story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

الحرب العارية

ص ص

كما كان يحدث دائما في لحظات الدم الكبرى، لا تُستهدف الأجساد وحدها، بل تُستهدف العقول أولا لحملها على أن ترى النار بغير لونها، وتقبل بأن يُسمّى القصفُ الذي يقتل ويشرّد ويدمّر “إنقاذا”، وأن تُقدَّم الحربُ بوصفها ضرورة أخلاقية، ونثرا للورود، ونشرا للحرية، لا خيارا سياسيا.

لهذا، عندما سمعتُ في جلسة حوارية أخيرة ضمن برنامج “من الرباط”، لم تنشر بعد إلى حدود كتابة هذه السطور، إشارة الصديق عبد الله الترابي إلى كون أكثر من ستين في المئة من الأمريكيين، لا يؤيدون الحرب الحالية على إيران وفقا لآخر استطلاعات الرأي الموثوقة، تذكّرت فورا ذلك الكتيّب الذي قرأته في خزانة المعهد العالي للإعلام والاتصال قبل نحو عشرين عاما وأنا طالب أدرس الصحافة، لنعوم تشومسكي، والذي يحمل عنوان “السيطرة على الإعلام”، بوصفه دليلا عمليا في كيفية تحويل الحقيقة إلى مادة قابلة للتضليل، وكيف يُدفع الرأي العام إلى حيث لا يذهب من تلقاء نفسه، ثم يُقنع لاحقا بأنه ذهب بإرادته.

ولأنك، مهما لبستَ درعا ضد تلوث المنصات الرقمية، لا تستطيع أن تعيش خارج ضجيجها تماما، وقعتُ على تدوينة للصديقة آمنة ماء العينين، تقول بوضوح جارح، إن هذه الحرب “عارية”، لكونها تجري بلا غطاء سياسي محكم، وبلا سردية قادرة على جمع الغرب كما جمعته حكايات سابقة، وبلا رأي عام كبير ينحاز إلى “واجب” التدخل بعد جرعات التضليل التي كانت تُحقن في الوعي حقنا.

الفكرة، في جوهرها، ليست أن الولايات المتحدة تخلّت فجأة عن أدواتها القديمة في صناعة الدعاية السياسية، بل أن الأدوات نفسها بدأت تفقد قدرتها التقليدية على السحر؛ وأن ماكينة الدعاية، التي كانت تُسَوِّق الحروب في الشرق الأوسط بوصفها مسارا لإنقاذ العالم، باتت تُقابل هذه المرة بقدر أكبر من الشك، وبمساحة أعرض من الرفض.

هنا يعود تشومسكي، لا كاسم يُلوّح به في بعض النقاشات والفضائح الأخيرة، بل كمنهج قراءة، يبرهن أن الإعلام “السائد” (Main stream) والمسيطر ليس مجرد ناقل، بل مُنظِّم للمعنى، ويمارس وظيفة شبيهة بوظيفة الهراوة في الدكتاتورية؛ لا لضرب الناس في الشارع، بل لضرب قدرتهم على رؤية ما يحدث فعلا، وعلى ترتيب الأولويات، وعلى رؤية ما يُخفيه “الإجماع” المصنوع.

في العراق وأفغانستان، كانت الحكاية تُبنى بتقديم المشتهد على أنه “تهديدٌ داهم”، ثم تأتي لحظة الحرب “الوقائية”، فمهمة “التحرير”، ليُستكمل البناء بخصم شيطانيّ يُختصر في صورة واحدة، وبمفردات جاهزة تُتلى حتى تتحول إلى بداهة.

أما اليوم، في الحرب على إيران، فإن الحكاية تتعثر في منتصف الطريق؛ لأن المفارقة أكبر من أن تُوارى بسهولة. وإلا كيف ستُرفع راية “القضاء على الخطر النووي” في لحظة تتأبط فيها واشنطن ذراعَ أكثر قوة نووية إثارة للرعب في الإقليم، لتواجه دولة يعرف العالمُ أصلا أنها لم تصل بعد إلى سلاح نووي؟

لكن علينا أن ننتبه إلى أن هذا الانكشاف في السردية لم يولد اليوم، بل بدأ منذ حرب غزة الأخيرة. هناك، على نحو غير مسبوق، تكشّف العطب، وخرجت الجماهير في عواصم غربية كثيرة ضد الرواية الرسمية، وتنامت المسافة بين ما تقوله الشاشات وما تراه العيون في صور الخراب والضحايا.

ومع تراكم الزمن، صار الإعلام الذي كان يصنع الإجماع يُواجَه بوعي مضادّ أكثر عنادا، وبسؤال عن العدالة لا يتوقف عند هوية الضحية، وبنزعة أخلاقية تُربك الحسابات القديمة، جعلت من شبه المستحيل الإقناع بأن كل ما يُقال “دفاع عن النفس”، ينبغي أن يُستقبل بالتصديق.

كأن غزة لم تُسقط قنابل على الأرض فقط، بل أسقطت جزءا من حصانة السردية في الوعي الغربي، وفتحت ثغرة لم تعد تُسدّ بسهولة.

وما يجعل الحرب الجارية على إيران أكثر ارتباكا، أن الرفض لا يأتي فقط من الشارع، بل يتسلل حتى إلى داخل المؤسسة السياسية الأمريكية نفسها. السناتور كريس مورفي خرج من إحاطة مغلقة حول الحرب ليقول، بوضوح لا يجامل، إن ما سمعه “غير متماسك”، وإن الأهداف المعلنة غير قابلة للتحقق، واصفا ما يجري بأنه “كارثة هائلة” وفشلٌ كبير خلال أيام قليلة.

وحين نضيف إلى ذلك مزاج الرأي العام، تتضح صورةُ “الحرب العارية” أكثر. استطلاعُ كوينيبياك المنشور في 9 مارس 2026 سجّل أغلبية تعارض الضربات الجوية ضد إيران، ومعارضة أكبر لفكرة إرسال قوات برية، مع تفضيل واضح للمسار الدبلوماسي.

وعندما يكون المجتمع متعبا، وممزقا داخليا، وقريبا من استحقاقات سياسية حساسة، مثل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأمريكية، يصبح بيعُ الحرب أصعب حتى لو امتلكتَ أضخم مكبرات الصوت.

محاولةُ تمرير قرار تقييد “صلاحيات الحرب” لوقف استخدام القوة في إيران دون تفويض تشريعي سقطت في مجلس الشيوخ بفارق ضيق نسبيا، مع بروز اصطفافات حزبية تقليدية، لكن مع اختراقات تدل على أن الإجماع ليس صلبا كما يبدو، وأن سؤال من يملك قرار الحرب يعود إلى السطح في لحظة حاسمة.

مؤشرات تدلّ على أن هذه الحرب مرشحة لأن تتحول إلى عبء انتخابي بالنسبة لدونالد ترامب، لأن الخسارة هنا لا تُقاس فقط بعدد الضربات، بل بمدى قدرة الإدارة الأمريكية على إقناع الناس بأنها تعرف ما تفعل، ولماذا تفعله، وإلى أين تمضي.

تشومسكي، ومهما قيل خارج كتبه، يبقى مفيدا في هذا الموضع تحديدا لأنه يذكرك بأن أخطر ما يُصنع في زمن الحرب ليس الصاروخ، بل “الرضا” الذي يسبق الصاروخ ويبرره.

وما دام هذا الرضا اليوم أقل وفرة، فإن الحرب تبدو، على غير عادة واشنطن، أقل فعالية، وأكثر انكشافا، وأقرب إلى أن تكون “غلطة الشاطر”، أي تلك اللحظة التي يُعتقد أنها ضربةٌ حاسمة، فإذا بها قشةٌ جديدة تُثقل ظهر بعير سياسيّ متعب أصلا.