story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

بعد “جريمة المحمدية”.. خبراء يحذرون من تفشي ثقافة “اللامبالاة” عند تعرض الآخرين للخطر

ص ص

لم تكن جريمة المحمدية، التي راحت ضحيتها امرأة شابة بعدما أقدم زوجها على ذبحها بسلاح أبيض أمام المارة، مجرد حادثة إجرامية عابرة، حيث اعتبر خبراء أن هذه الأخير شكلت “صدمة سوسيولوجية” كشفت حجم الفردانية واللامبالاة اللتين بدأتا تتفشيان في المجتمع المغربي.

وأضاف خبراء أنه ففي الوقت الذي كانت فيه الضحية تستغيث وتطلب يد العون، اختار الحاضرون استبدال التدخل المنقذ بـ “الفرجة”؛ كأنهم “جمهور سينمائي” يشاهد لقطات حية، دون تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر.

في هذا السياق، يرى الباحث في علم الاجتماع، علي الشعباني، أن “هناك تخوف حقيقي من ذوبان المبادئ الأصيلة للإنسان المغربي، والتي كانت تشكل درعا واقيا للمجتمع”، مبرزا أن “هذه القيم تأسست على التضامن الجماعي والوقوف صفا واحدا في وجه الأخطار، بدأت تتآكل أمام أنماط حياة عصرية تتناقض وجوهر التلاحم الاجتماعي الذي ميز المغاربة لعقود”.

وأضاف الشعباني في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن منظومة القيم الاجتماعية تتغذى بشكل مباشر من المبدأ الديني “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، هذا المبدأ، بحسبه، لم يكن مجرد شعار، بل كان سلوكا يوميا يفرض التدخل الإيجابي لحماية الفرد والجماعة، “وهو ما غاب للأسف في وقتنا الراهن نتيجة التحولات العميقة في نمط العلاقات الإنسانية”.

وأبرز أنه في السابق كانت المجتمعات المغربية تتسم بضيق حجمها وترابطها الشديد، حيث كانت المعرفة المتبادلة تفرض نوعا من الرقابة الأخلاقية والتضامن التلقائي؛ موضحا أن “مصلحة الفرد كانت جزءا لا يتجزأ من مصلحة الجميع، مما جعل درء المخاطر واجبا جماعيا يشترك فيه الصغير والكبير”.

غير أن التوسع العمراني، يضيف السوسيولوجي، وتعدد الأنماط العرقية داخل المدن الكبرى أدى إلى خلق مجتمعات “مجهولة”، موضحا “فلم يعد الجار يعرف جاره، واختلطت الأصول والمشارب، مما أضعف الروابط الاجتماعية وأدى إلى حالة من البرود العاطفي واللامبالاة تجاه ما يحدث للآخرين في الفضاء العام”.

ثقافة الابتعاد

وشدد علي الشعباني على أن نزعة جديدة نحو الانعزال نشأت تحت شعار “عدم التدخل في شؤون الآخرين”، هذا التوجه أفرز نوعا من التخاذل عن نصرة الضحية، “حيث يفضل الناس اليوم دور المشاهد الصامت بدلا من المنقذ، مبررين ذلك بالرغبة في تفادي المشاكل والابتعاد عن مواطن النزاع”.

وأورد أنه تجاوزنا نمط الحياة القروي البسيط الذي كان يحكمه التلاحم، وحتى في الزقاق، كان التضامن حاضرا بفضل التجانس، “لكن بمجرد دخول عناصر جديدة وغريبة عن هذا النسيج، انفرط عقد الثقة، وأصبح كل فرد يعيش داخل فقاعته الخاصة دون اكتراث بمحيطه”.

وفي غضون ذلك، أكد الشعباني أن “جريمة المحمدية تعتبر نموذجا صارخا لهذا التحول المخيف”؛ فبدلا من التدخل لدفع الخطر عن الضحية، تحول المارة إلى “جمهور” يشاهد الجريمة فقط كأنها مشهد سينمائي، مضيفا أن المأساة الإنسانية تحولت إلى “مادة دسمة للتداول والحديث” عبر وسائل التواصل الاجتماعي، “مما يعكس غيابا تاما للحس الإنساني والمسؤولية الجماعية”.

وحذر السوسيولوجي بأن عدم المبالاة هذه قد تزيد تعقيدا وانتشارا كما هو الوضع في المجتمعات الغربية”، مبرزا أن المغرب “يسير بخطى حثيثة نحو ذلك، يصبح التدخل لحماية الأفراد حكراً على الشرطة والقضاء فقط”.

مسألة قانونية

من جانبه أوضح محمد ألمو، المحامي بهيئة الرباط، أن القانون الجنائي لا يعاقب فقط على الجرائم الإيجابية التي تقوم على ارتكاب فعل مادي محظور، بل يمتد ليشمل الجرائم السلبية، وتتحقق هذه الأخيرة، بحسب المتحدث نفسه، عندما يمتنع الشخص عن القيام بفعل أوجبه عليه القانون صراحة، مما يجعل الامتداد القانوني يشمل الترك كما يشمل الفعل.

أشار ألمو في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، إلى أن تجريم “عدم تقديم المساعدة لشخص في خطر” يعكس استقاء المشرع لمقتضياته من القيم الأخلاقية والإنسانية.

واعتبر أن الهدف من ذلك هو حث الأفراد قانونا على التدخل الإيجابي لإنقاذ الأرواح، وتحويل الواجب الأخلاقي إلى التزام قانوني يفرض التضامن الاجتماعي في اللحظات الحرجة.

ولفت المحامي إلى تتعدد صور الخطر التي تستوجب المساعدة لتشمل الكوارث الطبيعية، أو الحالات المرضية المستعجلة، أو حوادث السير، وصولا إلى حالات الاعتداء الجسدي التي يتعرض لها الغير.

إلى جانب ذلك، أكد محمد ألمو أن القانون لا يطالب الشخص بالبطولة المطلقة التي قد تنهي حياته؛ حيث إن جريمة الامتناع لا تتحقق إلا إذا كان بمقدور الشخص التدخل دون أن يعرض نفسه أو غيره لخطر حقيقي؛ “فالمشرع وازن بين ضرورة المساعدة وبين الحفاظ على سلامة المتدخل كشرط لقيام المسؤولية الجنائية”.

بالإسقاط على واقعة المحمدية، انتقد ألمو ظاهرة “الفرجة” السلبية التي يتبناها البعض أثناء وقوع اعتداءات في الفضاءات العامة؛ “فالاكتفاء بالمشاهدة والامتناع عن القيام بأي رد فعل إيجابي لإنقاذ الضحية يضع هؤلاء الأشخاص تحت طائلة المساءلة القانونية، خاصة عند توفر القدرة على المساعدة”.

ختم ألمو تصريحه بالإشارة إلى أن تجمهر الناس بكثرة في مكان الحادث قد يكون عاملا مساعدا لإنقاذ الضحية؛ إذ كان بإمكانهم، بحد أدنى من التضامن، التشويش على المجرم وإرباكه عوض الوقوف موقف المتفرج

يشار إلى القانون الجنائي المغربي يعاقب في الفصل 431 على الامتناع عن تقديم المساعدة لشخص في خطر (عمدًا) بالحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من 200 إلى 1000 درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين. يُشترط لتوفر الجريمة وجود خطر داهم وكان بإمكان الشخص المساعدة بفعله أو بطلب الإغاثة دون خطر على نفسه.