story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
برلمان |

بعد الاحتجاجات.. عدول المغرب يراهنون على المحكمة الدستورية في معركة رفض قانون تنظيم المهنة

ص ص

بعد سنوات من التوتر المتصاعد بين هيئة العدول ووزارة العدل، وما رافقه من إضرابات ووقفات احتجاجية شلت جزئيا خدمات التوثيق في فترات سابقة، ينتقل ملف القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق العدلي إلى مرحلة جديدة وحاسمة، بعد إحالته على المحكمة الدستورية من طرف فرق ومجموعات المعارضة بمجلس النواب.

هذه الإحالة، التي جاءت بعد المصادقة البرلمانية على القانون بأسابيع، فتحت الباب أمام اختبار دستوري واسع لمجموعة من المقتضيات المثيرة للجدل، في وقت تعتبر فيه هيئة العدول أن هذا المسار يشكل امتدادا طبيعيا لمعركة امتدت لسنوات، انتقلت من الشارع إلى المؤسسات، وصولا إلى أعلى هيئة قضائية دستورية في البلاد.

بالنسبة للجمعية المغربية للعدول، لا تقرأ هذه الخطوة باعتبارها إجراء إداريا عابرا، بل بوصفها محطة مفصلية تعيد ترتيب موازين النقاش حول مستقبل المهنة داخل منظومة العدالة. وفي هذا السياق، يرى عبد الرزاق بويطة، الكاتب العام للجمعية، أن عرض القانون على المحكمة الدستورية يفتح “نافذة حقيقية” لإعادة فحص الاختيارات التشريعية التي اعتمدها النص، ومدى انسجامها مع المبادئ الدستورية المؤطرة للمساواة وتكافؤ الفرص والأمن القانوني.

ويؤكد بويطة أن الجسم المهني دخل مرحلة “الرهان المؤسساتي”، بعدما استنفدت الاحتجاجات التقليدية جزءا كبيرا من تأثيرها، مبرزا أن العدول اليوم يعولون على القضاء الدستوري باعتباره الضامن الأساسي لسمو الدستور وحماية التوازن بين مختلف المهن القانونية والتوثيقية.

كما شدد على أن أي إصلاح حقيقي لمنظومة التوثيق العدلي لا ينبغي أن ينظر إليه بمنطق تقني فقط، بل يجب أن يراعي البعد الحقوقي والمؤسساتي للمهنة، بما يضمن، وفق تعبيره، عدالة تشريعية داخل القطاع، ويحفظ في الوقت نفسه حق المواطنين في خدمات توثيقية فعالة وآمنة.

وفي السياق نفسه، عبرت الجمعية المغربية للعدول عن تثمينها لمبادرة فرق المعارضة البرلمانية التي دفعت باتجاه الطعن في القانون، معتبرة أن هذا الموقف يعكس، من وجهة نظرها، تفهما للإشكالات التي يطرحها النص، ودعما لمطلب إعادة التوازن داخل منظومة التوثيق.

في المقابل، تركز مذكرة الإحالة التي وجهتها المعارضة على مجموعة من المواد التي تعتبرها مخالفة للدستور أو غير منسجمة مع مبادئه العامة، ومن أبرز هذه النقاط المادة 50، المرتبطة بنظام التلقي الثنائي للعقود، حيث يرى الطاعنون أن إلزامية تحرير بعض العقود من طرف عدلين اثنين، مقابل أنظمة مختلفة في مهن توثيقية أخرى، يخلق تفاوتاً غير مبرر ويحد من تنافسية المهنة.

كما تثير المذكرة إشكالية عدم تمكين العدول من مسك حسابات الودائع أو التعامل مع صندوق الإيداع والتدبير، على غرار ما هو معمول به في مهن توثيقية أخرى، معتبرة أن هذا المعطى يكرس ازدواجية في الصلاحيات رغم تشابه طبيعة الوظيفة العمومية المرتبطة بالتوثيق.

ومن بين المواد التي حظيت بانتقاد خاص أيضاً المادة 67 المتعلقة بشهادة اللفيف، والتي تشترط حضور 12 شاهداً، وهو ما تعتبره المعارضة مقتضى تقليدياً لم يعد متلائماً مع التحولات الاجتماعية والرقمية، ويطرح صعوبات عملية خاصة في المناطق القروية والنائية، إضافة إلى كونه يبطئ مساطر التوثيق ويؤثر على نجاعة المرفق العمومي.

ولا تتوقف الملاحظات عند الجوانب الإجرائية فقط، بل تمتد أيضاً إلى الصياغة القانونية لعدد من المواد، حيث انتقدت المعارضة استعمال عبارات وصفت بالغموض أو الاتساع في التأويل، مثل “سبب مشروع” و”الإشارة المفهومة” و”كل شخص مؤهل”، معتبرة أن هذه العبارات تمنح هامشا واسعا للتقدير قد يمس بمبدأ الأمن القانوني واستقرار المعاملات.

ويأتي هذا النقاش في سياق تراكمي من التوتر بين الهيئة المهنية والسلطات الوصية، حيث خاض العدول خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الاحتجاجات والإضرابات التي رفعت سقف المطالب، من بينها تحديث الإطار القانوني، ورقمنة الإجراءات، وتمكين المهنة من آليات مالية وضمانات مهنية أكثر استقرارا، إلى جانب المطالبة بتقليص الفوارق مع باقي المهن التوثيقية.

اليوم، ومع انتقال الملف إلى المحكمة الدستورية، يتغير شكل المواجهة من ضغط ميداني إلى مسار قانوني دستوري، حيث ينتظر أن يكون القرار المرتقب حاسما في تحديد مدى دستورية عدد من المقتضيات، وبالتالي رسم ملامح المرحلة المقبلة لمهنة العدول داخل منظومة التوثيق بالمغرب، سواء في اتجاه تثبيت القانون الحالي أو إعادة صياغة بعض بنوده بما ينسجم مع الدستور.