story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

السحر والشعوذة في كرة القدم الإفريقية.. حين يختلط الضغط النفسي بالموروث والخرافة

ص ص
أكثر المشاهد إثارة في المباراة النهائية لكأس إفريقيا للأمم لكرة القدم بالمغرب، والتي جابت وسائل إعلام عالمية، بالإضافة إلى وسائل التواصل الإجتماعي، كانت تجاذب جامعي الكرات وعناصر الأمن الخاص ولاعبي المنتخب الوطني المغربي والسنغالي حول منشقة بقرب مرمى السنغاليين.
وقبل انطلاق المباراة رصدت عدسات المصورين أحد مرافقي منتخب “أسود التيرانگا” وهو يرش سائلا من قنينة على عشب الملعب بشكل أثار استغراب كل من عاين اللقطة.
هي واحدة من أكبر الظواهر التي ارتبطت بكرة القدم الإفريقية منذ القديم، وتتعلق بطقوس السحر والشعودة والإيمان بالتأثيرات الخرافية للتمائم والرموز والكتابات الغامضة على تغيير نتائج المباريات والمساعدة على كسب التنافس الرياضي على رقعة الميدان.
هذه التصرفات، وإن بدت للبعض مجرد خرافات، إلا أنها تسبب ضغطاً نفسياً هائلاً على اللاعبين. السحر والشعوذة في كرة القدم ليس أمراً جديداً، لكن في مباراة بحجم نهائي “كان 2025” بين المغرب والسنغال، تأخذ هذه السلوكات أبعادا أخرى لدى الرأي العام العالمي، على مستوى صورة القارة السمراء، ودرجة الوعي فيها، وأيضا تأثير هذه الطقوس الخرافية على المستوى التقني للمباريات.
 
جذور ثقافية
ترتبط هذه الظاهرة بموروث ثقافي عميق في عدد من دول أفريقيا، حيث تتداخل الحياة اليومية مع المعتقدات الروحية، ويُنظر إلى الصدفة على أنها أمر غير موجود، وأن لكل حدث سبباً خفياً. لذلك، تنتقل هذه الذهنية إلى الملاعب، فتتحول المبارايات إلى مساحة تختلط فيها المهارة الرياضية بالطقوس الرمزية لجلب الحظ أو دفع “النحس”، وفي أحيان كثيرة إلى التأثير على الخصم، وإخراجه ذهنيا من التباري.
تذكر صحيفة “التلغراف” أن اتهامات السحر الأسود أو الشعوذة ليست جديدة في كرة القدم الأفريقية، على الرغم من أن معظمها يندرج تحت خانة الشائعات.
رش الملح أمام حافلة الفريق قبل دخولها الملعب، والسير إلى أرض الملعب للخلف فقط، ورحلات التخييم في المقابر لفرق بأكملها ليلة المباراة. كل ذلك هو لجلب الحظ والفأل الحسن.
يقول القس فرانسيس ج. بوتشواي، مؤلف كتاب “السحر والشعوذة في كرة القدم الأفريقية: خرافة أم حقيقة؟” “سواءً كنت ذاهبا إلى مباراة كرة قدم أو إلى حرب، كنت تحاول استحضار قوى الآلهة، الذهاب إلى المقابر، ورش الماء، أي شيء من شأنه أن يساعدهم على تحقيق النجاح”.
وبحسب الكثير من المصادر الإعلامية، فإن العديد من مناطق القارة السمراء، يمتد فيها الإيمان بـ “الفودو” والممارسات الروحية التقليدية إلى ما هو أبعد من الدين، ووجد طريقه تدريجياً إلى عالم الرياضة، إذ ينظر إليه غالباً كقوة قوية يمكنها التأثير على الأحداث، وجلب الحظ الجيد، أو صد سوء الحظ.
وينسب اللاعبون والمدربون وحتى المشجعون الانتصارات أو الهزائم أحياناً إلى تدخلات روحية. ففي دول مثل نيجيريا وغانا والسنغال، غالباً ما يسعى الرياضيون للحصول على بركات المعالجين التقليديين أو الشامان قبل المنافسات.
 
شهادات تكشف الظاهرة
كشف ميموري موتشيراوا، أسطورة كرة القدم الزيمبابوية، في سيرته الذاتية الصادرة عام 2017 عن انتشار السحر قائلاً: “كان الفريق يستشير معالجاً تقليدياً كل أسبوع قبل المباراة. بصفتي قائد الفريق، كنت أنفذ ما يقوله المعالج الشعبي. لا أعلم مدى فائدة ذلك لنا بالفعل”.
ويتابع: “كان الفريق يؤمن بالسحر أكثر مما يؤمن بقدرات اللاعبين. كنا نؤمن بالاستخدام الجماعي للسحر، ونستشير معالجاً شعبياً واحداً كفريق. وفي معظم الحالات، كان لدينا معالجون شعبيون تابعون للفريق ويتقاضون رواتبهم منه”.
ويروي موتشيراوا أن مدرباً طُرد لأن أحد المعالجين كان يعتقد أنه يجلب النحس للفريق. كما أقدم أحد المعالجين الشعبيين على شق أصابع قدم زميل له في الفريق ليمنحه “دواء”، ثم أصر على مشاركته في اللعب رغم الألم الذي سببه ذلك.
وكشف نشيمونيا مويتوا، لاعب منتخب زامبيا السابق، لمجلة “نيو لاينز” العام الماضي، أن فريق مدرسته كان يستعين بمعالج شعبي.
ويضيف مويتوا: “كنا نحصل على السحر على شكل زيت، ونضعه على أرجلنا. ويبدو أن اللاعبين الذين آمنوا به اكتسبوا طاقة أكبر وأصبحوا أكثر حماساً. هذا ما كانوا يعتقدون أنه سيحقق النجاح للفريق، وليس التدريب في الملعب”.
من جانبه، يقول القس بوتشواي: “كان المشعوذون والسحرة يتقاضون المال غالبا مقابل ممارسات زائفة. لقد ألفت كتابي عام 2006، وقبل عشرين أو ثلاثين أو أربعين عاماً من ذلك، كانت هذه الممارسات منتشرة على نطاق واسع”.
ويعترف الصحافي الإيفواري مارشال أسيمي، في تصريحات سابقة لراديو كندا، بوجود هذه الممارسات وقال: “في الدول الأفريقية، تُعتبر كرة القدم نوعاً من الدين. يشرب الناس ويأكلون وينامون ويستيقظون ويفكرون في كرة القدم، لذا يتمنى الجميع فوز فريقهم. عندما تأتي الفرق المنافسة إلى ساحل العاج وتفوز بمبارياتها، يُشتبه في أنها جلبت معها محاربين أو قوى خفية لتحقيق هدفها”.
وتابع: “كثيراً ما نتحدث عن المشعوذين، لكننا هنا سنتحدث عن السحرة. هناك قرية في جنوب ساحل العاج تُدعى أكراديو، موطن السحرة. حتى إن صحيفة لوموند ذكرت ذلك مؤخراً. ظهر هؤلاء السحرة خلال كأس الأمم الأفريقية عام 1992. تجدر الإشارة إلى أن ساحل العاج كانت تسعى جاهدةً للفوز بهذه الكأس، لكنها لم تفز بها قط”.
 
حالات غرائبية متعددة
خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 2002، التي أقيمت في مالي، وقبل ساعات قليلة من مباراة نصف النهائي بين الدولة المضيفة والكاميرون، ألقت الشرطة القبض على مدرب “الأسود غير المروضة” وينفريد شايفر ومساعده توماس نكونو أثناء وضعهما تميمة سحرية على أرضية ملعب 26 مارس، وفق ما نقله موقع فرانس 24.
وفي تصريحات لشبكة الإذاعة البريطانية اعترف المدرب الصربي غوران ستيفانوفيتش، بوجود ممارسات الشعوذة واللجوء إلى السحر الأسود في منتخب غانا، وقال: “علينا جميعاً أن نساعد في تغيير عقلية بعض اللاعبين الذين لجأوا إلى “السحر الأسود” لتدمير بعضهم البعض”.
وأعاد تصريح المدرب الصربي إلى الأذهان الواقعة الشهيرة التي هزت فرنسا في نهاية عام 2022، بعد القضية التي كان بطلها نجم يوفنتوس سابقاً، بول بوغبا، بعد أن اتهمه شقيقه بكونه لجأ إلى مشعوذ أفريقي بهدف تعطيل مسيرة زميله في المنتخب الفرنسي، كيليان مبابي، وهي تصريحات أحدثت جدلاً واسعاً في العالم.
ووفق تقرير نشره موقع “سو فوت” الفرنسي، فإن المهاجم التوغولي، إيمانويل أديبايور، ليس على علاقة جيدة بعائلته، لدرجة أن لاعب أرسنال السابق مقتنعٌ بأن والدته، التي تمارس السحر الأسود، حاولت إيقاعه في المشاكل من خلال سحرها. ويدّعي أديبايور أنه تعرض للاحتيال من مُشعوذٍ باعه القمر والنجوم.
أما المهاجم الغاني جيان أسامواه، فقد دافع عن لجوء اللاعبين إلى المشعوذين، معتبراً أن كرة القدم لعبة يُسيطر عليها الجانب الروحاني، وبالتالي فإن اللجوء إلى مشعوذ لجلب الحظ من خلال الدعاء، لا يعتبر أمراً سلبياً.
وفي عام 2000، دخل مسؤول نيجيري إلى الملعب في منتصف المباراة لإزالة السحر من مرمى السنغال خلال ربع نهائي كأس إفريقيا. كما تم ضبط أعضاء من الجهاز التدريبي الكاميروني وهم يضعون تعويذة على أرض الملعب قبل نصف نهائي كأس إفريقيا ضد مالي في 2002.
وشوهد مشجعون لغانا يحملون أوراقاً وسوائل لإخافة الشياطين قبل مباراتهم الافتتاحية في البطولة القارية ضد غينيا في 2008.
وفي قبل نهائي كأس إفريقيا 2015، تم رؤية أندريه آيو، نجم غانا، يرش مسحوقاً أبيضاً على الملعب قبل مواجهة كوت ديفوار.
 
التحليل النفسي للظاهرة
يرتبط الحديث عن السحر الأسود في كرة القدم بتشابك معقّد بين الموروثات الثقافية الشعبية والضغوط النفسية التي تحيط بالرياضة التنافسية، حيث تتجاوز التفسيرات أحيانًا حدود المنطق الرياضي والتحليل الفني لتدخل عالم الغيبيات والخوارق.
ورغم أن العلم الحديث ينفي وجود أي قوة سحرية قادرة على التأثير الفعلي في نتائج المباريات، فإن انتشار هذه المعتقدات يفتح المجال لفهم أعمق للدوافع النفسية والاجتماعية التي تدفع لاعبين ومدربين وجماهير إلى تبنّيها، خاصة في لحظات الفشل أو الإحباط.
من منظور علم النفس، لا يُعد الإيمان بالسحر الأسود تعبيرًا عن قناعة بقدرات خارقة بقدر ما هو انعكاس لعمليات نفسية أساسية، في مقدمتها القلق، والحاجة إلى السيطرة، وآليات التبرير بعد الإخفاق. ففي بيئة رياضية مشحونة بالتوقعات والضغوط الجماهيرية والإدارية، يصبح البحث عن تفسير خارجي للهزائم أو الأداء الضعيف أكثر راحة نفسيًا من مواجهة احتمالات التقصير الذاتي، سواء في الإعداد البدني أو التكتيكي أو الذهني.
وهنا يعمل السحر كآلية دفاع نفسي تُخفف من وطأة الشعور بالذنب أو العار، وتسمح بإزاحة المسؤولية بعيدًا عن الفرد أو المجموعة.
ويشير مختصو علم النفس الرياضي إلى أن للعامل اللاواعي دورًا محوريًا في هذه الظاهرة، إذ يميل الإنسان بطبيعته إلى البحث عن أنماط وأسباب للأحداث غير المتوقعة، لا سيما في السياقات عالية الضغط مثل البطولات الكبرى والمباريات الحاسمة.
هذا السلوك، المعروف بـ«التحيز التفسيري»، يدفع الفرد إلى استبدال التفسير العقلاني بتفسير خارجي غيبي، لأنه يلبّي حاجة نفسية عميقة للشعور بالتحكم في واقع يتسم بعدم اليقين. وبهذا المعنى، تصبح المعتقدات المرتبطة بالسحر والشعوذة وسيلة ذهنية للتعامل مع الفوضى وعدم القدرة على التنبؤ بالنتائج.
وتدعم بعض الدراسات هذا الطرح، إذ تربط بين الطقوس الخرافية والسلوك الرياضي من جهة، ومستويات القلق والانزعاج العاطفي من جهة أخرى. فقد أظهرت أبحاث تناولت لاعبي كرة القدم أن اللجوء إلى معتقدات غير عقلانية، مثل السحر أو التعويذات، يرتبط غالبًا بحاجة اللاعب إلى الإحساس بالأمان والسيطرة، حتى وإن كان هذا الإحساس مؤقتًا أو وهميًا.
هذه الطقوس لا تحسّن الأداء فعليًا، لكنها قد تخفف التوتر النفسي، وهو ما يفسّر استمرارها داخل الأوساط الرياضية.
وعلى المستوى المجتمعي، يُنظر إلى السحر الأسود باعتباره جزءًا من سلوكات ثقافية موروثة تعبّر عن طريقة الجماعات في تفسير الأحداث غير المتوقعة.
وفي بعض البيئات، خصوصًا داخل كرة القدم الإفريقية، تنتشر ممارسات الاستعانة بمعالجين تقليديين أو سحرة قبل المباريات المهمة. وغالبًا ما يكون الأثر الحقيقي لهذه الممارسات نفسيًا بحتًا، يتمثل في تعزيز الثقة بالنفس، لا في قوة سحرية حقيقية.
غير أن الأخصائيين يحذّرون من تحوّل هذه المعتقدات إلى عامل سلبي حين تصبح وسيلة دائمة لتبرير الفشل أو التهرّب من المسؤولية، إذ قد تؤدي إلى زيادة القلق، وإضعاف التركيز، والابتعاد عن العمل الجاد والتحضير العلمي. وفي هذه الحالة، يتحوّل السحر من تفسير نفسي عابر إلى عائق ذهني يكرّس التراجع بدل معالجته.
كما يبيّن التحليل النفسي لظاهرة السحر الأسود في كرة القدم أن المسألة لا تتعلق بقوى خفية تؤثر في النتائج، بل بعمليات معرفية وعاطفية تعكس صراع الإنسان مع الضغط، والخوف من الفشل، والرغبة في السيطرة. وهو ما يؤكد الحاجة إلى تعزيز التوعية النفسية، وبناء الثقة بالذات، واعتماد المقاربات العلمية في التعامل مع الضغوط الرياضية بدل الارتهان للتفسيرات الغيبية.