمن وفهم تطوره وتشكل هويته عبر العصور، “بعيداً عن خرافة العِرق وبؤس الانتقائية في التعاطي مع تراكمات الماضي”.

من الطرف القصي إلى مفترق طرق حضاري

وفي قراءة تحليلية لموقع المغرب ومقولة “الجزيرة”، التي “يجري تأويلها على مقاس الانفعالات الظرفية المتعاقبة”، يستشهد بياض بما كتبه المؤرخ إبراهيم بوطالب، الذي وصف الأرض المغربية بأنها “واقعة بين الصحراء والبحار، أقرب إلى الجزيرة منها إلى الأرض المتصلة بباقي المعمور”، وكأن هذه الأرض، يضيف بوطالب، “لا تتصل بغيرها سوى عن طريق الخلاء براً وبحراً”، وهو ما أسهم في تعميق تمسك أهلها بها، بقدر ما تشتد حاجة إطالة المقام بها لمن هاجر إليها.

وبعدها وانعزالها جعلا الأساطير اليونانية تصنف أرض المغرب ضمن جنات الفردوس ودار البقاء، ثم جاء العرب وجعلوها أقصى ما في الغرب. غير أن هذا “الانعزال” سرعان ما تكشف، تاريخياً، عن حقيقة مغايرة، حيث أضحى المغرب “مفترق طرق بين القارات والحضارات والملل والنحل، مدخولاً من كل ناحية، منفتحاً على كل النوافذ”.

ويرى بياض أن هذا التحول من طرف قصي إلى مفترق طرق متعدد الأبعاد كان له أثر بالغ في تشكل الشخصية الحضارية المغربية في الزمن الطويل، خاصة في علاقتها بالمدنيات الوافدة التي “كستها ثياباً حضارية متنوعة” دون أن تُفقدها صلابتها الداخلية.

ويبرز في هذا السياق أهمية الاستعانة بإسهامات المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل حول المتوسط، ونظرية الحدود لدى الأمريكي فريديريك جاكسون تورنير، باعتبارهما مفسرتين للتاريخ، لفهم درجة التأثير الحضاري في الأطراف والمناطق النائية.

تأثير المكان على الشخصية المغربية

ويخلص التحليل إلى أن قراءة الموقع الجغرافي للمغرب في علاقته بالتشكل الحضاري للشخصية المغربية، في مرآة التقاطع بين نظريتي بروديل وتورنير، تتيح فهماً عميقاً لثراء هذه الهوية وصلابة كينونتها.

فبلاد المغرب، وإن بدت في ملمحها الجغرافي أشبه بالجزيرة النائية، فإنها حضارياً “تشبه ذاتاً هادئة، مترسّبة الطبقات، تفتر على ضفافها مختلف الموجات القادمة من شتى الاتجاهات”. لأنها، وبحكم هذا الموقع، يوضح المؤرخ الطيب بياض، “لم تكن في يوم من الأيام مجرد محطة عبور أو مجرى مائي ضحل، بل كانت منتهى المسير، ومصبَّ نهر حضاري متعدد الروافد، وملاذاً وموطناً للوافدين من آفاق عديدة على مدى زمني مديد”.

وقد أتاح هذا الموقع تراكماً بطيئاً وعميقاً للترسبات الحضارية، شبيهاً بتشكل الصخور الطبقية عبر آلاف السنين، بما عزز بروز المحلي وتفاعله الخلاق مع الوافد، في ظل إشعاع خارجي أقل تأثيراً مقارنة بالمجالات المجاورة.

ويقول بياض: “فيما ظلت إشعاعات التأثيرات الوافدة أقل انبعاثاً مقارنة بالجوار، أُفسح المجال لبروز المحلي وتفاعله الخلاق مع الوافد، فيما ينتصب بحر الظلمات كحدّ جغرافي من جهة الغرب، يفرض ضرورة التفاوض مع واقع يُشكّل بوتقة انصهار بالقوة وبالفعل”.

كما يشير إلى أن التاريخ الطويل للمغرب يكشف عن قدرة متكررة على استخراج أقوى عناصر الذات في لحظات الأزمة، وهو ما أسهم في تشكل “هابيتوس” مغربي، بلغة بيير بورديو، حيث تبلورت شخصية هادئة تستمد ثقتها في ذاتها وقدراتها من ثقل رصيدها التاريخي والحضاري، بدل السقوط في ردود الفعل الانفعالية. وهو ما ينسجم مع ما سماه جمال حمدان “عبقرية المكان”، حيث تصبح الجغرافيا صانعة للتاريخ، لا ذريعة للعزلة أو الانكفاء.

ولذلك، يقول الطيب بياض، لا غرابة أن يظهر المغربي، عبر مسار تطوره التاريخي، “مسالماً ومهادناً ومضيافاً، محتضناً للوافد من مختلف الأرجاء”، لكنه في أزمنة الأزمة أو عند التطاول، “يعرف كيف يستلهم من هذا الرصيد العميق أجوبة فاعلة، بدل الاكتفاء بردود فعل انفعالية”، يضيف أستاذ التاريخ المعاصر والراهن بجامعة محمد الخامس، الطيب بياض.