تواتر حالات الانتحار بجهة الشرق.. وضع مقلق يطرح أسئلة حول الدعم النفسي
سجلت جهة الشرق سبع حالات انتحار على الأقل خلال الفترة الممتدة بين 26 فبراير و21 مارس الماضي، في وقائع متفرقة زمنيا وجغرافيا بعدد من أقاليم الجهة، ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول تنامي هذه الظاهرة في سياق يطغى عليه الغموض وغياب معطيات دقيقة حول خلفيات كل حالة.
وكانت آخر هذه الحوادث قد هزت مدينة وجدة، صباح السبت 21 مارس 2026، بعد العثور على رجل في الأربعينيات من عمره جثة معلقة بقنطرة “فيلاج الطوبة” بمنطقة “مدينة الألفية”، في ظروف لا تزال غير واضحة، حيث باشرت السلطات المحلية والمصالح الأمنية تحقيقا تحت إشراف النيابة العامة المختصة.
وقد توالت حالات مماثلة منذ 26 فبراير، شملت سيدة سبعينية بإقليم بركان، ومهاجرا من إفريقيا جنوب الصحراء بإقليم الناظور، إلى جانب رجل متزوج وأب لأربعة أطفال، وشاب يبلغ 27 سنة بإقليم جرسيف، فضلا عن رجل أربعيني يشتغل خياطا بإقليم الدريوش.
وفي نفس السياق ، سُجلت خلال شهر رمضان ست حالات مماثلة، كان آخرها يوم 18 مارس بمنطقة فرخانة بإقليم الناظور، حيث عُثر على شابة متزوجة تبلغ 36 سنة جثة هامدة داخل مسكنها، في واقعة خلفت صدمة وسط محيطها، في وقت باشرت فيه السلطات المختصة تحقيقات قضائية في مختلف هذه الحوادث.
وفي قراءة لهذه الوقائع، اعتبر الباحث في علم النفس الاجتماعي، فؤاد اليعقوبي، أن تسجيل عدد من الحالات في فترة زمنية قصيرة وداخل مجال جغرافي محدد “لا يمكن اعتباره مجرد تزامن عابر”، بل يندرج ضمن ما يُعرف في الأدبيات العلمية بـ“الظاهرة العنقودية”، حيث تتقاطع عوامل نفسية واجتماعية وسياقية لتنتج هذا التواتر.
وأوضح اليعقوبي، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن مفهوم “تأثير العدوى” يشكل أحد المفاتيح التفسيرية المركزية، مبرزا أن التداول المكثف لأخبار هذه الحالات، خاصة في بيئات تعاني أصلا من هشاشة نفسية أو اجتماعية، قد يحول هذا السلوك من فعل فردي معزول إلى نموذج قابل للاستحضار لدى فئات تعيش قابلية نفسية مسبقة، دون أن يعني ذلك تعميم التأثير.
وحذر المتحدث من أن التناول الإعلامي غير المؤطر قد يساهم، دون قصد، في تطبيع هذا الفعل أو تقديمه بشكل مبسط، ما يزيد من قابلية التأثر لدى بعض الفئات الهشة.
وفي مقابل ذلك، شدد على أن الظاهرة لا يمكن اختزالها في هذا العامل وحده، مبرزا حضور البعد النفسي الفردي من خلال حالات اكتئاب غير مشخصة، وإحساس بالعزلة وفقدان المعنى، إلى جانب ضعف القدرة على التكيف مع الضغوط، خاصة في غياب المواكبة والدعم.
كما أكد أن السياق الاجتماعي يظل عاملا حاسما، من خلال ما تفرزه الهشاشة الاقتصادية من بطالة وانعدام للاستقرار، وما يرافقها من شعور بفقدان الأفق، إلى جانب الإحساس بالإقصاء أو التهميش، فضلا عن التحولات القيمية المتسارعة التي قد تخلق نوعا من الارتباك الهوياتي لدى بعض الأفراد.
وأضاف أن بعض الأزمات الظرفية، مثل فقدان العمل أو الفشل الدراسي أو الانفصال العاطفي، قد تشكل في كثير من الأحيان “الشرارة الأخيرة”، خاصة حين تتزامن مع غياب الدعم النفسي والاجتماعي.
وسجل اليعقوبي أن ما تكشفه هذه الحالات لا يتعلق فقط بمعاناة فردية، بل يعكس اختلالات بنيوية في منظومة الدعم النفسي، من بينها ضعف الولوج إلى خدمات الصحة النفسية، واستمرار الوصم المرتبط بالاضطرابات النفسية، ما يحد من إمكانيات التدخل المبكر.
كما لفت إلى غياب التربية النفسية داخل المؤسسات التعليمية، وهو ما يجعل العديد من الأفراد يفتقرون إلى المهارات الأساسية في التعامل مع الأزمات والضغوط.
وخلص إلى أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة وقائية شمولية، تدمج البعد النفسي ضمن السياسات العمومية، وتعزز خدمات القرب والمواكبة، مع إشراك الأسرة والمدرسة والإعلام في نشر ثقافة نفسية قائمة على الوعي والوقاية.
ويعيد هذا التواتر المقلق لحالات الانتخار، تسليط الضوء على الحاجة إلى تعبئة مختلف المتدخلين، من مؤسسات رسمية وهيئات مدنية، لمعالجة هذه الإشكالية في أبعادها المتعددة، والحد من تكرار مثل هذه المآسي.