بشحال الحولي؟
بعيدا عن منطق السخرية السوداء، يبدو أن وزير الفلاحة أحمد البواري كان محقا في إعلانه وجود خرفان بقيمة ألف درهم.
ربما كان هذا هو السعر الحقيقي الذي يفترض أن يشتري به المغاربة أضاحي العيد، بعدما صرفوا الملايير من ضرائبهم في شكل دعم مباشر لفائدة إناث الغنم والماعز، وآخر للأعلاف، وثالث في شكل إعفاءات ضريبية وجمركية.
المغاربة دفعوا أصلا كلفة أضاحي العيد في شكل ملايير الدراهم التي تعلن الحكومة نفسها أنها صرفتها من أجل “تجديد القطيع”، وبالتالي يصبح كل درهم يطالبون بدفعه اليوم في الأسواق مقابل هذه الأضاحي، تحت أكثر من علامة استفهام: هل يعقل أن ندفع ثمن الأضحية ولحمها مرتين؟
الوزير نفسه قدم، في الجلسة البرلمانية ليوم أمس الإثنين 18 ماي 2026، رقما ضخما عن العرض الوطني من الأغنام والماعز الموجهة للعيد، وقال إنه يناهز 9 ملايين رأس، مقابل طلب متوقع بين 6 و7 ملايين رأس.
أي أننا، حسب المنطق الحكومي، أمام وفرة في العرض. فإذا كان العرض وفيرا، والدعم صُرف، والموسم الفلاحي تحسن، والأسواق ممتلئة، فلماذا يباع الحولي كأنه سهم في بورصة “وول ستريت”؟
أورد تحقيق مجلة “ملفات” أن الأعلاف تمثل حوالي 65 في المائة من كلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من اللحوم الحمراء، وقد تصل أحيانا إلى 70 في المائة، فيما تتوزع النسبة الباقية بين الطاقة والنقل والخدمات البيطرية واليد العاملة والتكاليف الثابتة.
وورد أيضا، بناء على فواتير مربي الماشية التي اطلع عليها فريق التحقيق، أن ثمن الأعلاف المركبة انتقل من حوالي 2.8 درهم للكيلوغرام قبل أزمة 2022 إلى 4.5 أو 5 دراهم أثناء الأزمة، ثم استقر سنة 2025 في حدود 4 دراهم للكيلوغرام، رغم تراجع أسعار المدخلات عالميا واستمرار الإعفاءات.
إذا أخذنا فرضية تقنية كلاسيكية، تقول إن إنتاج كيلوغرام واحد من الوزن الحي للمواشي في مرحلة التسمين، يحتاج إلى نحو 6 كيلوغرامات من العلف، فإن العملية تصبح بسيطة جدا. وإذا كان الكيلوغرام الواحد من العلف يساوي 4 دراهم، فإن كلفة العلف اللازمة لإنتاج كيلوغرام واحد من الخروف الحي تساوي 24 درهما. وإذا اعتبرنا أن العلف يمثل 65 في المائة فقط، فإن الكلفة تصبح حوالي 37 درهما.
حتى إذا افترضنا أن ثمن العلف لم يكن 4 دراهم، بل 4.5 دراهم، فإن كلفة العلف لإنتاج كيلوغرام واحد تصبح في حدود 41.5 درهما. هذا هو أقصى ما يمكن أن تصله كلفة الأضاحي هذه السنة، بافتراض كلفة علف مرتفعة، واعتماد شبه كامل على التعليف، وكأننا في سنة جفاف مطلق والأرض لم تنبت شيئا.
والحال أن السنة الحالية عرفت تحسنا كبيرا في التساقطات ما ينعكس على الغطاء النباتي والمراعي ويجعل كلفة التربية أقل من سنة الجفاف الخالص.
ثم هناك ما لا تكف الحكومة عن ترديده في محافل تقديم الحصيلة، لكنها لا تريد أن تتذكره حين تصل إلى السوق، وهو الدعم. هذا الإنفاق من المال العام ليس صدقة من جيب الوزراء، ولا منحة من حساب رئيس الحكومة، بل مال عمومي خرج باسم المواطن.
ألم تعلن الحكومة أن قاعدة بيانات القطيع الوطني تضم 32.8 مليون رأس وحوالي مليون و200 ألف كساب، وأن عدد الرؤوس المرقمة بلغ 25 مليون رأس؟ وأن ملفات الدعم المعالجة بلغت مليونا و102 ألف كساب، وأن المبالغ المصروفة فعليا وصلت إلى 4 مليارات و465 مليون درهم لفائدة حوالي 977 ألف مستفيد، وذلك في أقل من شهر؟
وقبل ذلك، ألم تحدثت المعطيات الحكومية والسياسية عن غلاف إجمالي يناهز 12.8 أو 13 مليار درهم لدعم الكسابة وإعادة تشكيل القطيع؟
الدعم الذي صُرف لمربّي الأغنام، حسب المعطيات الرسمية، حدد في 150 درهما للرأس بالنسبة للرؤوس العشرة الأولى، و125 درهما من 11 إلى 50 رأسا، و100 درهم من 51 إلى 100 رأس، و75 درهما لما يفوق 100 رأس.
وإذا أخذنا متوسطا حسابيا بسيطا، فنحن أمام حوالي 112.5 درهما للرأس. وإذا وزعنا هذا الدعم على خروف يزن 45 كيلوغراما حيا، فإن الدعم يخفض الكلفة بما يقارب 2.5 درهم للكيلوغرام الحي.
معنى ذلك أن الكلفة الصافية، في سيناريو علف بـ4 دراهم للكيلوغرام، تنخفض إلى حوالي 32 أو 35 درهما للكيلوغرام الحي.
هذا الحساب ليس معادلة معقدة، بل حساب مواطن يريد أن يفهم كيف خرج المال العام من الخزينة، ونزل المطر من السماء، وامتلأن الأسواق بالعرض، وأصبحت كلفة الإنتاج في حدود معقولة، ثم ينتهي كل ذلك إلى سعر يفوق 80 درهما للكيلوغرام الحي كما أعلنت بعض الأسواق الكبرى فيث المدن.
ماذا نسمي الفرق بين 40 و80؟ هل نسميه بركة السوق؟ أم اجتهاد الشناقة؟ أم هامش ربح فاحش، مصنوع في الظل، ومحمي بضعف المراقبة، ومغذى بخطاب حكومي يختبئ خلف كلمة “السوق” كلما تعلق الأمر بجيب المواطن؟
ثم ما بال هذه الأسواق الكبرى في المدن التي لم تعد فضاءات عادية للتجارة، بل تحولت إلى بورصة أغنام غير معلنة، يكفي أن يعلن هؤلاء ثمنا مرتفعا، حتى يتحول إلى إشارة لباقي الوسطاء والشناقة؟
إذا كان سعر الكيلوغرام الحي، بعد حساب العلف وباقي التكاليف والدعم والرعي، لا ينبغي أن يتجاوز في الظروف الحالية حدود 40 درهما، فإن إعلان أسعار تفوق 80 درهما لا يمكن تبريره بالإنتاج.
هذا ليس ثمنا اقتصاديا، بل ثمن سياسي.
هو ثمن فشل الدولة في ضبط الشناقة.
وثمن ترك الأسواق الكبرى تبعث الإشارة لرفع الأسعار.
وثمن التواطؤ الحكومي مع مراكز القوة.
وثمن الخلط بين حماية الكساب وحماية الريع.