بنت الصالحين
لا غرضَ لكاتب هذه المقالة أن يُلاحق أيّ معنى ديني من تعبير “الصالحين” و”غير الصالحين”. سيصدرُ كل ما يُكتب عن فكرة المواطنة ومعنى السياسة، واحترام القانون عند حيازة السلطة. بهذا، لا يمنح تعبير “بنت الصالحين” رئيسةَ الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أيّة أفضلية أو امتياز أخلاقي، ولا يحيل على أي نفَسٍ صوفي/ ديني، إلا استثماراً في التعبير وتوظيفه لغوياً للتنبيه إلى عكس مقتضاه، حيث تقع مساحة المسؤولية السياسية.
وبعدما وجب به الإعلام، فلنبدأ:
على ما يظهر، لن يكفيَ رئيسة الحكومة المعيَّنة فاطمة الزهراء المنصوري أن تكون “بنت الصالحين” ( على ما وصفتْ به نفسها وأحبّته صحافةٌ، زادت من عندها أيضا اسم “بنت الباشا”).
تحتاج المنصوري دعوات “صالحيها وصالحي صالحيها” و”وقفة السبعة رجال” حتى “يخرج سربيسها بخير”.
في طريق “بنت الصالحين” إلى رئاسة الحكومة عبَرت محطات، وشاركت في قرارات، والتقت “غير صالحين”. طريقٌ ومَسيرٌ لم يكن مفروشاً بـ”الصلاح السياسي” مهما حَسُنَت نوايا الأفراد.
بل حتى ما يُفترض أن يكون من “إشراقات بدايات بنت الصالحين” أظلمته أحداثٌ وأسماء. ولعلّنا ها هنا نحيل إلى ابن عطاء الله السكندري، في حِكمه، عن شأنٍ آخر قريب من “الصالحين” بعيدٍ عن نكد السياسيين، قوله: “من أشرف بدايته أشرقت نهايته”.
“صاك طنجة”، مثلاً، عملٌ غير صالح وإفساد وتلويث، وقد “لطّخ” جلباب المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة يوم الثلاثاء 29 شتنبر الماضي وهي تتجه إلى القصر الملكي العامر في الرباط. قبل يوم من تعيينها وتكليفها بتشكيل الحكومة، أوقفت السلطات منير الليموري، عمدة طنجة والقيادي في حزبها، على خلفية الاشتباه في تورّطه في قضية تزوير انتخابي في الاستحقاق الذي عينها الملك محمد السادس، بناء على نتائجه، رئيسة للحكومة.
ما وقع مع الليموري ليس حدثاً معزولا أو انفلاتا فرديا من عِقال أخلاق السياسة والقانون. تواترت قضايا جنائية تلاحق مسؤولين في حزب رئيسة الحكومة، بعضها مرتبط بالاتجار الدولي في المخدرات صدرت بشأنه أحكام قضائية.
مشكلة حزب الأصالة والمعاصرة أنه وُلد “كبيراً”، وتوفّرت فيه كل عناصر الإغراء وعوامل الجذب: لأصحاب النوايا الحسنة الراغبين في الإصلاح الباحثين عن نَفَسٍ سياسي جديد، ولـ”موتورين إيديولوجياً” يبحثون عن تصفية حسابات سياسية قديمة أو “تحصيل منافع (يرونها مستحقة) عن نضالية سابقة خذلها الشعب”، وأيضا لكثير من الانتهازيين والمنحرفين وأصحاب السوابق و”اللواحق”.
وهذا الصنف الأخير، الانتهازيون والمنحرفون، ومعهم “سلطويون”، وإن لم يكونوا جزءاً من بنية السلطة الرسمية، أخطرُ ما في قصة “حزب الدولة”، وهم من يخوّفون ناسا من سيناريو أن يكون قد جرى، خلال انتخابات 23 شتنبر الماضي، مجرد استبدال للجُذام بالجُدري. حفظ الله بلدنا من كل داء.
في لحظة “نمو جسد الحزب سريعا وبشكل غير طبيعي”، تحوّل الأصالة والمعاصرة إلى “وحش فرانكشتاين” سياسي عابر للعلاقات والمصالح، رغم محاولات تهذيب وتشذيب ليصير “حزباً عادياً” بعدما فرمل الربيع العربي الجرار، قبل أن يدهسه قطار عبد الإله بنكيران في انتخابات 2016.
وإنْ تحدثت المنصوري نفسها عن “جيل جديد” في الأصالة والمعاصرة، فإنّ ذلك لا يكفي. أمثال الليموري يذكروننا باستمرار بـ”غير الصالحين” على متن القطار الحزبي لرئيسة الحكومة.
وهذا يستوجب من المنصوري أن تحصِّن اسمها ومنصبها من هؤلاء ابتداءً من اللحظة التي كُلفت برئاسة الحكومة. لا مجال لأن تتساكن “بنت الصالحين” مع “غير الصالحين” تحت سقف واحد، حزبي أو حكومي. ولعل حديث بنكيران عن “تنظيف” الأصالة والمعاصرة يتقصّد جزءاً من هذا.
أيضا، إرثُ الحكومة السابقة، التي ترأسها عزيز أخنوش، في كثير من الملفات، عملٌ غير صالح يطوِّق عنق “حكومة بنت الصالحين”.
شبهات تضارب المصالح والاتهامات بالفساد تلاحق المنصوري بأشكال عدة: حزبُها كان القوة الثانية في ائتلاف حكومي، ولن ينفع أن يغسل يديْه من حصيلتها قبل أسابيع من الانتخابات. كما أن المنصوري نفسها كانت وزيرة في حكومة أخنوش، وعلى أساس ذلك تتحمّل مسؤولية سياسية عن قراراتها.
حين رمى الأصالة والمعاصرة كل الخطايا على التجمع الوطني للأحرار كان يخوض عملية “تطهير انتخابية” من “ذنوب” حكومة شارك فيها. نجحت استراتيجيته انتخابيا وتصدر الانتخابات، لكن الحقائق أصلب من أن ترتفع، ومن الحقائق أن المشاركَ مشاركٌ مهما أنكر. وإلا فلتتهيّأ المنصوري وحزبها، من الآن، لتشرب، بكل روح رياضية، من الكأس ذاته في الانتخابات المقبلة، كما شرب أخنوش بعدما تبرأ من “شريكه” العدالة والتنمية في 2021.
قصارى القول
بعد ترتيب هذا المقتضى من تحميل المنصوري المسؤولية السياسية، قد يكون مفيداً فسحُ المجال لأول سيدة تتبوأ منصب رئاسة الحكومة للإثبات أنها “مْرا وقادّة”، والذي يعني أساسا قطع العلاقة مع كل الآفات التي سَرَت في جسد حزبها على امتداد 18 عاما (تأسس “البام” في 7 غشت 2008)، وأيضا قطع الطريق على كل وصولية وانتهازية يمكن أن “تختطف” الحكومة لتدبير مصالح الأفراد والفئات بدل خدمة مصالح عموم المواطنين.
طبيعة تحالفاتها ستكون عتبة لنواياها. وغرض الكاتب أن تُقنع رئيسة الحكومة بأن “بنت الصالحين” أهلٌ لوقف الهدر الفادح لمعنى السياسة داخل حزبها، كما أن تقنع أنها “قادّة” على حماية السلطة التنفيذية وميزانياتها، الواقعة تحت سلطتها، من فيروس الجشع وافتراس المال العام. وبعد هذا، يصحُّ أن نتحدث عن التحالفات والهندسة الحكومية والبرامج والتنمية.
وبذكر “مْرا وقادّة”: هل يفيد أن نُدمن، بين يديْ أول امرأة ترأس حكومة في تاريخ المغرب الحديث، تعابير من مثل (بنت الصالحين) و(بنت الباشا)، بحيث لا تُذكر إلا مرتبطةً بغيرها، ومجرّد “ابنة” أحدهم أو عديدين؟.