بين معطيات حقوقية وتأكيدات رسمية.. كيف تحولت أزمة سبتة إلى مأساة إنسانية؟
مع تواصل تداعيات موجة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة وما رافقها من سقوط عشرات الضحايا، عاد النقاش حول طريقة تدبير السلطات المغربية والإسبانية لهذه الأزمة إلى الواجهة، في ظل اتهامات حقوقية للطرفين باللجوء إلى مقاربة أمنية على حساب حماية الحق في الحياة وضمان الكرامة الإنسانية.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت تتواصل فيه عمليات البحث عن المفقودين وانتشال الجثامين، فيما تتضارب التقديرات بشأن العدد النهائي للضحايا، وسط تحذيرات منظمات حقوقية من أن ما حدث على حدود سبتة ومليلية المحتلتين لا يمكن اختزاله في واقعة أمنية عابرة، بل يعكس أزمة إنسانية تتداخل فيها مسؤوليات تدبير الحدود مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت آلاف الشباب إلى المجازفة بحياته.
“اختلالات خطيرة”
وفي هذا الصدد، اعتبر عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان ورئيس فرعها بتطوان، أشرف ميمون، أن ما جرى على حدود مدينة سبتة المحتلة يكشف عن “اختلالات خطيرة في تدبير الأزمة منذ بدايتها”، داعياً إلى فتح تحقيق لتحديد المسؤوليات في الوفيات والإصابات التي شهدتها المنطقة.
وقال ميمون، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن بداية الأزمة اتسمت، بحسب قراءته، بـ”نوع من التهاون وتخفيف الحراسة الحدودية”، معتبراً أن هذا التخفيف أدى إلى تدفق آلاف المهاجرين الذين تمكنوا من العبور، سواء عبر معبر “تراخال” البري أو سباحة عبر البحر.
وأضاف أن الساعات الأولى سرعان ما تحولت إلى “مأساة إنسانية كبرى”، خاصة في المجال البحري، حيث أدى تكدس أعداد كبيرة من الأشخاص في مساحة ضيقة إلى غرق العديد منهم، مقدرا أن العدد “أكثر من مائة حالة وفاة”، علما أن وزارة الداخلية المغربية، أكدت في بلاغ لها أن هذا الرقم لايتجاوز أحد عشرة حالة (عشرة حالات غرق ووفاة عرضية واحدة)، واعتبر ميمون أن هذا الرقم يظل مرشحاً للارتفاع مع استمرار العثور على جثامين جديدة.
تضارب في الأرقام
وتأتي هذه التطورات بعد أكبر موجة عبور جماعي شهدها الثغر المحتل منذ أزمة ماي 2021، إذ عبر أكثر من 50 ألف شخص نحو المدينة خلال أقل من 24 ساعة، وفق تقديرات وزارة الداخلية الإسبانية، علما أن وزارة الداخلية المغربية تحدثث عن 41135 حالة عبور (40 ألف بمدينة سبتة و1135 بمدينة مليلية)، قبل أن يعود عشرات الآلاف منهم طوعاً إلى المغرب خلال الساعات اللاحقة، بعدما اصطدموا بواقع مختلف عما كانوا يتوقعونه داخل المدينة.
يقول ميمون إن الوضع تطور لاحقاً إلى مواجهات عنيفة، خصوصاً على الجانب المغربي بعد وصول تعزيزات أمنية، لافتاً إلى أن تلك الأحداث “شهدت أعمال شغب شملت إحراق عدد من السيارات والحافلات، إلى جانب تسجيل إصابات متفاوتة الخطورة في صفوف عناصر الأمن والمهاجرين”، فضلاً عن “حالة من الفوضى والضغط الكبير الذي عرفته مدينة الفنيدق والمعبر الحدودي”.
ومن جهتها شهدت مدينة بني أنصار، المؤدية إلى معبر مليلية المحتلة، بدورها توتراً أمنياً، بعدما حاولت مجموعات من الشباب الوصول إلى السياج الحدودي، قبل أن تتدخل القوات العمومية لتفريقهم، في وقت أوقفت السلطات المغربية عدداً من الرحلات المتجهة نحو مدن الشمال، في محاولة للحد من تدفق الوافدين إلى المناطق الحدودية.
عنف مفرط
وعلى الجانب الإسباني، قال ميمون إن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان رصدت ما وصفه بـ”تعامل غير إنساني وغير حقوقي” مع المهاجرين الذين تمكنوا من دخول مدينة سبتة المحتلة، متهماً الحرس المدني والجيش الإسباني باتباع ممارسات تضمنت “الحرمان من الماء والغذاء، وغياب الرعاية الطبية والنفسية، إلى جانب تعرض بعض المهاجرين للضرب والجرح، فضلاً عن حملات عنصرية استهدفتهم داخل المدينة”.
كما انتقد الفاعل الحقوقي طريقة إعادة المهاجرين إلى المغرب، معتبراً أنها “تمت بشكل عشوائي وغير قانوني”، موضحاً أن عمليات الإرجاع “جرت عبر معابر غير رسمية ودون تسجيل رسمي لخروجهم من سبتة”، مضيفاً أن العائدين “لم يستفيدوا، بعد وصولهم إلى الجانب المغربي، من أي استقبال أو رعاية صحية، رغم وجود عدد منهم في أوضاع مزرية نتيجة الجوع والعطش والإرهاق”.
وكانت وسائل إعلام قد نقلت شهادات لمهاجرين مغاربة قالوا إنهم قرروا العودة إلى المغرب بعد ساعات فقط من دخول سبتة، بسبب الإرهاق والعطش والاكتظاظ، وعدم توفر أبسط مقومات العيش، فيما تحدث آخرون عن تعرضهم لمعاملة عنصرية، مؤكدين أن واقع المدينة كان مختلفاً تماماً عن الصورة التي رسموها قبل العبور.
وأدان المسؤول الحقوقي ما اعتبره “العنف المفرط” الذي تعرض له المهاجرون، مستحضراً مشاهد تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي، من بينها اعتداء عنصر أمني على أحد المهاجرين بحجر كبير، معتبراً أن مثل هذه الوقائع تستوجب تحقيقاً مستقلاً.
ومن جانب آخر، شدد ميمون على أن تدبير الحدود “لا ينبغي أن يقوم فقط على المقاربة الأمنية”، بل يجب أن يجعل من احترام حقوق الإنسان وحماية الأرواح أولوية، داعياً إلى فتح تحقيق عاجل في جميع أحداث العنف التي رافقت أزمة العبور، وتحديد المسؤوليات بشأن الوفيات والإصابات.
“ليسوا مجرد أرقام”
وكانت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان قد أصدرت بلاغاً اعتبرت فيه أن موجة العبور الأخيرة كشفت عن “مأساة إنسانية” أودت، وفق المعطيات المتداولة التي أوردتها، بحياة ما يقارب 130 شخصاً، مع تسجيل عشرات المفقودين والجرحى، داعية إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات ما جرى، وإلى معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم في البحر.
وفي السياق، أعلن فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتطوان، الأحد, أنه تم التعرف على هوية عدد من الأشخاص الذين لقوا حتفهم خلال محاولات العبور، داعياً إلى المساعدة في الوصول إلى أسرهم.
وأوضح الفرع أن الجثامين توجد بقسم الأموات بحي طابولة بمدينة تطوان، ونشر أسماء خمسة ضحايا قال إنه تم التعرف عليهم، وهم: عثمان (مواليد 1983) من مدينة المضيق – منطقة فم العليق، ومحسن (مواليد 1993) من حي الهناء بمدينة طنجة، وأيوب (مواليد 1995) من دوار أمرهان بإقليم خنيفرة، ومحمد رضا (مواليد 2006) من حي بلاد الصرصري بمدينة القصر الكبير، وياسين (مواليد 2009) من حي الرحمة بمدينة الدار البيضاء.
وختم أشرف ميمون، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتطوان، بالتأكيد على أن الضحايا “ليسوا مجرد أرقام”، بل أشخاص لهم أسر وحياة، وهو ما يفرض محاسبة كل من يثبت تورطه في الانتهاكات، سواء على الجانب المغربي أو الإسباني، وضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي مستقبلاً.
معطيات رسمية
وفي مقابل ذلك، أوضح الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية أن الأحداث التي عرفتها مؤخرا نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين “لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلَلة، ودور عصابات الإتجار بالبشر، والتأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية، استهدفت الإيهام بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية”، مبرزا أن عدد الضحايا إلى حدود اللحظة بلغ 11 شخصا.
وأضاف في أول بيان رسمي عن موجة الهجرة إلى سبتة المحتلة، الأحد 02 يوليوز 2026، أنه “إدراكا منها لطبيعة هذه التطورات ومؤشراتها، بادرت السلطات العمومية، منذ المراحل الأولى، إلى تفعيل مقاربة استباقية وشمولية، ارتكزت على الرصد المبكر لمختلف المؤشرات، والرفع من درجات اليقظة والتعبئة، وتعزيز جاهزية مختلف المصالح الأمنية والسلطات الترابية، وتكثيف المراقبة البرية والبحرية، بما مكن من التحكم في مجريات الوضع، وحماية الأرواح، وصون النظام العام، وتأمين الحدود، مع التقيد الصارم بأحكام القانون واحترام مبدأ التناسب في التدخل”.
وأكدت الداخلية أن المعطيات الإحصائية الدقيقة المتوفرة لدى السلطات المختصة، مكنت من ضبط العدد الفعلي للمعنيين بذلك، والذي بلغ حوالي 40 ألف شخص في اتجاه مدينة سبتة، ونحو 1135 شخصا في اتجاه مدينة مليلية، حيث تمت إعادة جميع الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى مليلية في حينه.