story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

ترامب يُسقط الأقنعة

ص ص

قبل أن يجفّ “حبر” مقالي ليوم أمس حول “ولادة العالم الجديد”، نشر الموقع الرسمي للبيت الأبيض نص أمر تنفيذي صادر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يأمر فيه مختلف الوكالات الأمريكية بالانسحاب من قائمة طويلة من المؤسسات الدولية متعددة الأطراف، يبلغ مجموعها 66 منظمة.

هذا دليل آخر على أن التحولات لا تُعلن عن نفسها بصوت مرتفع دائما، فبعضُها يأتي في هيئة ورقة بيروقراطية باردة. لكن ما كُتب في هذه الورقة هو بالضبط ما يشرح لماذا نشعر، نحن الذين نلاحق السياسة الدولية مثل من يلاحق خيط دخان (بتعبير قارئة الفنجان)، أن الأرض تُسحب من تحت “النظام” الذي اعتدناه منذ نهاية الحرب الباردة.

المذكرة الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمؤرخة في 7 يناير 2026، لا تتحدث عن حرب ولا عن قنابل، بل عن انسحاب أمريكي “فوري” من طيف واسع من المنظمات الدولية، أممية وغير أممية، بحجة أنها تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة، مع توجيه الإدارات الأمريكية إلى وقف المشاركة أو التمويل “بالقدر الذي يسمح به القانون”… وليتنا نعرف أي قانون يقصد بالضبط.

هل الوثيقة “جديدة”؟ نعم. بمعنى أنها ليست تكرارا حرفيا لحركة عابرة أو قرار تقني محدود. فهي تشمل الانسحاب من عشرات الكيانات دفعة واحدة، بينها أذرع أممية ومنصات مرتبطة بالمناخ والحكامة وحقوق الإنسان والهجرة والتنمية.

والجِدّة الأعمق ليست في عدد المنظمات فقط، بل في المعنى السياسي الذي يتسلل من بين سطورها. إذا كانت الولايات المتحدة هي الراعي الأثقل للنظام الدولي متعدد الأطراف، فإن إضعاف هذا النظام من الداخل لا يحتاج إلى إعلان “موت” رسمي؛ يكفي أن تتوقف اليد التي كانت تموّله وتمنحه وزنا عن الحضور… حتى يتحول إلى هيكل أجوف.

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، رَوّج الغرب، وأمريكا في القلب منه، لفكرة النظام الدولي القائم على “القواعد”. وكانت القيادة تُقاس بقدرتك على جعل الآخرين يقبلون قواعدك بوصفها اختيارا جماعيا، لا بوصفها عصا فوق رؤوسهم.

وفي هذا المنطق بالذات كانت أمريكا أقوى من جيشها: لأنها كانت تملك لغة تُقنع، ومؤسسات تُشرعن، وشبكة تحالفات تجعل المصلحة تُقدَّم على أنها مبدأ.

أما الآن، فالمذكرة الجديدة تبدو كأنها تقول: كفى من لغة “القواعد”. نحن في زمن آخر؛ زمن الصفقات والضغط المباشر، لا زمن اللجان الدائمة والبيانات الختامية.

زمن تُصاغ فيه الخرائط في غرف التفاوض الثنائية لا في قاعات المنظمات متعددة الأطراف. وهذا ليس استنتاجا شعريا؛ بل منطقٌ ينسجم مع توصيفات كثيرة لعودة النزعة النفعية السافرة في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تُقاس العلاقات بما تقدمه فورا، لا بما تبنيه على المدى الطويل.

هنا تتضح الفكرة التي تهمّنا: النظام العالمي الذي وُلد بعد الحرب الباردة كان، في جوهره، محاولة لإدارة الهيمنة الأمريكية عبر مؤسسات تُخفف كلفة الهيمنة، وتحوّلها إلى قيادة مقبولة. أما عندما تختار أمريكا أن تنسحب من منصات إنتاج القواعد، فهي لا تكتفي بتغيير بند في الميزانية؛ بل تُخبرنا أن الكلفة لم تعد تُحتمل، وأن الحيلة القديمة لم تعد مغرية: لماذا أدفع ثمن الحفاظ على مسرح يجبرني على التفسير، بينما يمكنني أن أفرض الشرط ثم أتفاوض على الثمن؟

من زاوية القراءة الاستراتيجية الأوسع، تلتقي هذه الحركة مع مخاض أكبر، هو صعود الصين كقوة لا تحتاج إلى أن تحبّها كي تحسب لها. وعودة الجغرافيا السياسية لتلتهم القانون الدولي مثلما تلتهم النار ورقا جافا، وتحوّل سلاسل الإمداد إلى ساحة صراع، والتكنولوجيا إلى سلاح سيادي، والممرات البحرية إلى عقد نفوذ.

في مثل هذا العالم، يصبح النظام عبر “القواعد” عبئا على من يريد سرعة المناورة، لأنه يُلزمه بالتزامات طويلة الأجل ويضعه تحت مجهر شركائه وخصومه معا.

ثم هناك أوروبا وروسيا، وهما في هذه المرحلة يبدوان، كلٌ بطريقته، ضحيتين لزمن التوازن الجديد. أوروبا وجدت نفسها في حرب أوكرانيا تدفع أثمان الطاقة والتسليح والاصطفاف، وتكتشف أن الاعتماد الاستراتيجي ليس شعارا يُكتب في الوثائق، بل قدرة تُبنى في المصانع والموانئ والميزانيات. وروسيا دخلت حربا طويلة استنزفت سمعتها الاقتصادية وحركتها المالية وربطت مستقبلها أكثر بمسارات آسيا.

في خضم هذا كله، تبدو واشنطن وكأنها تقول للجميع: لن أنتظر حتى تتوافقوا داخل المؤسسات؛ سأرسم المسار بمنطق القدرة، ثم أفتح نافذة لمن يريد أن يلحق بي.

هل يعني هذا أن الوثيقة الجديدة “تفكك” النظام الدولي القائم؟ لا، ليس وحدها. فالنظام الدولي لا يسقط بورقة واحدة، بل بتراكم قرارات تُضعف الأعمدة التي كان يستند إليها، مثل التمويل، والشرعية، والقدرة على الإلزام.

لكن هذه الورقة، بوزن صاحبها وباتساع ما تتضمنه، تبدو كإشارة مرور ضخمة مفادها: الضوء تغيّر. ومن يواصل السير بذهنية التسعينيات سيصطدم بواقع جديد لا يعتذر كثيرا.

وما يفعله ترامب اليوم ليس مجرد توقيع على ورقة بيروقراطية، بل توقيعٌ على نهاية وهم طويل: وهمُ أن العالم يُدار بالقواعد حين تتعارض القواعد مع مصلحة الأقوى.

ترامب بدأ يسقط الأقنعة، لأن ما كان يُقال همسا في غرف القرار صار يُقال جهرا على الورق. التحالفات ليست قيما، والمؤسسات ليست مرجعا، والشرعية ليست إلا تفصيلا عندما تصبح القوة هي اللغة الوحيدة المفهومة.

الوثيقة الجديدة تعني أن قيادة العالم عبر “النظام” تتراجع أمام قيادة العالم عبر “الصفقات”. وأن الغرب الذي كان يقدّم نفسه حارسا للقانون الدولي يختار اليوم أن ينسحب من ساحاته ويتركها خاوية… ثم يطالب الآخرين بالالتزام بها.

الخطوة تعني، أخيرا، أن عصر ما بعد الحرب الباردة يطوي صفحته الأخيرة، ليس ببيان تاريخي ولا بانهيار جدار، بل بتفكيك بارد لمؤسسات كانت تُستخدم لتجميل ميزان غير عادل.

حين تسقط الأقنعة، لا يكون السؤال: من على حق؟ بل: من يملك القوة؟

وهذا بالضبط هو العالم الجديد.. وهو يولد..

مبروك الزيادة!