“القصر الكبير” تحت الماء.. ليلة ثانية عصيبة على ضفاف وادي اللوكوس
بعد ليلة أولى صعبة، عاشت مدينة القصر الكبير ليلة الخميس–الجمعة ظرفًا طارئًا شديد التعقيد، نتيجة تساقطات مطرية غزيرة غير مسبوقة، وارتفاع منسوب مياه وادي اللوكوس، وبلوغ سد وادي المخازن سعته القصوى.
ما بين فيضانات جارفة، وحالة استنفار رسمي ومدني محلي، وعمليات إخلاء للمنازل، ومبادرات تطوعية، تطوّر المشهد إلى ما يشبه “نكبة” حقيقية لسكان المدينة.
شهدت المدينة ارتفاعًا قياسيًا في منسوب المياه بالأحياء المنخفضة، ما حوّل العديد من الشوارع إلى أنهار جارية، وغمرت مياه الأمطار والأودية أجزاءً واسعة من الأحياء السكنية.
وأعلنت السلطات المحلية حالة استنفار قصوى، في ظل تحذيرات من ارتفاع مستويات المياه إلى نحو متر في بعض المواقع، مع استمرار هطول الأمطار.
وأظهرت صور من عين المكان انتشارًا واسعًا للسيول التي تجاوزت قدرة البنية التحتية المحلية على التصريف، مما تسبب في تسرب المياه إلى المنازل وتعطيل مظاهر الحياة اليومية لعدد من السكان.
أسفرت توصيات خلية الأزمة، برئاسة عامل إقليم العرائش، عن توجيه دعوات للإخلاء الفوري لسكان عدة أحياء معرّضة بشكل مباشر لخطر الفيضانات، من بينها: حي الديوان، الأحياء القديمة، الضحى، الشروق، الأندلس، أولاد أحمايد، السعادة، وحيّا الأمل والمرينة، إضافة إلى أحياء أخرى منخفضة.
وفي الساعات المتأخرة من ليلة الخميس، تسارعت عمليات إجلاء الأسر، خصوصًا المرضى، وكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، حيث جرى مساعدتهم على مغادرة المنازل التي حاصرتها المياه، ونقلهم إلى دور الشباب وأماكن أكثر أمانًا.
غير أن عمليات الإخلاء لم تكن سلسة بالكامل، إذ أبدى بعض السكان رفضهم مغادرة منازلهم، إما بدافع التعلق بالممتلكات، أو الخوف من السرقات، أو بسبب عدم الثقة في قدرة السلطات على توفير بدائل ملائمة للإيواء.
وعلى الصعيد الرسمي، جرى تعبئة فرق الطوارئ المحلية، والوقاية المدنية، ومختلف الأجهزة المعنية، في محاولة للسيطرة على الوضع، حيث وُجهت الجهود نحو إقامة حواجز رملية، وضخ المياه، وتحسين حركة المرور بالمناطق الأقل تضررًا.
وتفاقمت تداعيات الفيضانات بخروج المستشفى المركزي بالقصر الكبير عن الخدمة بعد غمره بالمياه، ما استدعى إخلاءه بالكامل، إلى جانب إخلاء مصحة خاصة مجاورة، في عملية وُصفت بالمنظمة، حيث جرى توزيع المرضى على عدد من المراكز الصحية داخل المدينة، مع ضمان استمرارية التكفل بالحالات المستعجلة وحالات الولادة دون تسجيل أية اختلالات كبرى.
وفي موازاة ذلك، فُرضت قرارات استعجالية على أعلى مستوى، من بينها الإعلان عن عقد اجتماع حكومي عاجل برئاسة وزير الداخلية، لمتابعة تطورات الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، مع التأكيد على التعبئة الشاملة لجميع القطاعات المعنية.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس جماعة القصر الكبير أن الملك محمد السادس أعطى تعليماته من أجل الشروع في نصب خيام تابعة للقوات المسلحة الملكية ابتداءً من يوم الجمعة، بهدف إيواء المواطنين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم بسبب الفيضانات، في إطار استجابة سريعة لحاجيات الأسر المتضررة، في انتظار تحسن الأوضاع.
وأظهرت المعاينات الميدانية أن الأحياء المتضررة تمتد على مسافة تقارب خمسة كيلومترات، من مدخل المدينة في اتجاه العرائش إلى وسطها، مع تسجيل غمر ما يقارب نصف المجال الحضري بدرجات متفاوتة، واستمرار ارتفاع منسوب المياه ببعض المناطق رغم توقف التساقطات، بسبب التدفق القوي لوادي اللوكوس.
واضطرت السلطات إلى قطع التيار الكهربائي عن الإنارة العمومية بعدد من الأحياء المغمورة تفادياً للمخاطر، في وقت تضررت فيه عشرات السيارات، ولا تزال عمليات سحبها متواصلة.
بالموازاة مع ذلك، برزت دعوات مبكرة لأعمال تطوعية من طرف مواطنين وجمعيات المجتمع المدني، لمساندة السلطات في عمليات الإجلاء وتأمين المناطق، خاصة بالأحياء التي غمرتها المياه بشكل سريع.
كما شارك عدد من المتطوعين في تقديم الدعم اللوجستي ونقل المتضررين إلى أماكن آمنة، في مبادرات عكست تلاحمًا مجتمعيًا في مواجهة هذه الأزمة الطارئة.
ومع ذلك، لم يخلُ الوضع من انتقادات تتعلق بضعف التنظيم والتنسيق بين الجهات الرسمية والمبادرات الشعبية، ما أثار نقاشًا حول أفضل السبل لاستثمار الموارد والمساعدات الجماعية بشكل أكثر نجاعة.
انتهت الليلة الثانية في القصر الكبير على وقع ترقّب مرير، بعدما أعادت الأزمة إلى الواجهة ملف البنية التحتية وضعف آليات الاستباق.
ومع فجر يوم الجمعة 30 يناير، ظلت المدينة في حالة توجّس وحذر، وسط استمرار الاستنفار وتوقعات بتفاقم الوضع في حال تواصل التساقطات المطرية، مع التأكيد على ضرورة احترام تعليمات الإخلاء واللجوء إلى الإقامة المؤقتة في أماكن آمنة.
وتعود أسباب هذه الأزمة إلى التساقطات المطرية الاستثنائية التي عرفها حوض اللوكوس خلال الأسابيع الماضية، والتي تجاوز معدلها التراكمي 600 مليمتر منذ شهر شتنبر، ما أدى إلى امتلاء سد وادي المخازن بالكامل.
ورغم تفعيل حالة التأهب واتخاذ إجراءات وقائية مسبقة، من قبيل إقامة حواجز رملية، وبرمجة طلقات مائية، وتنقية قنوات الصرف، فإن حجم الواردات المائية فاق قدرة هذه التدابير، لتتحول حالة الحذر إلى أزمة ميدانية فرضت إجلاء أحياء بأكملها.