story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

تسقيف الشعبوية

ص ص

في السياسة، من حق المعارضة أن تحرج الأغلبية. بل إن ذلك من صميم وظيفتها. ومن حقها أن تقدم مقترحات تعرف، في قرارة نفسها، أنها قد لا تجد طريقها إلى التطبيق. فالبرلمان ليس مجرّد آلة لإنتاج النصوص القابلة للتنفيذ، بل هو أيضا فضاء لصناعة الضغط، وترجمة الغضب الاجتماعي، وإجبار الحكومة والأغلبية على الوقوف أمام مرآة اختياراتهما.
بالتالي، كان من المشروع أن تتقدم المعارضة بمقترح حول أسعار المحروقات. هذا فعل سياسي مفهوم، بل ومطلوبا، لأنه يضع الملف على الطاولة، ويجعل الذين يقررون في موقف دفاعي، ويذكرهم بأن تحرير الأسعار لا يعني ترك المواطن وحيدا أمام السوق.
المعارضة قامت بدورها بهذا الخصوص، ضغطت، وأحرجت، ورفعت سقف السؤال. لكن جزءا من النقاش العمومي ذهب أبعد من اللازم، حين قدم الأمر للمغاربة كما لو أن خفض أسعار الغازوال والبنزين كان يحتاج فقط إلى تصويت في جلسة عامة، وأن الذين لم يصوتوا مع المقترح هم ضد المغاربة.
هذه ليست قراءة سياسية حادة، بل اختزال مخل. وفي لحظات معينة، يصبح الاختزال تضليلا.
المحروقات ليست مادة عادية، والمسألة ليست في أن الدولة لا تملك أدوات التدخل، بل تملك أدوات كثيرة، لكنها ليست سحرية كما يصوّرها البعض مع واقعة التصويت البرلماني الأخير.
هناك فرق كبير بين تسقيف سعر البيع للعموم، وتسقيف هوامش الربح، ومراقبة الممارسات المنافية للمنافسة، وتخفيض بعض الرسوم، ودعم فئات مهنية أو اجتماعية متضررة، وإعادة تشغيل آلية دعم شامل من نوع المقاصة.
كل اختيار من هذه الاختيارات له كلفة، وله شروط، وله رابحون وخاسرون، وله أثر على الميزانية والسوق والاستثمار والإمدادات.
في الجلبة الأخيرة، جرى اختزال كل شيء في كلمة واحدة هي “التسقيف”، كأنها وصفة من وصفات الجدّات البسيطة والمضمونة. والحال أن تسقيف الأسعار (وهذا ما يتحدّث عنه المقترح وليس تسقيف الأرباح كما يزعم البعض) إذا كان أقل من الكلفة الحقيقية للاستيراد والتوزيع، يطرح سؤال من سيدفع الفرق؟ فالشركات لن تبيع بخسارة.
وإذا كانت الدولة هي التي ستدفع، فنحن نعود، بأسماء أخرى، إلى منطق الدعم الشامل. وإذا لم تدفع الدولة، فإن السوق قد يرد بتقليص العرض، أو باضطراب التزويد، أو بنقل الكلفة إلى مكان آخر.
ينبغي التمييز بين الدفاع عن المواطن والدخول في مزايدات ترقص على آلامه. المواطن المتضرر من أسعار المحروقات لا يحتاج إلى من يصفق للحكومة، لكنه لا يحتاج أيضا إلى من يقنعه بأن خلاصه كان قريبا جدا، وأن يدا سياسية “شريرة” سرقته منه في جلسة تصويت، سواء كانت يد الأحرار أو البام أو الاستقلال أو حتى الاتحاد الاشتراكي.
هؤلاء كلّهم مسؤولون بشكل أو بآخر عن مشاكل المغاربة، لكن ليس بهذه الطريقة الرديئة في صناعة الأمل سنحاسبهم.
لقد اختار المغرب، منذ تحرير أسعار المحروقات، أن ينتقل من منطق السعر المدعوم إلى منطق السوق. يمكن نقد هذا الاختيار، ويمكن القول إنه اتخذ دون ضمانات كافية لحماية المستهلك، ويمكن تحميل من اتخذه مسؤوليته السياسية… لكن لا يمكن، بعد سنوات من هذا التحول، أن نتصرف كما لو أن العودة الجزئية إلى السعر المقنّن لا تطرح أي إشكال.
الاختيارات الاقتصادية لا يتم تشغيلها وإطفاؤها كأزرار كهربائية. عندما تكون في اقتصاد سوق، فالتدخل المباشر في السعر ليس مستحيلا، لكنه استثناء مشروط ومقيّد، ويحتاج إلى مسطرة دقيقة وتقدير للأثر، وليس إلى مجرد لحظة غضب في قاعة تشريعية.
ثم إن الدستور نفسه لا يسمح بتحويل كل مطلب اجتماعي إلى قانون بمجرد قوة التعاطف معه. هناك مجال للقانون، وهناك مجال تنظيمي، وهناك اختصاصات للحكومة، وهناك قواعد تتعلق بالتوازن المالي، وهناك إمكانية للدفع بعدم قبول المقترحات التي تخرج عن المجال التشريعي أو تخلق تكاليف عمومية غير مضمونة التمويل.
لست ضد أن ترفع المعارضة السقف. بل أعتقد أن من واجبها أن تفعل. والمقترح الذي قدمته، حتى إن كانت تعرف مسبقا أنه سيصطدم بجدار قانوني أو سياسي أو مالي، أدى وظيفة من وظائف المعارضة، هي جعل ملف المحروقات يعود إلى الواجهة، وذكّر الحكومة بأن تحرير الأسعار لا يساوي تحرير المسؤولية، وأعاد طرح سؤال العدالة في سوق تمس كل المغاربة.
لكن هناك فرق بين الإحراج السياسي المشروع الذي قامت به المعارضة، وبيع الوهم الذي اقترفه البعض باسم التحليل والتعليق.
المعركة ليست بين من يحب الشعب ومن يكره الشعب. هذه لغة رديئة ومضللة ومزيّفة للوعي. المعركة الحقيقية بين من يطالب الدولة بأن تتدخل بأدواتها الصحيحة، ومن يكتفي برفع لافتة “التسقيف” دون أن يشرح خلفياتها.
نعم، ينبغي أن نضغط من أجل أسعار أقل. لكن ينبغي أيضا أن نعيد فتح النقاش حول الضرائب، والمخزون الاستراتيجي، والتكرير، ومصير “سامير”، ودور مجلس المنافسة، وشفافية المعطيات… لا ينبغي أن نقنع الناس بأن كل ذلك كان سيحل بتصويت سريع على مقترح لا يمكن عزله عن الدستور والقانون والميزانية والسوق.
الخطير في الشعبوية أنها لا تكذب دائما. أحيانا تبدأ من حقيقة لكنها تقفز بها فوق كل التعقيدات، لتصل إلى نتيجة سهلة: كان الحل هنا، ومن لم يصوت عليه خانكم. هكذا تتحول الحقيقة إلى تضليل.
لذلك أقول: قبل أن نسقف أسعار المحروقات، ينبغي أن نسقف الشعبوية. ليس بمعنى منع الغضب، فهو مشروع. ولا بمعنى حماية الأغلبية من النقد، فهي تستحق الجلد والمساءلة. بل بمعنى وضع حد للاستخفاف بعقول الناس.
لقد أحسنت المعارضة حين جعلت الملف محرجا. لكن الأغلبية أيضا قد تكون محقة في رفض أداة غير قابلة للتطبيق، دون أن تملك حق الاختباء وراء التعقيد إلى الأبد. المطلوب من الطرفين، ومن الإعلام و”المحلّلين” والمعلّقين قبل الجميع، أن يرتقي النقاش: لا تصفيق للحكومة، ولا شيك على بياض للشركات، ولا تحويل البرلمان إلى محكمة شعبية بلا وقائع.
في النهاية، القضية ليست أن نكون مع التسقيف أو ضده جملةً. القضية أن نكون مع سياسة مسؤولة ضد وهم سهل. ومع حماية المواطن ضد استغلال ألمه. ومع نقد السلطة دون أن نسقط في تبسيط السلطة نفسها. ومع معارضة قوية تضغط وتحرج، لكن ضمن نقاش عام لا يخلط بين الشعار والإجراء.
أحيانا لا يكفي أن نرفع السقف، بل يجب أن نمنع السقف نفسه من أن يسقط على عقول الناس.