story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

تقرير غوتيريش 2026: من إدارة الجمود إلى هندسة “الحل الانتقالي” في الصحراء

ص ص

يقدم التقرير السنوي الجديد للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش (S/2026/781)، الصادر في أكتوبر 2026، قراءة مغايرة ومحطة مفصلية في تاريخ نزاع الصحراء. التقرير يتجاوز لغة الدبلوماسية التقليدية وإدارة الركود، لينتقل بشكل علني نحو مرحلة مناقشة التفاصيل والترتيبات العملية للحل السياسي.

1. الانتقال من “إدارة الجمود” إلى “هندسة الحل الانتقالي”

تكمن الأهمية الاستراتيجية الكبرى لتقرير 2026 في كشفه الرسمي والعلني عن كواليس المفاوضات المباشرة التي جرت في الربع الأول من عام 2026 برعاية أممية-أمريكية مشتركة ومشاركة الأطراف الأربعة (المغرب، جبهة البوليساريو، الجزائر، وموريتانيا).

– تأسيس “مجلس انتقالي”: لأول مرة، يوثق التقرير مناقشة فكرة إحداث “مجلس انتقالي” يتولى قيادة مرحلة انتقالية محتملة. هذا المؤشر يعكس تحولاً جذرياً في التعاطي الأممي؛ حيث لم يعد النقاش مقتصراً على المبادئ العامة، بل انتقل إلى آليات تدبير واقع ما بعد الاتفاق الإطاري.

– أجندة تفصيلية: المحادثات لم تعد تدور حول “شرعية” المقترحات، بل امتدت لتشمل قضايا معقدة مثل: تقاسم الموارد، الترتيبات الأمنية، نزع السلاح، والنظام الانتخابي للمرحلة القادمة.

2. تكريس “الحكم الذاتي” كأرضية وحيدة للعملية السياسية

يبني التقرير مقارباته انطلاقا من المكتسبات التي كرسها قرار مجلس الأمن رقم 2797.

– يؤكد غوتيريش أن المباحثات المباشرة اتخذت من مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمحادثات.

– التقرير يبرز تقديم المغرب لـ “نسخة موسعة ومفصلة” من مبادرته خلال جولة واشنطن الإستكشافية، مع إبداء الرباط مرونة للعمل التوافقي المشترك لصياغة الترتيبات النهائية، مما يعزز موقع المقترح المغربي كخيار وحيد ذي مصداقية وقابل للتطبيق على الطاولة الدولية.

3. معضلة “تقرير المصير” وبناء الثقة

رغم المؤشرات الإيجابية المتمثلة في عودة الأطراف للجلوس المباشر لأول مرة منذ سبع سنوات، يظهر التقرير التحديات البنيوية التي لا تزال تعيق التسوية النهائية:
التمسك بالمواقف التقليدية:

– يشير التقرير إلى تقديم البوليساريو لمقترحاتها المبنية على رؤيتها الكلاسيكية (المطالبة بتقرير المصير المؤدي للانفصال).

– شرط القبول الطوعي: شدد غوتيريش على أن أي حل يجب أن يمر عبر “عملية تشاور هادفة تؤمن حرية الاختيار الطوعي” لضمان ديمومته. هذا الميزان يعكس رغبة الأمم المتحدة في صياغة مخرج قانوني يدمج مفهوم “تقرير المصير” كآلية للاستفتاء على “الحكم الذاتي المتوافق عليه”، بدلا من الاستفتاء التقليدي الذي تجاوزه مجلس الأمن عمليا.

4. قراءة في التحولات الدبلوماسية الإقليمية والدولية

يسجل التقرير بوضوح الاختراق الدبلوماسي الذي حققه المغرب إقليمياً ودولياً، وهو ما يفسر تحول النبرة الأممية:

– تغير المواقف الأوروبية واللاتينية: استشهد الأمين العام بالتحول الجوهري في مواقف دول مثل السويد وسويسرا التي باتت ترى في الحكم الذاتي أساساً موثوقاً، فضلاً عن خطوة دول كمالي وهندوراس وبنما بتعليق أو سحب اعترافها بالبوليساريو.

– الغطاء الأمريكي الثقيل: الرعاية المشتركة لواشنطن إلى جانب المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا في جولات المفاوضات تؤكد أن الإدارة الأمريكية تضغط بقوة لإنهاء هذا الملف الإقليمي ضمن رؤيتها للهندسة الأمنية في شمال إفريقيا والمنطقة المتوسطية.

5. دور قوات “المينورسو” والوضع الميداني

– آلية خفض التصعيد: بالرغم من إشارة التقرير إلى استمرار التوترات والأعمال العسكرية منخفضة الحدة، إلا أنه يثمن دور بعثة “المينورسو” كصمام أمان لمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة.

– التوصية بالتمديد: جاءت توصية غوتيريش بتمديد مهام البعثة لسنة إضافية (حتى أكتوبر 2027) كخطوة إجرائية حتمية لتأمين الغطاء الأمني اللازم لإعطاء المبعوث الشخصي فرصة أطول لإنضاج “الاتفاق الإطاري” الجاري التفاوض عليه.

تقرير غوتيريش لعام 2026 يمثل نهاية مرحلة “الستاتيكو” (الجمود القائم) وبداية الهندسة الفعلية للحل السياسي. الملف دخل “مرحلة الشياطين الكامنة في التفاصيل” (تقاسم الموارد، الأمن، هيكلة المجلس الانتقالي). وبينما يسير الزخم الدولي بوضوح لصالح تبني الطرح المغربي، يبقى التحدي الأكبر هو مدى قدرة الضغوط الدولية (الأمريكية والأممية) على دفع البوليساريو والجزائر للانتقال من التمسك بالشعارات الكلاسيكية إلى الانخراط في التفاوض على بنود السيادة الذاتية والمرحلة الانتقالية.