بنكيران و”القندوح”
توقّعت، منذ تابعت خطاب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة السابق، عبد الإله ابن كيران، أمام تجمّع حزبه في الصويرة يوم السبت الماضي، أن تثير كلمة «القندوح» التي وردت فيه كثيرا من الجدل. فهي، من جهة أولى، توظيف للخطاب السياسي خارج النسق العام المعتاد والمتداول، وهذا صحيح وحقيقي.
كما أن الرجل، من جهة ثانية، لا يحتاج سوى إلى فتح فمه، بل حتى قبل أن ينطلق في الكلام، كي ينبري بعض المتخصصين في مهاجمته ورشقه بحجارتهم الكلامية، في نوع متحوّر من السلطة المضادة التي يُفترض أن يشكلها الصحافيون وقادة الرأي في مواجهة من يحوزون السلطة ويتخذون القرار.
لكن، وكما هي العادة في مثل هذه الحوادث، الحقيقية منها والمفتعلة، جرى سحب النقاش نحو القشور والأمور السطحية والتافهة، بدل جعل الواقعة فرصة، بصرف النظر عن الموقف منها، لمناقشة الجوهر. والجوهر هنا هو أن فاعلا سياسيا من داخل المنظومة السياسية والمؤسساتية المغربية وجّه انتقادا إلى جزء من المحيط الملكي.
هذا ما جرى فعلا، وهذا ما يستحق الالتفات والتعليق، والمساهمة بالتحليل والنقاش والمساعدة على الفهم، لمن لديه رغبة حقيقية في الإضافة إلى النقاش العمومي.
وبما أن البعض حاول حصر النقاش في البعد الأخلاقي لاستعمال كلمة «قندوح»، فلا بأس من وقفة، ولو قصيرة، عند هذا الاستعمال. وأعترف، بكل صراحة، أنني لجأت شخصيا إلى كثير من المصادر لمحاولة تقليب هذه الكلمة، وفهمها، والوقوف عند دلالاتها الظاهرة والخفية، مخافة أن يفوتني شيء لا أدركه بثقافتي الشعبية الشخصية.
وكانت الخلاصة، دون كثير توقف عند مختلف التفسيرات التي صادفتها، أن كلمة «قندوح» تعني، في الاستعمال المتداول على نطاق واسع، الشخص قليل النضج أو الذي لم يستكمله، والذي يُعتبر، تبعا لذلك، قاصر الفهم والإدراك. هذا هو معناها، لا أقل ولا أكثر.
بل إن أستاذ التاريخ محمد أقديم تفضّل بنشر تفسير لغوي واصطلاحي للكلمة، قال فيه إن الأمر يتعلق في الأصل بكلمة «قنتوح»، التي تعود بدورها إلى كلمة «كنطوح»، بالكاف المعجمة وتفخيم الطاء، بينما تُنطق في بعض الأوساط المدينية مرققة هكذا: “قنتوح”.
وتعود الكلمة، حسب هذا الأستاذ، لغة إلى فعل «نطح»، ولذلك كانت تُستعمل في الأصل لوصف الكبش «النطّاح»، الذي يكون غالبا أقرن وأملح، ويمارس القيادة والسيطرة داخل القطيع. أما اصطلاحا، فيفيدنا هذا الأستاذ المجتهد بأن عملية استعارة جرت للكلمة من قاموس القطعان والأكباش، لتُستعمل في وصف “كل شخص معروف بكثرة العراك والبلطجة، ويفرض نفسه على جماعته وقومه بالقوة”.
هذا ما كان. العبارة سلبية دون شك، لكنها لا تنطوي، في حدود ما وقفت عليه، على أكثر من هذه الحمولة القدحية. فهل أساء بنكيران إلى الملك والمؤسسة الملكية حين وظّفها في خطابه؟
حين نعود إلى الكلمة المرتجلة التي ألقاها الرجل أمام أتباعه يوم السبت الماضي، نجده استعملها في سياق محدد، هو الدفاع الضمني عن حقه في الحلول بمدينة الصويرة وتنظيم نشاطه السياسي فيها، ونفي أي احتكار للمدينة من طرف أي شخص، بما في ذلك مستشار الملك أندري أزولاي.
وفي هذا السياق تحديدا جاء قوله المنفعل إن المغاربة لا يعرفون سوى الملك، ولا يشركون معه أي شخص آخر، سواء كان أزولاي أو الهمة أو أي «كنطوح» آخر.
وهنا، وبصرف النظر عن حجم الإساءة التي يعطيها كل واحد منا لكلمة «كنطوح»، وهي، كما قلت، مسيئة بالفعل وذات حمولة سلبية، فإن سياق استعمالها جاء تحديدا بغرض التمييز بين الملك وباقي الأشخاص الذين يعملون في محيطه.
هذا لمن يريد افتعال الوقيعة بين سياسي يمارس الخطابة والملك شخصيا. أما القول إن في هذا الأسلوب عيوبا أخلاقية، بحكم أن مستشاري الملك جزء من اختياراته وقراراته، فهذا صحيح. لكنه لا ينفي التمييز الذي قصده الرجل بين الملك، بصفته صاحب موقع دستوري ومعنوي مخصوص في الوعي والتمثل الجماعيين للمغاربة، وبين الأشخاص الآخرين الذين حاول ابن كيران تجريدهم من أي تغطية برداء الشرعية الملكية في سلوكهم وأفعالهم.
هذا عن الشكليات التي حوّلها البعض إلى جوهر النقاش كله. أما من يريد أن يفهم ما جرى في سياقه، فإنني، ومن خلال متابعتي للأحداث، لم أجد في هذه الخرجة العاصفة لرئيس الحكومة السابق سوى استهداف خاص ومباشر للمستشار الملكي أندري أزولاي، في علاقة بالسياق الخاص للحدث، أي زيارة ابن كيران لمدينة الصويرة.
الجميع يعلم أن الصويرة تُعتبر، في لا وعينا الجماعي، مجالا خاصا للمستشار المنحدر من أصول يهودية، بالنظر إلى الإرث الديني والتاريخي للمدينة والمرتبط بالطائفة اليهودية المغربية، وهو ما تكرّسه أنشطة كثيرة يقوم بها المستشار الملكي أو يحضرها في هذه المدينة.
كما لا يمكن فصل خطاب ابن كيران المنفعل يومها عن محدودية الحضور الذي وجده أمامه، خلافا لباقي محطات جولته السياسية في منطقة مراكش و«أحوازها»، حتى إن نقاشا طويلا دار بين أعضاء حزب العدالة والتنمية، إلى آخر لحظة، بشأن إلغاء النشاط من عدمه.
هكذا، وانطلاقا من تحليل الخطاب وحده، أي دون الاستعانة بروايات المصادر التي يمكن أن تكشف معطيات إضافية، أستطيع الربط بين خطاب ابن كيران المنفعل، والنفوذ الذي يُفترض أن المستشار الملكي أندري أزولاي يتمتع به في مدينة الصويرة، والعدد القليل للأشخاص الذين حضروا لقاء الأمين العام لحزب العدالة والتنمية.
من هنا يمكن فهم استدعاء لغة الاستهداف والتقليل من شأن الرجل الذي قد يشكّل «سلطة» معنوية لدى سكان مدينة الصويرة، ويمكن أن تُستعمل هذه السلطة في تأليبهم أو إبعادهم عن ابن كيران وحزبه، في التجمعات كما في الانتخابات.
وفي هذا السياق أيضا جاء استدعاء البعد الديني، وشبهة إضفاء مسحة «إسرائيلية» على المدينة عبر اللون الأزرق لواجهات بناياتها، وهي كلها أدوات للقصف المعنوي، والتقليل من حجم الشخص المستهدف، ومحاولة «تحرير» الجموع من أية سلطة أو سطوة معنوية يمكن أن يمارسها عليهم.
أما ذكر المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، فلا أعتقد شخصيا أنه كان سوى أداة بلاغية لزيادة منسوب «البارود» الموجّه أساسا إلى أندري أزولاي، وللتعبير عن الجرأة عليه وعدم «الخشية» منه، عبر استدعاء اسم المستشار الملكي الذي يُعتبر الأقوى والأقرب إلى الملك، أي فؤاد عالي الهمة.
وبهذا المعنى، لم يكن المقصود وضع الرجلين في مرتبة واحدة، أو قصفهما معا، بقدر ما كان الهدف هو نزع أي حصانة سياسية أو رمزية قد تُستمد من القرب من الملك. فالرسالة التي حاول ابن كيران تمريرها، بطريقته الخاصة، هي ألا أحد، مهما كان موقعه داخل المحيط الملكي، يملك أن يتحول إلى سلطة قائمة بذاتها، أو أن يستمد من ذلك القرب شرعية مستقلة، أو أن يتصرف في مدينة أو مجال أو فئة بشرية كما لو كانت امتدادا خاصا لنفوذه، يستأثر به أو يمنحه لطرف سياسي ويحجبه عن آخر.
وهنا، في تقديري، يوجد جوهر خطاب ابن كيران، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا. لم يكن الرجل بصدد تعريف «القندوح»، ولا بصدد استعراض قدرته على القدح، بل كان يوجه هجوما سياسيا إلى جزء من المحيط الملكي، ويطعن في ما يراه توسعا في النفوذ يتجاوز الوظيفة الأصلية لأصحابه.
وهو بذلك كان يعيد، بطريقته المنفعلة والخشنة، رسم الحدود بين الملك بوصفه مصدر الشرعية، وبين من يعملون إلى جانبه ولا يفترض أن يتحولوا، بحكم هذا القرب، إلى مراكز سلطة موازية، أو فاعلين يقحمون أنفسهم في الصراع السياسي. على اعتبار أن الملك يدبّر الصراع السياسي لكنه ليس طرفا فيه.
وهذا هو النقاش الذي كان يستحق أن يُفتح: طبيعة نفوذ المستشارين، وحدوده، وكيفية امتداده داخل الحقل السياسي والمجالي، ومدى إمكان مساءلته من داخل النقاش العمومي.
ما الاكتفاء بتقليب كلمة، واستنزاف الوقت في قياس فظاظتها، فليس سوى طريقة للهروب من السؤال الحقيقي، وتحويل خطاب سياسي واضح المقصد إلى مجرد زلة لفظية معزولة عن سياقها.