story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

السعودية الطموحة وإيران الجريحة

ص ص

أدلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتصريحات صادمة في حق المملكة العربية السعودية وولي عهدها نهاية الأسبوع الماضي. لكن المشكلة ليست في ما تضمّنته من كلام سوقي وبذيء، بل تكمن في ما كشفته.

فالرجل، بشخصيته المندفعة والمتهورة، لم يخطئ التعبير فقط، بطريقته الفجة التي تمزج بين منطقي السوق والسياسة، بقدر ما أزاح الغطاء عن طبيعة اللحظة.

لقد كان ولي عهد المملكة، محمد بن سلمان، في خطاب واحد، موضوع إساءة وتنويه في الآن ذاته. إهانة ثم إشادة فسخرية أعقبها تمجيد. وهذه ليست مفارقة عابرة، بل توصيف دقيق لوضع جديد يتشكل، يُعاد فيه تعريف العلاقة بين واشنطن والرياض، ليس كحليفين متساويين، بل علاقة مركز غربي وهوامش، تُعاد صياغتها وفق منطق جديد.

القراءة التي تتوقف عند العبارة الصادمة وحدها تظل سطحية. لأن ما جرى لم يكن انزلاقا لفظيا، بل تعبيرا مكثفا عن انتقال استراتيجي أعمق. فدونالد ترامب لم يكن يستعرض سلطته (الحقيقية أو المتوهّمة) فقط، بل كان يضع السعودية في موقعها الجديد داخل معادلة تتشكل تحت ضغط الحرب.

معادلة لا تُختزل في المواجهة مع إيران، بل تتجاوزها إلى إعادة ترتيب المجال الإقليمي برمته، وتحديد من سيكون مركزه ومن سيبقى على أطرافه.

تبدو الحرب الدائرة حاليا، في الظاهر، عبارة عن ضربات أمريكية-إسرائيلية، وردود إيرانية، وتصعيد يكبر رغم مناورات التفاوض غير المباشر. لكن هذا الوضوح يخفي طبقة خفية عميقة. فما يجري ليس مجرّد محاولة لإضعاف إيران، بل هو عملية إنهاك للخصم التاريخي وتأهيل للبدائل.

إيران تُستنزف، نعم، لكنها لا تنهار. وهذا ما يجعلها أخطر. لأنها تخرج من الحرب كقوة جريحة، لا كدولة فاشلة ومنتهية بالتفكّك أو الحرب الأهلية. وقد أثبتت طهران، عبر ضربها للقواعد الأمريكية داخل السعودية، وفي اللحظة نفسها التي كان ترامب يتحدّث فوق منصة في ميامي بشأن المملكة، وعبر قدرتها على توسيع دائرة الاشتباك بإدخال الحوثيين إلى الحلبة، أن المعركة لن تبقى محصورة في حدودها.

توسيع الجبهة هذا تم عبر دخول الحوثيين الذين وجهوا صواريخهم نحو إسرائيل من جديد، والتهديد بفتح جبهة البحر الأحمر، واستهداف الممرات الحيوية بما فيبها باب المندب… إشارات تدلّ على أن الحرب تتجه نحو إعادة تعريف الجغرافيا الاستراتيجية للطاقة. فحين يُطرح باب المندب كجبهة محتملة، فإن المسألة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت اقتصادية وجيوسياسية في آن واحد.

لقد نجحت المملكة العربية السعودية في الالتفاف على إغلاق مضيق هرمز عبر خطها النفطي نحو البحر الأحمر، لكنها اليوم تجد نفسها أمام تهديد مضاعف، أي استهداف مساراتها البديلة بعد استهداف منشآتها الطاقية وخروجها نحو العالم عبر باب المندب.

ومع ذلك، تختار الرياض الحذر. وتمتص الضربات. وتؤجل الرد. وتحافظ على مسافة محسوبة. ليس ترددا، بل إدارة دقيقة للتموقع. تدرك المملكة أن هذه الحرب ليست حربها، لكنها أيضا ليست خارج دائرة تأثيرها. هي جزء منها، لكن بصيغة القوة التي يُعاد تأهيلها لتكون محور المرحلة المقبلة، أو جزءا منها على الأقل.

الاتفاق النووي الذي يُحضّر للسعودية في واشنطن، بين الكونغرس والبيت الأبيض، لتحصل بموجبه على حق إنتاج الطاقة النووية لأغراض مدنية؛ لا يمكن فهمه كملف تقني. بل هو جزء من إعادة توزيع النفوذ في المنطقة، وبمثابة فتح محتمل لباب توازن ردع جديد، أو على الأقل لإمكانية امتلاكه.

كذلك الضغط المتكرر للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام لا يمكن اعتباره تفصيلا دبلوماسيا، بل شرط إدماج في منظومة أمنية جديدة، سيكون مركزها الرياض لا سواها.

حتى حديث ترامب عن “إنقاذ الشرق الأوسط”، وعن أن دول الخليج “قاتلت” مع أمريكا في هذه الحرب، لم يكن مجرد أسلوب بلاغي. بل كان تثبيتا لرواية جديدة ملخصها أن هذه الحرب ليست حربا أمريكية فقط، بل حرب نظام إقليمي يُعاد بناؤه، والسعودية في قلبه دون شك.

هذا ما يفسر التناقض الظاهر في موقف الرياض. فهي، من جهة، لم تكن ترغب في الحرب، وقد حاولت في السنوات الأخيرة بناء مسار تهدئة مع طهران. لكنها، من جهة أخرى، تجد نفسها اليوم في موقع يحتاج إلى حسم نتائج هذه الحرب، وهو ما تقدّمه الصحف الأمريكية في شكل تسريبات تُظهر المملكة في موقف المحرّض على إيران في السرّ.

فبقاء هذه الأخيرة قوية بعد الحرب، يعني استمرار التهديد البنيوي لنموذجها الاقتصادي والسياسي، لأنها ستكون إيران جريحة.

النموذج الذي بشّر به ولي العهد السعودي، والذي يقوم على جذب الاستثمارات والانفتاح وإعادة تشكيل الاقتصاد، لا يمكن أن يعيش في بيئة “ملوّثة” بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ودول الخليج، كما تُظهر قرائن متعددة، لم تكن تريد الحرب، لكنها تحتاج إلى حسمها. نصف هزيمة لإيران تعني تهديدا مضاعفا ودائما. لهذا، فإن الموقف السعودي يبدو مترددا في الظاهر، لكنه في العمق يجمع بين تجنب الانخراط المباشر، وعدم معارضة استكمال الحرب حتى نهايتها.

في مقابل تقدّم السعودية، يتراجع الآخرون. فالأدوار التي لعبتها قطر والإمارات خلال العقدين الماضيين، خاصة بعد الربيع العربي، تبدو اليوم في طور الانكماش. والضربات التي طالت البنية الاقتصادية والأمنية في الخليج، والاحتكاكات المتزايدة بين العواصم نفسها، تشير إلى نهاية نموذج الأدوار الوظيفية المتعددة. ما يُبنى الآن هو مركز ثقل واحد، لا شبكة مراكز. وهذا المركز هو السعودية.

لكن هذا الصعود نفسه محفوف بالمخاطر. إيران، في حالتها الراهنة، ليست خصما يمكن تجاوزه بسهولة. بل ستخرج من الحرب قوة جريحة، تميل إلى توسيع نطاق الألم، وتوزيعه، بدل احتوائه. كل ضربة توجهها، وكل جبهة تفتحها، لن تكون ردا عسكريا محضا، بل محاولة لفرض معادلة “إذا لم أكن مركز التوازن، فلن يكون هناك توازن أصلا”.

هنا، يتقاطع الطموح السعودي مع “الجرح” الإيراني. طموح الصعود إلى مركز النظام الإقليمي، في مواجهة خصم جريح يرفض الخروج منه. وبين الجانبين، تقف الولايات المتحدة، ليس كضامن دولي موثوق، بل كفاعل متقلّب، قادر على تأجيج الوضع والدفع نحو التصعيد، وربما الانسحاب في لحظة ما.

بالتالي فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه اللحظة لا يتعلّق بترامب، ولا بعباراته السوقية. بل يتعلق بما إذا كانت السعودية قادرة على إدارة هذا الانتقال دون أن تتحول إلى ساحة للصراع. لأن التحول من موقع الحليف “الساكن” إلى دور المحور الإقليمي لا يتم دون تكلفة. وغالبا ما تكون هذه التكلفة، في الشرق الأوسط، ومنذ “الثورة العربية” على الحكم العثماني، أعلى مما يُتوقع.

لم يكن دونالد ترامب، في خطابه نهاية الأسبوع الماضي في ميامي، يُهين بقدر ما كان يُعلن أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة. وأن السعودية، بكل ما تمثله من ثقل وموارد وطموح، لم تعد مجرد لاعب ضمن اللعبة، بل أصبحت إحدى قواعدها.