story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الحرية بين السماء والأرض.. من سيرفع السقف بعد 20 فبراير؟

ص ص

في ذكرى حركة 20 فبراير، تعود الأسئلة التي فتحت سنة 2011 إلى الواجهة من جديد: من يحكم المغرب فعليا؟ وكيف تتوزع السلطة؟ ولماذا بقيت المسافة واسعة بين النص الدستوري والممارسة السياسية؟ ولماذا يزيدها المنتخبون اتساعا؟

“الملك أسقط النظام” كما عنونت آنذاك “المرحومة” جريدة “أخبار اليوم” مقالا على صدر صفحتها الأولى، بينما المنتخبون المتعاقبون على الحكومات الثلاثة أسقطوا أقنعتعم واحدا تلو الاخر كلما وصل الدور على أحدهم لتحمل مسؤوليته السياسية الدستورية والتاريخية!

الملك رفع السقف، والمنتخبون عوض أن يلتصقوا بالسقف ويدفعوا بالممارسة السياسية معهم إلى الأعلى، سحبوا ذلك السقف الى الأسفل ليتحطم على رؤوسنا جميعا!

حركة 20 فبراير لم تكن فقط احتجاجا على حكومة بعينها، بل كانت لحظة مساءلة لبنية السلطة نفسها ونظام الحكم. رفعت مطالب مشروعة، بل حتمية، مرتبطة بالكرامة، والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، واختصاصات الملك المطلقة، وفصل السلط، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالملك هو الفاعل الأول في هذه البلاد! المعينون يتمتعون بصلاحيات أوسع من المنتخبين، والمجلس الوزاري الذي يترأسه الملك يملك سلطات أقوى من المجلس الحكومي الذي يترأسه رئيس الحكومة.

الملك يرأس كل المؤسسات الاستراتيجية في البلاد، ويعين في أهم المناصب المفتاحية بظهائر ملكية! والأكثر من كل ذلك أنه دستوريا فوق المساءلة والمحاسبة، بل محاط بهالة من القداسة السياسية والقانونية لم يطلبها، لكن قدمها له المنتخبون واستعملوا أصواتنا للتقرب إلى القصر في أبشع صور المبالغة في الولاء.

صدق من قال: “لو أمطرت السماء حرية لرأيت العبيد يحملون مظلة”! ورأينا جميعا كيف أمطرت 20 فبراير فرصة ذهبية لانتزاع حرية سياسية أكبر فحمل حزب العدالة والتنمية “باراصولا” حمى به نفسه وشرعن به إيديولوجيته! وتحول الحزب إلى “بارشكوك” بين الحاكم والمحكوم عليه لعشر سنوات عجاف! تلتها خمس سنوات أشد عجفا مع تجمع وطني لكل من هب ودب إلا الأحرار.

بعد 20 فبراير مباشرة كنا في حاجة لنركز في سقف هذا الوطن ليرتفع أكثر وأكثر، لكن أغرقنا بنكيران في نقاشات عن جمال “المرأة الثريا” التي تزين سقف المنزل!

اليوم، حين أسمع في كل نقاش عمومي عبارات من قبيل: “أصلا الحكومة لا تصلح لشيء! لنخاطب الملك مباشرة! لنقصده، لنطلبه، لنتوجه إليه، لنكتب له…!” أحس بالخيبة، لأن هذا النوع من الخطاب، رغم موضوعيته ومشروعيته، يعيدنا إلى المربع الأول: إلى التسليم الكامل بالحكم الفردي، وهذا بالضبط ما لا ولن يريده أي شخص يناضل للعيش في بيئة ديمقراطية!

المطلوب ليس أن نحيل كل شيء الى القصر، بل أن ننتزع من المؤسسة الملكية اختصاصات أكبر لصالح المؤسسات المنتخبة، وأن نرسخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. لأننا اليوم، ببساطة، لا يمكن أن نحاسب الملك، “وهنا غنات مي كلثوم”.

في السياق المغربي، يطرح السؤال نفسه: هل المشكلة في سقف الصلاحيات فقط، أم أيضا في نوعية النخب، وفي انتشار أنماط الزبونية والفساد عبر كل مستويات الهرم، من قاعدته صعودا كما من رأسه نزولا! من يسبق الدجاجة أم البيضة؟ هل النخب القوية هي من تنتزع المكاسب الديمقراطية أم الديمقراطية هي من تصنع النخب القوية…؟

لنتخيل أنه بإمكاننا تبني ملكية برلمانية حالا: أين هي النخب التي ستصنع المغرب الحديث؟ “مكاين غير الفاسد لخوه”، وإن لم يكن فاسدا فهو غير كفؤ، وإن كان كفؤا فهو غير نزيه، وإن كان نزيها فهو يمارس التقية!

ملكية برلمانية بدون فصل حقيقي للسلط وبدون ربط المسؤولية بالمحاسبة، ستكون كارثة! الفساد والنصب والاحتيال والجشع والنهب والسرقة سرطان ينخر وسط المسؤولين! كل ينهب قدر استطاعته ومسؤوليته ومنصبه وجيبه! في غياب نظام قضائي مستقل يعاقب ويردع ويربي ويؤطر…نظام قضائي يحاسب على قدم المساواة نقاشة الحناء التي ترتكب رسمة على أصبعك الأوسط بألفي درهم بساحة جامع الفنا ونقاشو السياسات العمومية الذين يرتكبون نقاشات عقيمة في ساحة البرلمان ومشاريع فاشلة في ساحة الحكومة!

ومن أجل كل ما سبق بالضبط كنت دائما أعتبر الانتخابات إجراء شكليا. فطالما لا توجد لجنة مستقلة فعلا عن وزارة الداخلية تشرف عليها، فإن الانتخابات تمنح وهم الاختيار، وتمنح المواطن إحساسا زائفا بالمشاركة، بينما القرار الحقيقي لا يتخذ بالضرورة بالتزوير، لكنه يتخذ عند هندسة العملية الانتخابية اداريا وترابيا وتنظيميا.

ورغم قناعتي بان السلطة الفعلية متمركزة في يد المؤسسة الملكية، بدأت أراجع موقفي من فكرة المقاطعة، لأنني فهمت شيئا أعمق:

“المقاطعة في بلد مثل المغرب لا تضعف السلطة، بل تضعف المجتمع”.

حين نقاطع، ننسحب من الفضاء العام ونتركه فارغا أمام نفس الوجوه البئيسة. لا نعاقب السلطة، بل نعفيها من أي ضغط ديمقراطي محتمل، بل نسلب حتى ذلك القليل من مظاهر الشرعية!

قد يكون التغيير بطيئا، لكن الأنظمة المتصلبة يمكن أن تلين بالتراكم الاصلاحي، عبر انجازات مؤسسة، قانونية ومستقرة. اللعبة غير عادلة، لكن حتى داخل لعبة مغشوشة يمكن للاعب الذكي أن يغير القواعد ببطء، ويوسع مساحة اللعب، بممارسة مسؤولياته الكاملة واستغلال ما يمنحه له الدستور”أبشع” استغلال! أليس هذا أحد أهم الأسقف التي يجب ويمكن ويستحب ويجوز أن ترفع؟! سقف الضمير المهني في تفعيل المسؤوليات السياسية؟!

20 فبراير لم تكن لحظة اجابة، ولم يكن مطلوبا منها أن تكون كذلك، بل كانت لحظة طرح السؤال الصحيح: كيف نربط المسؤولية بالمحاسبة! والان بعد خمسة عشر عاما أصبح السؤال كيف ننتقل من ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى بناء شروطها الدستورية والسياسية والثقافية!

كلما سمعت 20 فبراير تبادرت إلى ذهني كلمتا حرية وكرامة، ورغم أنني حينها لم أكن منخرطة في الحركة، كان لدي تحفظ منطقي لم استطع تجاوزه، يتعلق الأمر بزواج التقدميين واليساريين بالاسلاميين، وبرفضي القاطع لخلط الدين بالسياسة. كيف يمكن أن أجد نفسي في تناغم تام وتحالف شامل مع تيارات أرى أن مشروعها يخلط بين الدعوي والسياسي؟

كنت اؤمن، وما أزال، أن الوطن يتسع للجميع! المجال السياسي ينبغي أن يبقى مدنيا، والدين مجال إيمان شخصي وروحي واخلاقي… حين يدخل الدين إلى المعترك الحزبي، يصبح أداة تعبئة، وأداة صراع سلطوي، ووسيلة هيمنة إضافية، ويستعمل لإضفاء قداسة على خيارات بشرية قابلة للنقد والخطأ. فتستبدل هيمنة بهيمنة أخرى ويصير المجال العام أشد ضيقا وظلامية!

ربما لم أكن في الشارع، لكن السؤال الذي حملته الحركة كان يسكنني: سؤال الحرية، وسؤال الكرامة. وما أزال أعتقد ان المعركة الحقيقية ليست بين تيارات إيديولوجية وسياسية، بل بين من يريد فضاء عاما مفتوحا للنقد والمحاسبة، ومن يفضل بقاءه محكوما بالمقدس، أيا كان مصدره دينا كان أو “مخزنا”.

الحرية تبنى حين يصبح الدفاع عنها ممارسة يومية داخل المؤسسات، وفي الاعلام، وفي النقاش العمومي، وفي الضمير الفردي. ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي تركته لنا 20 فبراير، وما يزال مفتوحا.

ربما الحرية لا تمطر من السماء فقط، بل قد تكون بذرة تزرع وتحرث في تربة لا تخاف الضوء، ثم تسقى قطرة قطرة حتى تنبت أشجارا وتلد ثمارا سيحين وقت قطافها!