بشرف الذين ركبوا البحر
الحقيقة أنني لم أكن أتابع، بالقدر الكافي من الانتباه، فصول المحاولة الإنسانية الجديدة لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة، من خلال أسطول الصمود العالمي، لولا أنني صادفت تدوينة لمحمد الفيزازي، مسيئة إلى درجة الصدمة، يصف فيها سفن الأسطول بـ”زوارق النكاح”، مستبيحا أعراض المشاركين والمشاركات، كما لو أن بعض العقول الصغيرة لا ترى في كل ما يقع فوق هذه الأرض من أهوال، وحروب، ومجاعات، وإبادة، وحصار، وجثث، وأطفال تحت الركام، إلا ما يرتبط بالجنس.
هناك من يرى في سفينة تحمل مدنيين عُزلا، أطباء وحقوقيين وصحافيين ومهندسين وطلبة ونشطاء، يحاولون كسر حصار واحد من أكثر الأماكن تعذيبا في العالم، فعلا إنسانيا نبيلا، بينما لا يرى آخرون إلا فرصة رخيصة لتلويث الشرف، والطعن في النيات، وتحويل المبادرة إلى نكتة “حامضة”.
لكن لا بأس. أحيانا، تكشف الإهانة مقدار المعنى الذي عجز صاحبها عن فهمه. وربما كان علينا أن نشكر هذا القبح لأنه أعاد توجيه النظر إلى الجمال. جمال أن يخرج إنسان مدني من بيته، ويترك عائلته، ويركب البحر ليس بحثا عن غنيمة أو شهرة أو سلطة، بل متجها نحو غزة؛ المكان الذي اختبرت فيه البشرية، مرة أخرى، قدرتها على الصمت أمام الإبادة، وقدرة الاحتلال الإسرائيلي على تحويل التجويع والحصار والقصف والقتل اليومي إلى سياسة يومية.
أسطول الصمود العالمي ليس رحلة بحرية للاستجمام، ولا استعراضا احتجاجيا فوق الماء، بل هو في جوهره، فعل أخلاقي ضد اعتياد الجريمة. أبحر من ميناء مرمريس التركي، في محاولة جديدة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ سنة 2007، بمشاركة عشرات السفن والقوارب ونشطاء من عشرات الدول.
ضم الأسطول حوالي 54 قاربا وسفينة، والمشاركون فيه جاؤوا من أكثر من 40 دولة، في مهمة إنسانية رمزية وسياسية هدفها فتح ممر إلى غزة، أو على الأقل تعرية حقيقة أن البحر نفسه صار خاضعا لمنطق الحصار.
كان المشاركون يعرفون أن الطريق لن يكون سهلا. فهم لم يكونوا ذاهبين إلى نزهة، ولا إلى مهرجان، ولا إلى صورة تذكارية أمام شاطئ مفتوح. كانوا يعرفون أن إسرائيل سبق أن فعلتها. يعرفون أن ذاكرة البحر ما تزال تحمل دماء “مافي مرمرة” سنة 2010، حين هاجمت القوات الإسرائيلية سفينة مدنية في المياه الدولية، وسقط قتلى من بين المتضامنين. ويعرفون أن الاحتلال الذي لم يتردد في قتل الأطفال داخل غزة لن يتردد في اعتراض سفينة تحمل ماء ودواء ورسالة.
ومع ذلك أبحروا. وهذا وحده يكفي كي ننحني أمامهم احتراما وتقديرا.
وكما كان متوقعا، اعترضت القوات الإسرائيلية السفن في المياه الدولية، وصعدت إليها وحدات من البحرية، واحتجزت مئات المشاركين، في عملية قرصنة في أعالي البحار، أسفرت عن احتجاز أكثر من 400 ناشط.
لقد تم اختطاف المشاركين، ليس لأنهم يحملون أسلحة، بل لمجرّد أنهم ذهبوا ليقولوا إن غزة محاصرة. وهذا ما يخيف الاحتلال أكثر، علما أنه يستطيع أن يهاجم ويختطف، لكنه لا يستطيع أن يمنع الفكرة من الوصول.
كل سفينة اعترضتها إسرائيل وصلت قبل أن تصل. وصلت حين تحولت إلى خبر. وحين صار اسم غزة يعود من البحر. وحين اضطر العالم إلى أن يسأل لماذا تحتاج دولة مسلحة حتى الأسنان إلى كوماندوز بحري كي تمنع مدنيين من الاقتراب من شعب جائع؟
ضمن هذا الأسطول، كان هناك مغاربة. تتحدّث المعطيات المتوفرة عن 11 ناشطا وناشطة مغربية شاركوا في الأسطول الإنساني، ضمن تحرك دولي يضم متضامنين من جنسيات متعددة. وهؤلاء مواطنون يقاسموننا الانتماء، خرجوا باسم ما تبقى في هذا العالم من ضمير، ليفعلوا ما عجزت عنه حكومات كثيرة، وهو أن يقولوا لا للحصار، ولا للتجويع، ولا لتحويل غزة إلى قبر مفتوح.
السعدية الولوس، شيماء الدرازي، إسماعيل الغزاوي، محمود الحمداوي، أيوب ابن الفصيح، مصطفى المسافر، محمد ياسين بن جلون، الحسين واسميح، صهيب اليملاحي الشاعر، وإلى جانبهم باقي المشاركين المغاربة، لا يحتاجون منا إلى شفقة. بل يحتاجون إلى اعتراف. وإلى أن نقول إن ما فعلوه شجاع ونبيل ومشرف. ويحتاجون إلى دولة تحميهم كما تحمي الدول رعاياها. ويحتاجون إلى رأي عام لا يسمح بأن تتحول أعراضهم ونياتهم إلى ملعب للرداءة.
هل يعرف الفيزازي معنى أن يركب إنسان البحر نحو غزة اليوم؟
معناه أنه يضع جسده في مواجهة العار. معناه أنه يدرك أن غزة لم تعد قضية الفلسطينيين وحدهم، بل صارت اختبارا لما تبقى من الإنسان. ومعناه أنه يقول “لن أكتفي بإعادة نشر الصور” و”لن أكتفي بالبكاء أمام الشاشة”؛ بل سأتحرك، ولو عرفت أنني سأُختطف وسط البحر.
لذلك لا يمكن اعتبار وصف سفن كهذه بـ”زوارق النكاح” مجرد إساءة لفظية. إنه سقوط أخلاقي كامل، وعجز عن رؤية البطولة إلا بعين الوضاعة. هذا الخطاب ليس موجها إلى نساء ورجال الأسطول وحدهم، بل إلى فكرة التضامن نفسها. وإلى كل امرأة تركب البحر دفاعا عن أطفال غزة. وإلى كل رجل يغامر بحريته ليقول إن التجويع جريمة.
لحسن الحظ أن “أسطول الصمود” نجح، حتى وهو يُعترض. لقد نجح لأنه فضح الحصار مرة أخرى. ونجح لأنه أعاد اسم غزة إلى الواجهة. ونجح لأنه أظهر أن إسرائيل لا تحاصر الأرض فقط، بل تحاصر المعنى، وتحاصر التضامن، وتحاصر حتى محاولة الوصول الرمزي إلى الجائعين. ونجح لأنه منحنا أسماء ينبغي أن نحفظها باحترام، لا أن نتركها لشتائم الصغار.
كل التضامن مع المشاركين والمشاركات في أسطول الصمود العالمي. كل التضامن مع المغاربة الذين ركبوا البحر باسمنا جميعا، حتى وإن لم يفوضهم أحد.
أما أصحاب “زوارق النكاح”، فلهم ما اختاروا من قاموسهم. ولنا ما اخترنا من شرف هؤلاء. هم فتشوا في البحر عن وسخهم، فوجدوه في أنفسهم. أما نحن، فنرى في تلك السفن الصغيرة بشرا قرروا أن يكونوا، في لحظة سقوط عالمي، أكبر من حكومات، وأشجع من مؤسسات، وأنظف من خطابات كثيرة.
لقد ركبوا البحر نحو غزة. وهذا يكفي كي نقف، ونصفق، ونخجل من صمتنا. ويكفي كي نقول لهم، واحدا واحدا:
شكرا لأنكم ذهبتم إلى حيث كان ينبغي أن يذهب الضمير الإنساني كله.