العيناوي أكبر من ضجيجنا
لا يمكن للمرء إلا أن يتضامن مع البطل الأسطوري في رياضة التنس، يونس العيناوي، وابنه نائل، الذي يقاتل اليوم بالروح والدم في ميادين الكرة. كلاهما دافع، بطريقته، عن القيم التي تصنع الوطنية الحقيقية وتشرّف المغرب “بصح”، أي العمل، والمثابرة، والبذل، والتضحية، والإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز حدوده المعتادة.
عشنا وشفنا من لا يعطي المغرب، ولا يعطي غيره من بلاد الأرض، شيئا مما يرتقي بالإنسان أو يغذي فيه روح الصمود، يريد أن ينصّب نفسه رقيبا على قلب رجل حمل اسم المغرب إلى صدارة التنس العالمي، وبلغ بداية سنة 2002 الرتبة الأولى عالميا في ترتيب لاعبي التنس المحترفين، في إنجاز يظل أقرب إلى المعجزة بالنسبة إلى لاعب قادم من بلد إفريقي وعربي لا يحتل عادة أي موقع مركزي في خريطة التنس العالمي.
ومن صلب تلك الروح الاحترافية نفسها خرج بطل آخر اسمه نائل العيناوي، يلعب الكرة كما يلعب الفرسان في حلبات المصارعة القديمة، بقوة، وانضباط، وبطموح دائم إلى الأفضل.
ما جرى مع يونس العيناوي ليس نقاشا رياضيا، بل تجسيد جديد لهيمنة الذوق الهزيل، والاضمحلال الأخلاقي، والفقر في تربيتنا الإعلامية، والسقوط القيمي الذي تقودنا إليه حالة الإفلاس الصحافي والعجز عن إنتاج محتوى احترافي، مطوّق بقيم الأخلاق والإنصاف.
لولا ذلك، لما تحولت تصريحات رجل صادق وعفوي إلى محاكمة جماعية، ولما صار كل من يتكلم بوضوح متهما في وطنيته، فقط لأنه لم ينافق، ولم يدغدغ المشاعر بتلك الطرق الرخيصة التي بتنا ندمنها.
في حديثه عن اختيار ابنه نائل حمل قميص المنتخب الوطني، لم يكن يونس العيناوي يقدّم درسا في الهوية، ولا يفاضل بين المغرب وفرنسا، ولا يبرّد حرارة الانتماء كما تخيل أصحاب المقاطع المبتورة. كان يونس يروي وقائع عاشتها العائلة، من اهتمام مغربي مبكر، وتواصل مستمر من وليد الركراكي، وإصابة في الركبة أخّرت الالتحاق، ورغبة واضحة لدى اللاعب في ألا يأتي إلى المنتخب لمجرد الحضور، بل حين يصبح جاهزا للعب والمساهمة فعليا.
هذا، في أي عقل سليم، منطق احترافي وناضج. لكن العقل الذي ثار غاضبا، دون أن يفهم، يريد تربية المغاربة على وطنية “زطوطوطو”، لا على وطنية الإيمان بالإنسان، وبالأخلاق، وبالقيم الأصيلة الجامعة، وفي مقدمتها الصدق والوضوح وعدم النفاق.
يونس العيناوي لم يقل إن نائل لا يحب المغرب. أبدا، هذا فهم العقول الصغيرة، بل قال إن مسار اللاعب تحكمه معطيات رياضية، وفرص تطور، ومشروع كروي، وجاهزية بدنية، واختيار شخصي. وهذا بالضبط ما قاله، بصيغة أخرى، فوزي لقجع نفسه حين تحدث عن انجذاب أبناء الجالية إلى المنتخب الوطني لأنهم يجدون فيه اليوم “مشروعا رياضيا مغريا”.
في خروجه الإعلامي الأخير عشية المونديال، لم يقل لقجع إن الجامعة تدخل قلوب اللاعبين لتقيس منسوب حبهم للمغرب، ولم يدّع امتلاك جهاز يكشف الوطنية في الدم. قال ما يقوله المسؤول الرصين: المشروع القوي يجذب المواهب. وهذا يُحسب للمسؤول الأول عن كرة القدم المغربية.
أما في موضوع نهائي كأس إفريقيا أمام السنغال، فقد تحدث العيناوي بقلب الرياضي المحترف. الرياضي يريد أن يفوز في الملعب. ويريد أن يخرج باللقب من العشب، لا من المكاتب وقاعات المحاكم. هذا لا يعني أنه ضد القانون، ولا ضد الدفاع عن الحقوق، ولا ضد قرارات الهيئات الرياضية حين تقع أحداث لا رياضية أو انسحابات أو فوضى. لكنه يقول شيئا بسيطا لكنه صادق: البطل لا يشعر بلذة اللقب كاملة إلا حين ينتزعه “ساخنا” في الميدان.
هل في هذا خيانة؟ هل في هذا طعن في المغرب؟ أم أن الخلل في قوم لم يعودوا يحتملون الجملة الصادقة إذا لم تأت ملفوفة في نشيد حماسي مبتذل؟
الذين هاجوا على العيناوي يريدون منا أن ننقسم إلى “وطنيين” و“خونة وجواسيس”، فقط لأن رياضيا تكلم بعقلية رياضي. يريدون أن يتحول اختيار اللعب لمنتخب وطني إلى امتحان عقائدي، مع أن ملايين المغاربة مزدوجي الجنسية يحققون إنجازات علمية ومهنية واقتصادية وثقافية في بلدان ولدوا فيها أو هاجروا إليها، دون أن يكون ذلك مدعاة للطعن في أصلهم أو وجدانهم أو علاقتهم ببلدهم. بل اختيار هؤلاء العمل لحساب بلدان ولادتهم أو دراستهم أو عملهم، هو من “فعايل أولاد الناس” والتربية الصالحة.
عباد الله، الوطنية ليست صراخا. الوطنية ليست مزايدة. الوطنية ليست أن تفتش في نوايا الناس وتضع ضمائرهم فوق طاولة التشريح. الوطنية أن تعمل، وأن تجتهد، وأن ترفع اسم بلدك بما تصنعه لا بما تصرخ به. الوطنية أن تكون مثل يونس العيناوي حين يصنع مجدا من لا شيء، ومثل نائل حين لا يرضى عن نفسه إلا نادرا، لأنه يؤمن أن كل مباراة كان يمكن أن تكون أفضل.
هذا هو الدرس الذي كان ينبغي أن نلتقطه، لشاب مهووس بالكرة منذ طفولته، يتابع رونالدينيو بدل الرسوم المتحركة، يضيء ملعبا صغيرا في بيته ليلا كي يجرّب حركة فنية، ولا يخرج من الملعب مبتسما لأنه يعرف أن طريق التطور لا يمر عبر الرضا السهل. وأب يرى في الرياضة ملاذا ومدرسة للشغف والانضباط، لا مناسبة لتوزيع صكوك الوطنية على الناس.
نعم، يجب أن نغضب. لكن ليس من يونس العيناوي. يجب أن نغضب من التفاهة حين ترتدي قناع الغيرة على الوطن. ومن الإعلام حين يبتر الكلام ليصنع الغضب. ومن القطيع حين يسبق فهمه حكمه. ومن هذا الميل المخيف إلى التخوين قبل الإنصات، وإلى الشتيمة قبل الحجة، وإلى نصب المشانق الرمزية لكل من لا يقول ما نريد سماعه حرفيا.
يونس العيناوي لم يسقط. نحن الذين كدنا نسقط في امتحان بسيط، ننجح فيه عندما ننصت قبل أن نحكم، ونفهم قبل أن نهاجم، ونميز بين الوطنية العميقة والوطنية الصاخبة. الأولى تبني أبطالا. والثانية تنتج ضجيجا.
وشتان بين من يحمل المغرب بعرقه، ومن لا يحمل منه إلا عبارات هزيلة في الفم.