المساواة بعد الموت
هل تعلم عزيزي الرجل أن القانون يمنحك الحق في الاستفادة من معاش زوجتك في حال وفاتها (أطال الله عمر الجميع)، في حدود 50 في المئة وبالشروط نفسها التي تُطلب من المرأة الأرملة (باستثناء السن الذي يشترط فيه في الرجل بلوغ سن التقاعد عكس المرأة)، لكن من وضعوا مشروع قانون المالية لسنة 2027، لا علم لهم بالمساواة التي نصّ عليها الدستور ولا المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، ولا الواقع الاجتماعي الذي جعل حقوق ومسؤوليات الرجال والنساء متساوية، وضربوا بكل ذلك عرض الحائط وقرروا مضاعفة معاشات الأرامل النساء دون الرجال؟
اهتممت بالموضوع عندما أثارت النائبة البرلمانية ورئيسة الفريق الحركي في مجلس النواب ريم شباط، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، سؤالا يبدو بسيطا، لكنه يكشف واحدا من أغرب أوجه التناقض في منظومة الحماية الاجتماعية المغربية: إلى متى يبقى معاش الموظفة المتوفاة موضوع هدر وضياع؟
والواقع أن السؤال، على وجاهته، يحتاج بعض التدقيق، فمعاش المرأة لا يضيع بالضرورة بعد وفاتها، والقانون يسمح لزوجها وأبنائها بالاستفادة منه وفق شروط محددة. لكن التدقيق في هذه الشروط يكشف ما هو أكثر إثارة للاستغراب من الحرمان المطلق، كوننا أمام قوانين لا تزال تتعامل مع وفاة المرأة العاملة بطريقة مختلفة عن وفاة الرجل العامل، وكأن الموت لا يرتب الحقوق ذاتها على الجنسين.
ففي نظام المعاشات المدنية، مثلا، يستحق الزوج الأرمل، من حيث المبدأ، نصف المعاش الذي كانت زوجته الموظفة تتقاضاه أو يحق لها الحصول عليه. وهي النسبة نفسها التي تستحقها الأرملة بعد وفاة زوجها. تبدو المساواة هنا مكتملة، إلى أن نصل إلى السؤال التفصيلي الذي يختبئ فيه الشيطان: متى يبدأ صرف هذا المعاش؟
إذا مات الموظف، استحقت أرملته معاشها ابتداء من تاريخ وفاته، بصرف النظر عن سنّها ووضعها الاجتماعي وما إن كانت تعمل أم لا… أما إذا ماتت الموظفة، فعلى زوجها أن ينتظر بلوغ السن القانونية للإحالة على التقاعد، ما لم يثبت أنه عاجز نهائيا عن العمل.
بمعنى آخر، يمكن لرجل وامرأة أن يشتغلا في الإدارة نفسها، ويتقاضيا الأجر نفسه، وتُقتطع من أجرهما المساهمات نفسها، ويعيشا الوضعية العائلية نفسها، ثم تأتي الوفاة لتكشف أن القانون لا ينظر إلى أسرتيهما بالعين نفسها. بل على الرجل الأرمل أن ينتظر إلي حين بلوغه هو سن التقاعد، أو أن يثبت إصابته “بعاهة أو بمرض عضال يجعلانه عاجزا نهائيا عن العمل” كي يحصل على “نصف” معاش زوجته المتوفاة، كما تنصّ علي ذلك المادة 37 من القانون المحدث لنظام المعاشات المدنية.
والمفارقة أن التمييز هنا يبدو موجها ضد الرجل، لكنه في جوهره يكشف استمرار نظرة تقليدية إلى المرأة نفسها. نظرة تعتبر الرجل المعيل الأصلي للأسرة، والمرأة شخصا يحتاج إلى الحماية بعد فقدانه، لكنها تستعصي على استيعاب أن تكون المرأة هي المعيلة، وأن يكون زوجها وأبناؤها في حاجة إلى الحماية نفسها بعد رحيلها.
هذا المثال هو من بقايا تصور اجتماعي أوسع، ظلت قوانين الحماية الاجتماعية المغربية تحتفظ بآثاره حتى بعدما تغير المجتمع الذي وُضعت لتنظيمه. فإلى غاية غشت 2025، كانت المادة السادسة من القانون المتعلق بالتغطية الصحية الأساسية تفرض تسجيل الأبناء في تأمين الأب عندما يكون الزوجان مؤمَّنا لهما معا.
احتجنا إلى تعديل تشريعي دخل حيّز التنفيذ سنة 2025، حتى يصبح من حق الزوجين اختيار الهيئة التي يُسجَّل لديها أبناؤهما باتفاقهما. أي أن القانون احتاج إلى كل هذا الوقت ليتقبل فكرة أن الأم التي تشتغل وتساهم في التأمين الصحي يمكن أن تكون هي الأخرى مصدر الحماية الاجتماعية لأبنائها، وليس مجرد مستفيدة محتملة من حماية زوجها.
لقد قطع المغرب أشواطا مهمة في توسيع حقوق النساء، وفي الاعتراف باستقلالهن الاقتصادي والاجتماعي، وأقر دستوره المساواة بين الجنسين، وفتح أوراشا كبرى لتعميم الحماية الاجتماعية. لكنه لم يستكمل بعد مراجعة القوانين التي تنظم تفاصيل هذه الحماية، حتى تتخلص من التصورات القديمة التي بُنيت عليها، ولم تعد لها شرعية في الواقع.
ولعل ما يزيد هذه المفارقة وضوحا أن الدولة تستعد اليوم لتوسيع الحماية المخصصة للأرامل وتحسين معاشاتهن، وهي خطوة تستحق التنويه، لكن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تختزل في توسيع حقوق فئة مع إبقاء فئة أخرى خاضعة لشروط مختلفة لمجرد جنس المستفيد.
هذا خرق صريح للدستور الذي قال في فصله الشهير (19): “يتمتّع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية…”، ثم نصّ في الفصل 31 على التالي:
“تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في:
العلاج والعناية الصحية؛
الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة”.
لا يتعلق الأمر، كما قد يوحي النقاش حول الاقتطاعات، باعتبار معاش التقاعد رصيدا بنكيا تنتقل ملكيته إلى الورثة بعد وفاة صاحبه. فأنظمة التقاعد تقوم على قواعد التضامن والتأمين الاجتماعي، ومعاشات ذوي الحقوق ليست تركة توزع تلقائيا. لكن هذا لا يمنع طرح سؤال لماذا تختلف شروط الحماية التي يوفرها النظام نفسه للأسرة، تبعا لكون صاحب الحق الأصلي رجلا أو امرأة؟ ألا يستحق هذا الخرق السافر للدستور عرض القانون على المحكمة الدستورية للنظر في هذا التمييز القائم على الجنس؟
قد تكون بعض الفوارق القديمة قد وُضعت أصلا لحماية النساء في زمن كانت مشاركتهن في سوق الشغل محدودة، وكان اعتمادهن الاقتصادي على الأزواج هو الغالب. لكن ما كان يبدو تدبيرا حمائيا في سياق اجتماعي معين، يصبح اليوم مصدرا للتمييز حين تتغير بنية الأسرة وأدوار أفرادها.
القيمة الحقيقية للسؤال الذي أثارته ريم شباط ليست في كون معاش الموظفة يضيع بمجرد وفاتها، فذلك غير دقيق قانونيا، بل في التنبيه إلى أن نظاما يفترض أن يحمي الأسرة من فقدان أحد مصادر دخلها لا يزال يحدد بعض شروط هذه الحماية انطلاقا من جنس الشخص الذي فقدته.
وإذا كانت الحكومة الجديدة قد وضعت توطيد دولة الحق والقانون، وتعزيز العدالة الاجتماعية، في مقدمة التزاماتها، فإن اختبار هذه الوعود لا يوجد فقط في المليارات المرصودة للبرامج الجديدة، بل أيضا في مراجعة النصوص التي تُبقي على فوارق لم يعد لها ما يبررها اجتماعيا، وقبل ذلك، عدم إنتاج نصوص تمييزية جديدة.
فالمساواة لا تتحقق بمجرد أن نسمح للمرأة بأن تشتغل وتؤدي الضرائب والاشتراكات والمساهمات في الصناديق والتعاضديات مثل الرجل، بل حين نعترف أيضا بأن أسرتها تستحق الحماية على قدم المساواة مع أسرته.
أما أن نساوي بينهما في الاقتطاع، ثم نفرق بينهما في شروط الاستحقاق، فتلك مساواة تبقى ناقصة حتى بعد الموت.