story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

بصقة نتنياهو في وجه المغاربة

ص ص

الفضيحة هذه المرة ليست أن رجلا من مكتب بنيامين نتنياهو تفوه بكلام قذر في جلسة خاصة ثم انكشف أمره؛ بل هي أعمق من ذلك بكثير. الفضيحة أن السقف الأخلاقي والسياسي لهذا الكيان انخفض إلى حد صار معه المتحدث باسم رئيس حكومته قادرا على أن يصف سياسيا آخر بأنه “مغربي متخلف“، وأن ينعت نوابا من أصول “شرقية” بالقرود، ثم يخرج بعد انفجار الغضب يحاول مداراة فضيحته بأصل عائلي مغربي، كأن الانحدار من بيننا، يمحو تلقائيا عار العنصرية ضده.

ما ثبت عن “زيف أغمون” ليس زلة لسان، ولا انفعالا عابرا، ولا سوء تعبير أسيء فهمه خارج سياقه. هذا كلام يخرج من تربة خصبة، ومن بنية ذهنية وسياسية وأخلاقية متماسكة، ومن كيان يقوم منذ نشأته على تراتبية البشر، وعلى ادعاء التفوق، وعلى توزيع القيمة الإنسانية بحسب الأصل والانتماء والهوية.

المسيء هنا ليس مجرد موظف هامشي عابر في ممرات السلطة. نحن نتحدث عن المتحدث باسم رئيس وزراء الاحتلال، وعن رجل شغل قبل ذلك مهمة المستشار القانوني في مكتب نتنياهو، أي عن شخص يفترض فيه، مهنيا ومؤسساتيا، أن يعرف وزن الكلمة، وحدود المسؤولية، ومقتضيات الأمانة.

هذا الرجل نفسه محام أُدين تأديبيا من طرف نقابة المحامين بسبب الإخلال بواجب الأمانة تجاه موكله، والإساءة إلى كرامة المهنة، والتصرف بما لا يليق بمهنة المحاماة. هذه ليست شائعة، ولا حملة تشويه، بل حكم مهني من أهل المهنة أنفسهم، قال باختصار إن الرجل خان مقتضيات الثقة والنزاهة المفترضتين في المحامي. أي أن من يتحدث باسم نتنياهو، ويوزع الإهانات على المغاربة وغيرهم، ليس فقط لسانا منفلتا، بل سيرة كاملة من الفساد الأخلاقي والمهني.

زيف أغمون هذا ليس استثناء شاذا داخل مكتب منضبط ونظيف، بل هو عرض من أعراض التعفن الذي يعشش في دواليب تلك الإدارة. تعيينه في هذا المنصب قبل بضعة أشهر لم يأت من بوابة الكفاءة والاستحقاق، بل من الباب الذي دخل منه كثيرون في منظومة نتنياهو، أي باب الولاء الشخصي، والقرب من الحلقة الضيقة، والرضا العائلي، وبالأخص رضا سارة نتنياهو، التي تحولت، بحسب ما نشرته الصحافة الإسرائيلية نفسها، إلى سلطة ظل فجّة تتدخل في التعيينات، وتطرد، وتقرّب، وتبعد، وتحوّل مكتب رئيس الوزراء إلى ما وصفه بعضهم بـ”عش الدبابير”.

الأخطر من الرجل نفسه هو ما يكشفه عن المؤسسة التي ينطق باسمها. فقد كان أغمون، بحسب ما نُسب إليه، يهين نوابا من أصول شرقية ومغربية وسفاردية، ويسخر من الكيفية التي يصلون بها إلى الكنيست، ويتحسر لأن الانتخابات الداخلية لا تتيح التخلص منهم.

هذا ليس مجرد سباب في لحظة غضب. هذا وصف فاضح لعقلية ترى في بعض الفئات مادة انتخابية لا أكثر، وخزانا بشريا للاستعمال السياسي لا شركاء في الكرامة والتمثيل.

وحين تصدر هذه النظرة من داخل قلب حزب الليكود، فإنها تفضح كذبة أن هذه المنظومة تتسع فعلا لجميع من تدّعي تمثيلهم. والحقيقة أن هناك احتقار كامن، مستبطن، راسخ، تجاه الشرقيين والمغاربة، حتى حين يُستعملون في الزينة الانتخابية أو في التوازنات الحزبية.

بالنسبة إلينا كمغاربة، فالإهانة هنا ليست معزولة عن سياق أوسع من الأوهام التي حاول كثيرون ترويجها خلال السنوات الأخيرة. لقد قيل الكثير عن “الأخوة المزعومة” و”الأصول المشتركة” التي يُفترض أنها تصل المغاربة بالكيان الإسرائيلي، وكأن التاريخ يمكن أن يُمسح فجأة بمساحيق العلاقات العامة.

لكن الوقائع تعود كل مرة لتصفع هذا الخداع. وها هو أحد أبرز رجال نتنياهو، المنحدر هو نفسه من أصول مغربية بحسب ادعائه، يكشف المستور بعبارة “مغربي متخلف”.

ثم إن نتنياهو نفسه ليس بعيدا عن هذه السلسلة من الإساءات. هذا الرجل الذي لم يتردد، في أكثر من مناسبة، في إظهار خريطة المغرب مبتورة، ولم يترك أصلا مجالا للشك في طبيعة نظرته ولا في حدود احترامه.

من يريد أن يفهم معنى ما قاله أغمون، فليضعه فقط في سياق رئيس حكومة لا يحترم وحدة المغرب الترابية، ومكتب غارق في الفضائح والتسريبات والولاءات العائلية، ومتحدث رسمي يوزع أوصافا عنصرية على ذوي الأصول المغربية والشرقية.

ومن المثير للسخرية السوداء أن الرجل الذي وجّه الإهانات للآخرين لم يبخل بها حتى على سيده السياسي. فقد نُسبت إليه أوصاف مهينة لنتنياهو نفسه، واعتباره “منتهيا” سياسيا منذ 7 أكتوبر 2023، والتشكيك في بقائه، والتهكم على سنه وعلى مستقبله.

نحن أمام طاقم يأكل بعضه بعضا، ويخون بعضه بعضا، ويتبادل الاحتقار في الغرف المغلقة، ثم يخرج إلى العلن متدثرا بخطاب الوحدة والمسؤولية التاريخية.

إن مكتب نتنياهو، كما تبيّنه هذه التسريبات وما سبقها من تقارير، ليس غرفة قيادة دولة واثقة من نفسها، بل مسرحا خانقا للغدر والارتجال والانحطاط. وحين يكون هذا هو القلب الإداري والسياسي، فإن العنصرية لا تكون حادثا، بل نتيجة منطقية.

الواقعة الجديدة تقول للمغاربة بوضوح جارح ما حاولت الدعاية حجبه طويلا: لا وجود لأسطورة دفء إنساني، ولا لقدر مشترك يُبنى على النوستالجيا، ولا لفضاء للتآخي بين المغاربة وإسرائيل. هناك منظومة عنصرية تنظر إلى الآخر من عل، وتعيد حتى أبناءها، الشرقيين والمغاربة إلى درجات دنيا متى سقطت الحاجة إلى تنميق الصورة.

لقد كشف زيف أغمون نفسه، وكشف معه، من حيث أراد أو لم يرد، حقيقة البيئة التي أنتجته ورفعته ووضعته في موقع النطق باسم رأس السلطة. وما انكشف اليوم ليس مجرد وقاحة رجل، بل سقوط قناع عن كيان كامل. وفي السقوط الأخير للأقنعة، لا يبقى للمغاربة إلا أن يروا الأمور كما هي: من يهينهم في السر، لن يحترمهم في العلن إلا بقدر ما تفرضه المصلحة، ومن بُنيت منظومته على التمييز، لا يمكن أن يمنحهم غير نسخة جديدة من الإهانة كلما أتيح له أن يتكلم بلا رتوش.