الريف لم يغلق الباب
خرجت من حواري مع محمد بودرا في الحلقة الأخيرة من برنامج “ضفاف الفنجان” بخلاصة لا تحتاج إلى كثير من الفلسفة ولا إلى لجنة علمية لاكتشاف الماء الساخن. المصالحة مع الريف ما زالت ممكنة. نعم، ليست سهلة ولا مجانية، لكنها ممكنة.
الإرادة العليا للدولة عبّرت عن نفسها منذ بداية عهد الملك محمد السادس، والريف فهم الرسالة يومها قبل أن يشرحها له أحد. والناس خرجوا لاستقبال الملك في الحسيمة سنة 1999 ليس لأنهم قرؤوا برنامجا حكوميا مفصلا، بل لأنهم أحسوا أن صفحة الماضي يمكن أن تطوى، وأن سوء فهم طويل بين المنطقة والدولة قد يجد أخيرا من يضع يده ليداويه.
في السياسة، تكون الدموع، أحيانا، أصدق من البلاغات. وما وصفه بودرا عن تلك الزيارة الأولى، عن الناس الذين خرجوا من القرى والجبال والبيوت، وعن الملك الذي مشى إليهم، وبينهم، وصافحهم، وعن سعيد الخطابي الذي استُقبل في لحظة رمزية، لم يكن مجرد نوستالجيا رجل عاش مرحلة جميلة ثم جلس يحكيها.
لقد كان اللقاء تلخيصا عاطفيا وسياسيا لما كان ينتظره الريف، وهو المصالحة، لا أقل ولا أكثر. لم يكن الناس ينتظرون طريقا ومستشفى وميناء وبرنامجا تنمويا فقط، رغم أهمية كل ذلك، بل كانوا ينتظرون اعترافا بأن مرحلة من التاريخ حملت ظلما وسوء فهم وتقارير كيدية وتعاملات قاسية.
لم تكن المشكلة يوما، كما قال بودرا بعبارة لا تحتمل الكثير من التأويل، في الإرادة الملكية. هذه الإرادة ظهرت مبكرا وبقوة، من خلال زيارات متكررة، ومستشفى للأورام في منطقة تعرف نسبا مرتفعة من السرطان، ومشاريع نوعية بعد زلزال 2004، وبرامج تنموية حملت إشارات قوية.
المشكلة كانت في جيوب المقاومة المتربّصة بهذه المنطقة وأبنائها، وفي الطريق الطويل بين القرار والتنفيذ، وبين الدولة كما تريد أن تظهر، والدولة كما تصل إلى المواطن في شباك الإدارة، أو في وجه مسؤول محلي، أو في برنامج يتعثر ولا يجد من يشرح تعثره.
هذه، بالمناسبة، ليست مشكلة الريف وحده. إنها عقدة مغربية أصيلة. في الأعلى توجد النوايا الكبرى، وفي الأسفل توجد التفاصيل التي تقتلها. كمن يزرع شجرة في قمة الجبل ثم ينسى أن الماء لا يصعد وحده. وفي النهاية، حين تجف الشجرة، نختلف حول من سرق الظل.
أقوى ما في شهادة بودرا أنها لا تصلح لاستعمال واحد. لا يمكن أن يستعملها طرف ضد آخر بسهولة. من يريد أن يختزلها في تبرئة كاملة للدولة سيجد فيها كلاما واضحا عن أخطاء في تدبير الحراك، وعن كون اتهام الناس بالانفصال كان خطأ سياسيا، وعن ملف ما زال جرحا مفتوحا. ومن يريد أن يستعملها ضد الدولة سيجد فيها إصرارا واضحا على أن إرادة المصالحة كانت حقيقية، وأن العلاقة بين الريف والملكية ليست كما يصورها بعض هواة القطيعة، وأن هناك دائما من اشتغل، عبر التاريخ، على الوقيعة بين المنطقة وسلاطين المغرب وملوكه.
هذه شهادة مزعجة للجميع، ولذلك فهي مفيدة.
حين يخرج شباب يطلبون الشغل والصحة والتعليم وفك العزلة، ثم يواجه جزء من هذا الغضب بتهمة الانفصال، فنحن لا نحل المشكلة، بل نمنحها رئة جديدة للتنفس تحت الأرض. الاتهامات الكبرى تشبه الأدوية القوية، قد تسكّن الألم لحظة، لكنها إذا أعطيت في غير محلها تسمم الجسد كله.
طبعا، لم يكن كل شيء بريئا. وبودرا نفسه تحدث عن خطاب بدأ يتطرف، ويرفض الحوار، ويرفض لقاء الوزراء. وتحدث عن محاولات للحوار أُجهضت لأنها وُصفت بأنها محاولة لكسر الحراك.
وتحدث عن حادثة محسن فكري باعتبارها مأساة تحولت، بفعل الروايات والشحن، إلى كرة ثلج. وتحدث عن 20 فبراير في الحسيمة بطريقة لا تخلو من أسئلة مقلقة: من جاء بالبنزين؟ لماذا تُحرق بلدية فيها أرشيف الناس ووثائقهم؟ من استفاد من تحويل الغضب إلى نار؟
أسئلة لا ينبغي أن تخيفنا، لأنها ليست تهمة جماعية لأبناء الريف، بل على العكس؛ هي تمييز ضروري بين غضب اجتماعي مشروع، وبين أياد قد تحب أن ترى النار أكثر مما ترغب في أن ترى الحل.
من بين أكثر الأفكار التي تستحق أن نتوقف عندها، وربما لم تأخذ حقها وسط ضجيج الحراك والاعتقالات والرموز، مسألة “تشتيت” الريف الأوسط. أحيانا تصنع الخرائط ما لا تصنعه الخطب والإجراءات. حين تفقد الحسيمة مكانتها كعاصمة لجهة الريف الأوسط، وتلحق إداريا بجهة الشمال مع طنجة وتطوان، وتذهب كرسيف إلى جهة الشرق، وتصبح تازة وتاونات داخل جهة فاس مكناس، فنحن لا نتحدث عن تمرين تقني في التقسيم الترابي، بل عن قرار يغير إحساس منطقة كاملة بموقعها داخل رقعة الوطن.
حين تكون مدينة مثل الحسيمة عاصمة جهة، فهي تملك مركزا تدور حوله الخدمات، والقرارات، والميزانيات، والآمال. وحين تفقد هذا الدور، يصبح الإحساس بالتهميش أكثر من شعور نفسي؛ يصبح بنية يومية.
لذلك، قد يكون أحد مداخل استئناف المصالحة، وبكل هدوء، هو إعادة التفكير في موقع الحسيمة داخل الهندسة الترابية. ليس بالضرورة عبر شعارات كبيرة أو معارك جهوية جديدة، بل عبر نقاش مؤسساتي رصين.
المصالحة تحتاج إلى ثلاث شجاعات:
الشجاعة الأولى هي الاعتراف الذي لا يعني جلد الدولة، ولا تقديم الريف كضحية أبدية، ولا تحويل كل خطأ إلى خيانة. الاعتراف يعني فقط أن نقول: نعم، حصلت أخطاء. وكان هناك ظلم. وكان هناك سوء فهم. كانت هناك تهم ثقيلة استعملت في غير موضعها. ومقاربات لم تفتح الحل بل عمقت الجرح. الاعتذار من شيم الكبار. والدول الكبيرة لا تصغر بالاعتذار.
الشجاعة الثانية هي الانفراج. لا يمكن أن نتحدث عن طي ملف الحراك بينما جزء منه ما يزال في السجن أو في المنفى النفسي أو في ذاكرة العائلات. ناصر الزفزافي، كما قال بودرا، ابن الحسيمة.
وليس مطلوبا من الدولة أن تتبنى خطاب الزفزافي، ولا من الزفزافي أن يتحول إلى ملاك بلا أخطاء، لكن بعد كل هذه السنوات من حقنا أن نتساءل: ما الذي نربحه من استمرار هذا الملف مفتوحا؟ هل يحمي ذلك هيبة الدولة؟ أم أن هيبة الدولة تكبر حين تعرف متى تعاقب، ومتى تعفو، ومتى تفتح الباب لمن يريد العودة إلى حضن الوطن دون إذلال؟
الشجاعة الثالثة هي تصحيح الخريطة السياسية والتنموية. لا يكفي أن نقول إن الحسيمة في قلب الدولة. ينبغي أن تشعر الحسيمة بذلك في موقعها الإداري، وفي فرص أبنائها، وفي علاقة شبابها بالشغل، وفي قدرة منتخبيها (أمثال محمد بودرا) على الوساطة، وفي احترام ذاكرتها. لا يمكن أن نطلب من مدينة أن تكون هادئة وهي تشعر أن دورها تقلص، وأن جغرافيتها تقطعت، وأن مركزها الإداري تراجع، وأن نخبها أخطأت، وأن أحزابها تحولت أحيانا إلى (دكاكين) جزء من المشكلة.
لهذا تكتسي شهادة بودرا قيمة خاصة. فهو ليس مؤرخا محايدا يجلس في مكتبة باردة، ولا ناشطا حرا لم يلمس كلفة القرار، ولا رجل سلطة يقرأ من ورقة. هو طبيب دخل السياسة من الجماعة، وعاش الزلزال، ورأى الملك ينصب خيمته في ميرادور والأرض تتحرك تحت الأقدام، ورأى كيف يعني حضور الملك حضور الدولة كلها، وعرف إلياس العماري في مرحلة كان فيها هذا الأخير، حسب شهادته، قناة لإيصال مطالب المنطقة إلى مركز القرار… هذه سيرة تصلح لبناء الجسر، لا لحفر الخندق.
لكن مشكلتنا في المغرب أننا لا نحسن استعمال الجسور. نتركها حتى تصدأ، ثم نتساءل لماذا لا يعبر الناس. هناك نخب محلية قادرة على الكلام مع الدولة ومع المجتمع في الوقت نفسه، لكنها تحتاج إلى أن تُسمع، لا أن تُستدعى فقط عند الحريق. بودرا واحد من هذه النخب، ليس لأنه يملك الحقيقة، بل لأنه يملك جزءا من الذاكرة وجزءا من الثقة وجزءا من القدرة على قول ما لا يقوله الموظف ولا يقوله المحتج. وأمثال هؤلاء لا ينبغي أن يوضعوا في الواجهة فقط عند الانتخابات، بل في قلب صياغة الحلول.
المطلوب اليوم مسار يبدأ بإقرار سياسي هادئ بأن ملف الريف لم يغلق. ويمر عبر انفراج إنساني في ملف المعتقلين. ويفتح نقاشا ترابيا حول موقع الحسيمة والريف الأوسط داخل الجهوية. ويراجع طريقة تنزيل المشاريع لا طريقة الإعلان عنها فقط. ويعيد الاعتبار للوساطة المحلية. ويقطع الطريق على هواة الوقيعة، من كل الجهات: من يريدون تصوير الريف كخطر دائم على الدولة، ومن يريدون تصوير الدولة كعدو دائم للريف.
أخطر ما يمكن أن يقع هو أن نترك المجال لهذين الصوتين وحدهما. الأول يقول: احذروا الريف. والثاني يقول: احذروا الدولة. وبينهما يعيش أناس يريدون مستشفى، وطريقا، ومدرسة، وشغلا، واحتراما، وذاكرة لا تهان.
الناس لا يريدون حربا رمزية لا تنتهي. يريدون دولة تفهمهم، ونخبا لا تستعملهم.
وإذا أردنا أن نقرأ حوار بودرا بإيجابية، لا بتصفية الحسابات، فسنجد فيه خيطا واضحا: الباب لم يغلق. الملك فتحه منذ البداية. والناس دخلوا إليه بالدموع والأمل. ثم تعثر الطريق بفعل أخطاء في التنفيذ، وحسابات حزبية ضيقة، وخرائط تقطيع ترابي غير موفقة، ووسطاء لم ينجحوا دائما، وخطابات تشدّدت، وأياد أدمنت الوقيعة، وأحداث مأساوية لم تجد بعد جوابها الكامل. لكن الباب لم يغلق.
هذه هي الرسالة التي ينبغي أن نلتقطها قبل أن تضيع وسط الضجيج: الريف لا يحتاج إلى أن ينتصر على الدولة، ولا تحتاج الدولة إلى أن تنتصر على الريف. الانتصار الوحيد المعقول هو ألا يضطر طفل في الحسيمة، بعد عشر سنوات، إلى اكتشاف السياسة من باب جرح جديد.
المصالحة ليست حفلا، ولا شعارا، ولا صورة على صدر الصفحة الأولى. المصالحة هي أن تعود الحسيمة إلى قلب الخريطة كما عادت، ذات يوم، إلى قلب الدولة في مشهد 1999. وأن يشعر الناس بأن الاعتراف لا ينقص من هيبة أحد، وأن العفو لا يهزم الدولة، وأن الجهة ليست مجرد اسم في مرسوم، وأن أبناء الريف ليسوا ملفا أمنيا ولا ورقة انتخابية ولا مادة للحنين، بل مواطنون يريدون فقط ألا يكون طريقهم إلى الدولة أطول من طرق غيرهم.