story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

السياسة وكرة القدم.. كأس إفريقيا بوصفه ساحة صراع على القوة الناعمة

ص ص

لم تعد كرة القدم مجرد لعبة أو منافسة رياضية معزولة عن السياق السياسي، بل تحوّلت، منذ نهاية الحرب الباردة، إلى أحد أهم أدوات القوة الناعمة بالمعنى الذي صاغه جوزيف ناي، أي القدرة على التأثير في الآخرين عبر الجاذبية والرمزية والنجاح النموذجي، بدل الإكراه أو القوة الصلبة.

في هذا الإطار، تمثل البطولات القارية والدولية فضاءات رمزية تتقاطع فيها الرياضة بالسياسة، حيث تسعى الدول إلى تثبيت صورتها كقوى صاعدة، مستقرة، قادرة على التنظيم والقيادة، وهو ما يجعل الاستثمار في كرة القدم جزءًا من استراتيجية أوسع للتموقع الإقليمي والدولي.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة تنظيم كأس إفريقيا الأخيرة، ولا مسارها ونتيجتها، بمعزل عن البيئة السياسية والإعلامية التي أحاطت بالبطولة، والتي كشفت أن ما كان مطروحا لم يكن فقط التنافس على كأس، بل الصراع على من يملك حق تحويل كرة القدم إلى إنجاز رمزي وسياسي.

كرة القدم كقوة ناعمة.. الرهان غير المعلن

وفق أدبيات علم السياسة، تمثل الرياضة أحد أهم أدوات القوة الناعمة، أي القدرة على كسب الإعجاب وبناء الجاذبية دون إكراه. الدول التي تنجح في تنظيم التظاهرات الكبرى تحقق مكاسب تتجاوز المجال الرياضي إلى السياسة والدبلوماسية والاقتصاد.

يبدو أن المغرب كان واعيا بهذا الرهان، فاستثماره في البنية التحتية وتطوير الملاعب وتحسين الخدمات، لم يكن هدفه فقط إنجاح بطولة، بل ترسيخ صورة دولة إفريقية صاعدة، قادرة على الجمع بين الاستقرار السياسي والانفتاح النسبي والكفاءة التنظيمية.

جاء تنظيم كأس إفريقيا ليؤكد هذا التوجه، فقد انبهر الزوار من لاعبين وإعلاميين وجماهير بمستوى التطور العمراني وجودة الملاعب والبنية التحتية، وتحولت البطولة، في أيامها الأولى، إلى نافذة دعائية غير مباشرة للمغرب، عكست صورة إيجابية قلّما تحظى بها دول الجنوب.

وهنا وقع التحول، فحين برز المغرب كنموذج ناجح في محيط إقليمي مضطرب، أصبح تلقائيا هدفا لمحاولات التشويش، وهنا انتقلت المنافسة من الملاعب إلى الفضاء الإعلامي.

من المنافسة الرياضية إلى الحملات الدعائية وصناعة الشك..

بالتوازي مع المباريات، تصاعد خطاب إعلامي يروج لفكرة أن المغرب يسعى للفوز “بأي ثمن”، عبر التأثير على الحكام أو تهيئة الظروف لصالحه. هذه السردية لم تُبنَ على وقائع دامغة، بل على منطق الإيحاء والتكرار، وهو من أخطر أساليب الدعاية السياسية.

فالهدف لم يكن إثبات تهمة، بل زرع الشك، وتحويل النجاح التنظيمي إلى قرينة اتهام، وكلما ازداد إعجاب المتابعين بالبطولة، ازداد الإصرار على تصوير المغرب كطرف “غير نزيه”، في محاولة لسحب البساط الرمزي من تحت قدميه.

ولعبت بعض المنابر الرياضية المؤثرة، وعلى رأسها قنوات عابرة للحدود، دورا محوريا في تعميم هذا الخطاب، وساهم إعلاميون ذوو حضور واسع، من بينهم حفيظ دراجي، في ترويج سردية التحيز التحكيمي، بشكل جعلها تبدو وكأنها “حقيقة متداولة” لا مجرد رأي.

هنا، تحول الإعلام الرياضي من ناقل للحدث إلى فاعل سياسي غير مباشر، يصنع التأطير الذهني للمباريات، ويؤثر في سلوك الجماهير واللاعبين والمنتخبات، وربما حتى في قرارات الحكام أنفسهم.

استثمرت هذا المناخ المشحون المنتخبات المنافسة ومنها السنغال التي أوقعت الجميع في فخ الدعاية والاتهام المباشر للمغرب، وتجلّى أثر هذا المناخ بوضوح في مباراة المغرب والسنغال، فعندما احتُسبت ضربة جزاء مشروعة لصالح المغرب في الدقائق الأخيرة، لم يكن الاحتجاج مجرد رد فعل تقني، بل انفجارا لشحنة نفسية غذّتها ثلاثة أسابيع من التشكيك.

احتج المدرب واللاعبون، وحدث انسحاب مؤقت من المباراة، صُوّر خلاله المغرب كطرف مستفيد من “تواطؤ تحكيمي”. ومع أن المنتخب السنغالي عاد للعب، فإن الضغط الإعلامي والنفسي كان قد أدى مفعوله، ليس فقط على الخصم، بل على اللاعبين المغاربة أنفسهم، الذين وجدوا أنفسهم فجأة في موقع الاتهام، لا المنافسة.

الهزيمة كقرار رمزي والمغرب عقدة سياسية إقليمية

انتهت المباراة بهزيمة المغرب، لكن هذه الهزيمة لا يمكن قراءتها فقط بمنطق الرياضة، فالرسالة الأعمق كانت واضحة: المغرب يمكن أن يُهزم كرويًا، لكن الأهم أن لا ينتصر رمزيًا.

فالتتويج، لو تحقق، كان سيعني تثبيت صورة المغرب كقوة ناعمة إفريقية بامتياز: تنظيم ناجح، جمهور، بنية تحتية، ولقب قاري. وهو ما كان سيُحرج خصومه الإقليميين، ويعزز موقعه في معادلة النفوذ داخل إفريقيا وخارجها.

تزداد دلالة هذه القراءة حين يُستحضر السياق السياسي الإقليمي، فالمغرب بمناخه السياسي المنفتح نسبيا مقارنة ببعض دول الجوار، وبحركيته الدبلوماسية، ومساره الإصلاحي المتدرج، يمثل نموذجا مزعجا لأنظمة تعاني من أزمات شرعية أو انسداد سياسي.

ومن هذا المنظور، لم يكن التشويش الإعلامي على كأس إفريقيا حدثا معزولا، بل جزءا من صراع رمزي أوسع على من يملك حق تمثيل النجاح في المنطقة، ومن له القدرة على تحويل الرياضة إلى مصدر شرعية وجاذبية.

والخلاصة

أن تجربة كأس إفريقيا تكشف أن كرة القدم، في عالم اليوم، لم تعد بريئة، فهي فضاء صراع، ومجال اختبار للقوة الناعمة، وساحة حرب رمزية بامتياز. المغرب قد يخسر مباراة، أو حتى بطولة، لكن الأكيد أنه دخل مرحلة جديدة أصبح فيها نجاحه الواضح سببا في استهدافه.

وفي السياسة كما في كرة القدم، ليست كل الهزائم فشلا، كما ليست كل الانتصارات بريئة، والأهم هو فهم قواعد اللعبة والاستعداد لها بما يلزم من صلابة نفسية وإدراك سياسي وتفوق أخلاقي دون السقوط في الخبث الكروي الذي انزلق إليه الخصوم..

وهذا هو الأهم، وهو مكمن انتصار المغرب عن جدارة واستحقاق..