الحرب الإيرانية الإسرائيلية.. محاولة للفهم
1-صراع النفوذ في الشرق الأوسط.. لماذا الحرب على إيران؟
يخضع الصراع الحالي في الشرق الأوسط، والذي يتم أساسا بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، لعدة عوامل، هي بمثابة العناصر الدينامية المحددة لطبيعة حركته، لمدى جموده أو اشتغاله. تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تعديل الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وذلك لفائدة تراجع سيطرتها العسكرية والسياسية المكلفة، وبما يضمن استمرار هيمنتها الاقتصادية وفق المنهج الجديد.. وليس هذا المنهج غير تصريف المنتوج والاستثمار الأمريكيين، بدل الأرباح غير الإنتاجية التي كادت تعصف بالاقتصاد الأمريكي..
ترفض إيران هذه السياسات الأمريكية الجديدة، أو لنقل إنها ترفضها تكتيكيا ومؤقتا ما دامت لا تخدمها حاليا، وما دامت تصطنع عجلة ليست في صالح الإيرانيين أو تؤسس لشرق أوسط جديد على حساب مصالحهم.. هذا ما يفسر بالضبط التساكن التكتيكي، والذي يستحيل تقاطعا تكتيكيا أحيانا، بين واشنطن وطهران.. ولذلك فقد استبقت إيران هذا الواقع بإعداد عدتها التوسعية (المحور) والطاقية (تخصيب اليورانيوم) والصاروخية (الصواريخ البالستية المتنوعة والفتاكة) والفضائية (الصواريخ والأقمار الفضائية) والإيديولوجية والسياسية (بنية عقدية ومؤسساتية متراصة متماسكة).. هذه عدة إيران لكل حرب تهدف إلى انتقال لا يراعي موقعها الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
وأما اليمين المتطرف الإسرائيلي، فينظر إلى إيران تهديدا وجوديا كبيرا من عدة جوانب: يطور سلاحا فتاكا كالذي لديه، ويهدده قريبا من حدوده الجيوسياسية عن طريق تنظيمات “المحور”، ومن بعيد عن طريق الصواريخ البالستية، ويحد من الأطماع التوسعية لاستراتيجية “إسرائيل الكبرى”، ويحول بين “إسرائيل” وبين هيمنتها الإقليمية على الاستراتيجيات العربية والتركية الخ، ويشتت تركيزها ما يسمح لدول المنطقة بمساحات من المناورة والضغط والتكتل… لعلها أهم المحددات التي تجعل من إيران نقيضا وجوديا مستعجَلا للكيان الصهيوني في الشرق الأوسط.
وتجد الدول العربية نفسها، خاصة تلك القريبة من إيران وتربطها تحالفات وثيقة مع أمريكا (الخليج، الأردن، مصر)؛ تجد نفسها بين تناقضين: تناقض تكتيكي مع إيران (رغم إمكانات التوافق الاستراتيجي معها)، وتناقض استراتيجي مع أمريكا-“إسرائيل” (رغم التقاطعات والاتفاقات التكتيكية معها).. هناك من يرفض هذا التحليل، إلا أنه يفرض قوته موضوعيا، ما دام الرأسمال الإمبريالي الغربي نقيضا استراتيجيا التقدم العربي، وما دامت البورجوازية الإيرانية الصاعدة غير ذات نزوع هيمني (وذلك رغم توسعها التكتيكي والمرفوض في الوطن العربي، وهذا غير التناقض الاستراتيجي).. إلى أي كفة ستميل الاستراتيجية العربية؟ إلى الكفة الأمريكية، فيتغول عليها اليمين الإسرائيلي المتطرف؟ أم إلى الكفة الإيرانية، فتفقد قدرتها على مدافعة تهديدها التكتيكي؟
في هذه النقطة بالذات يقع الخلاف بين الاستراتيجية العربية والاستراتيجية الأمريكية-“الإسرائيلية”.. ليس في مصلحة الوطن العربي إيران المتغولة المتوسعة، كما ليس في مصلحته شرق أوسط يصول فيه اليمين الإسرائيلي المتطرف ويجول.. وليست سوريا بعد إسقاط نظام بشار الأسد عنا ببعيدة. السيناريو “الأصلح” والأقرب إلى القبول عربيا هو: تعديل السياسات الإيرانية وتراجع توسعها في الوطن العربي، ثم فتح صفحة علاقات جديدة مع إيران. وهذا ما بدأتها السعودية وعيا منها بواقع المنطقة، إلا أن سيناريوهات الحرب وتقلباتها -بما في ذلك قصف مواقع في دول الخليج والأردن- غدا يهدد هذا الاجتهاد المعقد.
2-أهداف اليمين الإسرائيلي من الحرب على إيران
لقد انكشفت لليمين الإسرائيلي المتطرف، بعد إضعافه لحركة “حماس” في غزة، وبعد تراجع مساحة سيطرة “حزب لله” في لبنان، وكذا توسعه في سوريا بعد إسقاط نظام بشار الأسد؛ بعد كل ذلك، انكشفت له أضواء خضراء للهجوم على إيران في عقر دارها، بعدما كبح جماحها الجيوسياسية في حدودها الكبرى.. تم هذا الهجوم على مراحل: باغتيال قيادتها خارج حدودها (اغتيال عناصر من “فيلق القدس” في دمشق، وكذلك في الضاحية الجنوبية لبيروت، خلال العدوان الذي تلا السابع من أكتوبر 2023)، واغتيال رئيس “حماس” ومرافقيه على أراضيه وفي إقامة تابعة للحرس الثوري، ثم باستهداف بعض منشآتها وقياداتها العسكرية في حرب الـ 12 يوما، وأخيرا بالضربة الأخيرة التي اغتيل على إثرها المرشد الإيراني الأعلى وعدد من قيادات الصف الأول العسكرية.
ما يريده الكيان من هذه الضربة لا يقف عند حدود اغتيال قيادات النظام الإيراني وتجريده من مشروعه النووي، بل يتجاوز ذلك إلى أغراض أخرى يستهدفها اليمين الإسرائيلي المتطرف في هذه الحرب. وأول هذه الأغراض، القضاء على اليمين النقيض، وليس هذا النقيض غير الطرف الحاكم في إيران حاليا والمسيطر على مؤسساتها الأمنية والعسكرية والمدنية، وكذا على الإيديولوجيا المؤطرة لعموم الشعب الإيراني بما يعنيه ذلك من مِنعة وقدرة على الصمود، وبالتالي الاستهداف المستدام للوجود “الإسرائيلي” في المنطقة.. وما استهداف القيادات والمشروع النووي سوى مرحلة من مراحل استراتيجية “القضاء على اليمين النقيض في إيران”.
ومن جهة ثانية فإن النظام الإيراني الحالي يعرقل التوسع في خريطة “إسرائيل الكبرى”، وهي الخريطة التي تشمل في أدبيات “اليمين الإسرائيلي” لبنان والأردن وفلسطين وسوريا وأجزاء من العراق وأجزاء من السعودية.. التوسع في سوريا مطوَّق بالمصالح التركية والإيرانية (وإن يقدر أقل)، التوسع في لبنان بالمصالح الإيرانية من خلال “حزب الله”. أما توسع “الكيان” في فلسطين فمطوَّق بالفصائل الفلسطينية المتحالفة مع إيران في غزة، وبمصالح الأردن في الضفة الغربية.. التوسع في مصر وفي سوريا مستبعد حاليا، ما دام الخطر الإيراني قائما وما دام البلدان معا يستثمران الصراع الإيراني-“الإسرائيلي” لمصلحتهما.. جانب آخر من معيقات هذا التوسع، وجود “الحوثيين” في اليمن، فرغم الضربات التي تعرضوا لها ما زالوا يستمدون جزءا كبيرا من قوتهم من بقاء النظام الإيراني.
هذا ويتوقع اليمين الإسرائيلي المتطرف أن تراجع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة على عهد إدارة دونالد ترامب، سياستها في الشرق الأوسط، وهي سياسة ذات بعد استراتيجي لا تكتيكي فحسب.. بما يعنيه ذلك من تأسيس لنوع من التوازن بين القوى الإقليمية في المنطقة، الوطن العربي وإيران وتركيا و”إسرائيل”.. هذا التوازن يعتبره اليمين الإسرائيلي عقبة في وجه توسعه، وربما يفضي إلى اضمحلاله وزواله في ظل الشروط الدولية الجديدة والمتفاقمة عكس مصالحه ومصالح حاميه الرجعي في الولايات المتحدة الأمريكية (المجمع الصناعي العسكري). وإذا كانت إدارة ترامب ترى في تدخلها ضد إيران خطوة ضرورية للردع وتعديل السياسة الإيرانية في أفق التوافق مع الشرق الأوسط الجديد، فإن إدارة نتنياهو ترى في التدخل الأمريكي توريطا يحول دون تبلور الشرق الأوسط الجديد إلا على أنقاض كافة القوى الإقليمية باستثناء “إسرائيل”، وبدون توازن استعداد لحروب جديدة وعمليات جديدة من السيطرة والتوسع.
الهدف الرابع لليمين “الإسرائيلي” المتطرف، من خلال حربه على إيران، توسيع الهوة ومباعدة الشقة بين إيران ودول الوطن العربي، أيضا بينها وبين تركيا.. ومنع تشكل حلف عربي-عربي أو عربي-إسلامي (إيران/ تركيا/ باكستان)، إذ قد تأتي رياح التحولات الجيوسياسية -خاصة مع التراجع الأمريكي المتفاقم- بما لا تشتهيه سفن “كيان” مطوَّق بالوجود العربي الإسلامي.. لم يكن التقارب السعودي-الإيراني صدفة، ولم تكن الوساطة الصينية في المصالحة مجرد خبطة عشواء، ولم تكن الدينامية التركية الأخيرة في علاقتها بمصر ودول الخليج بلا تفسير جيوسياسي، كذلك الاتفاق الاستراتيجي بين السعودية وباكستان، كذلك التفوق الباكستاني في حربها الأخيرة مع الهند، وأيضا التقارب المصري الإيراني مؤخرا.. كل هذا تقرأه “إسرائيل” بعين جيوسياسية لا تستأمنه.. فإذا اصطنت تناقضا عربيا-إيرانيا ستكون قد حققت خطوة مهمة في تفكيك محيطها الجيوسياسي، وبالتالي إضعافه واستبعاد خطره وإمكانات نهوضه وتحرره في الشروط الجيوسياسية الجديدة أو المستقبلية.
هناك مسألة أخرى لا ينتبه إليها كثير من المحللين، وهي رغبة “اليمين” في نسف كل طريق إلى الحوار، بما في ذلك اتفاقيات “التطبيع”، منذ كامب ديفيد إلى اليوم.. إنه لا يريد لهذه الاتفاقيات أن تؤسس لسلام حقيقي، ولا يريد لها أن تنحو منحى سلام المنطقة.. يريد أن يجعل منها واجهة للاختراق والابتزاز والضغط والتغول والسيطرة. يقبل بها كقناع للعنف، لا كسلام حقيقي.. إنه بحربه على إيران يسعى من جهة إلى استمرار الحرب رغم كثرة حديثه عن السلام، ومن جهة أخرى يسعى إلى إضعاف الموقف العربي-الإسلامي لإنتاج شروط سلام غير متوازن تميل كفته لمصلحة “الكيان”.. السلام الوحيد الناجح هو الذي يتأسس على توازن القوى، وهو ما يرفضه “اليمين الإسرائيلي”، لأن ذلك يعني وضع القدم الأولى على طريق زواله.
3-الحرب على إيران: الموقف الحقيقي لإدارة دونالد ترامب
لا تخفى على الملاحظ بعض معالم الفوضى المتسمة بالتعقيد في النظام الدولي، وهو نظام مقبل على حتفه على ما يبدو، وإلا لما كان للتوترات وحلولها المتعسرة معنى.. في كل نقطة من نقط التوتر حربٌ لا تكاد تنتهي حتى تبدأ، وفي كل ملف شائك لا يُقرَّر حلّ حتى تخرج من بطنه مشاكل جديدة.. الفوضى دليل على قرب الانعتاق، بلوغ القهقرى في النظام الدولي الظاهر دليل على تشكل نظام دولي جديد في باطنه.. حركية القوى اليوم ما هي إلا دينامية مشتركة لتأمين مواقع مريحة في المستقبل، الأمريكي نفسه يفعل ذلك..
فالأمريكي ليس في حربه مختارا، بل إن اضطراره لها شديد.. تدخله في الشرق الأوسط يورِّطه، انسحابه منه يُميل الكفة لصالح نقيضه (الصين خاصة)، ويعجل بقلب الطاولة على مصالحه في منطقة متوترة قد تُحسَم لأصحاب الأرض كلما تحرروا من الضغط الأمريكي، ووجدوا العون لدى نقيضه.. في حالة كهذه، تصبح الحرب تكتيكا للحماية، لا استراتيجية منتجة للربح المباشر. حرب تحفظ أو ترسي الهيمنة، وبالتالي لا تسعى إلى سيطرة.
هناك مخطط لتجديد النفوذ والسيطرة في الشرق الأوسط، لتأسيس علاقات جديدة مع دول المنطقة؛ لكن بعض المعيقات تحول دون ذلك وتؤخر وتعرقل مشروع الإدارة الأمريكية الجديدة.. يتجلى الهدف الأبرز لإدارة دونالد ترامب في ضمان حركية الرأسمال المدني الأمريكي في الشرق الأوسط، وهو ما يقتضي وجود نوع من الاستقرار، بما يعنيه ذلك من إنجاح لاتفاقيات التطبيع، وتعديل السياسات الإيرانية لصالح المخطط، ومن أجل سحب البساط تحت أقدام “اليمين الإسرائيلي المتطرف”، وهو الذي لا يفتأ يتحجج بوجود نقيض “يميني إيراني أو فلسطيني” يحول بينه وبين قبول مخططات إدارة ترامب.
والأرجح أن الإدارة الأمريكية لا تريد أكثر مما تستطيع في هذه الحرب، وأنها دخلت حربها مع إيران تريد بها الردع والوصول إلى اتفاق مع الإيرانيين دون تمكينهم مما يريدون، خاصة في ما يتعلق بالمشروع النووي والترسانة الصاروخية.. فمن شأن هذا الردع أن يحدّ من قدرة إيران على عرقلة المخطط الأمريكي في الشرق الأوسط، كما من شأنه أن يلزم “اليمين الإسرائيلي المتطرف” بذات المخطط.. ولا نرى أن أمريكا أريد بهذه الحرب القضاء على إيران الحالية، إلا إذا أسفرت تحولات الحرب عن ضرورة ما، خاصة في ظل اختلاف استراتيجيتي أمريكا و”إسرائيل”، رغما تقاطعهما والتنسيق القائم بينهما استراتيجيا وتكتيكيا.
لا نرى أن الأمريكي يطمح أكثر من ردع الحرس الثوري الإيراني وفسح المجال أمام سيطرة إصلاحيي إيران على الحكم.. فليس اليوم هو الأمس، ضرب إيران مختلف عن غزو العراق، الصين اليوم ليست هي الصين بالأمس، روسيا المتعافية إلى حد ما ليست روسيا التي لتوها تتعافي من سقوط الاتحاد السوفييتي، عرب الأحادية القطبية غير عرب تشكل الأقطاب الجديدة، الأمريكي المتقوقع على ذاته غير الأمريكي المتعطش للتوسع واقتصاد السيطرة.. هذه الشروط تقف إلى جانب إيران اليوم، ويجب أخذها بعين الاعتبار.. أقصى ما يمكن أن يفرزه الضغط في إيران، هو تعديل السياسات وتبني رؤية أكثر إصلاحية.. في انتظار تقلبات الحرب والإمكانات التي تفسحها مجرياتها الميدانية والجيوسياسية..
4-أربع سيناريوهات للحرب على إيران
في خضم الحرب القائمة في الشرق الأوسط، ومن ناحية جيوسياسية، يجب التمييز بين واقعين مطروحين على الطاولة: واقع تعدّل فيه إيران بعض سياساتها دون أن يسقط نظامها الحالي، وواقع يسقط فيه نظامها وتصبح فيه طهران منفتحة على سيناريوهات مختلفة. في الواقع الأول، يمكننا الحديث عن شكلين لتعديل السياسات الإيرانية، إما من خلال انتقال الحكم للإصلاحيين وما يعنيه ذلك من تراجع لسياسات المحافظين ومؤسساتهم الأبرز (الحرس الثوري/ مجلس خبراء القيادة/ مقر خاتم الأنبياء/ الخ) ونهج سياسات أكثر اعتدالا في العلاقة بالمعارضة (داخليا) والدول العربية و”إسرائيل” (إقليميا) وأمريكا (دوليا)، أو من خلال تغيير باطني للسياسات بممارسة نوع من التوجهات الإصلاحية تحت عباءة الإرشاد الجديد وهذا أمر وارد إذا أخذنا بعين الاعتبار التقارير التي تحدثت عن شخصية مجتبى خامنئي وتكوينه ومساره ورؤيته.
أما إسقاط النظام بالطريقة التي يريدها الكيان الصهيوني، أي باستمرار القصف في انتظار إضعاف النظام وخروج فئات من الشعب الإيراني للاحتجاج ودخول بعض الفئات (الأكراد/ العرب/ مجاهدي خلق/ الخ) في صراع محتدم مع النظام الإيراني الحالي في ظروف ضعفه إذا تحققت.. قلتُ: أما إسقاط النظام بهذه الطريقة، ففضلا عن أنه مستبعد، فإن وقوعه يحتمل تغييره بنظام جديد يدعمه الحلف الأمريكي-“الإسرائيلي”، كما يحتمل تفكك الدولة الإيرانية ودخولها زمن الحروب الأهلية. سنكون آنئذ أما سيناريو “سوريا مكررة” أو “اليمن مكررة”، بدخول قوى إقليمية ودولية على الخط، وباستثارة الخلافات المذهبية والعرقية والطائفية والإيديولوجية التي تارة ما تتصاعد إلا في شروط التفكك والضعف.
هي ثلاثة سيناريوهات إذن، انتقال الحكم للإصلاحيين، تعديل باطني للسياسات الإيرانية، تغيير النظام بالعنف.. وقد يقع سيناريو رابع قبل أن يتحقق أحد هذه السيناريوهات الثلاثة، ونقصد به سيناريو اتساع الحرب، بالتدخل المباشر لدول حلف “الناتو” و دول الخليج من جهة، والصين وروسيا وكوريا الشمالية من جهة أخرى.. وربما تتسع التوترات لتشمل مواقع أخرى (نقطة التوتر بين باكستان والهند/ نقطة التوتر بين المغرب والجزائر/ تصعيد الحرب بين روسيا وأوكرانيا/ الحرب بين الكوريتين/ بين الصين واليابان/ الخ).. في هذه الحالة سنكون أمام حرب عالمية ثالثة صريحة، الأمر الذي قد يعجل بالنظام الدولي الجديد.. وربما تختفي فيه دول وتتفكك، وتظهر تكتلات دولية جديدة.
أرى أن أغلب الدول العربية والإسلامية لا ترى مصلحة سقوط النظام الإيراني، بقدر ما تفضّل رجحان كفة “الإصلاحيين” داخل النظام، وفي ذلك مصلحة لإيران والمنطقة معا. أما سقوط النظام الإيراني فهو لا محالة، خاصة إذا ارتبكت معه إيران وتقزم وزنها الإقليمي، سيؤدي إلى تشكل شرق أوسط لمصلحة الكيان، في انتظار الدور على مصر وتركيا والسعودية وباكستان.. هذا ما يفسر المصالحة السعودية الإيرانية بوساطة صينية، وتصاعد التنسيق مؤخرا بين مصر وإيران، ودخول تركيا في مفاوضات لبحث حل عاجل للمسألة الإيرانية بما في ذلك وقف الحرب.
يجب التمييز إذن بين الاختلاف سياسيا وجيوسياسيا مع إيران، وبين المبالغة في هذا الاختلاف أو التناقض حدّ “توجيه البندقية إلى الخلف” بتعبير العربي مفضال (في كتابه “حزب التقدم والاشتراكية وأزمة الخليج: عندما يرتد السلاح إلى الخلف”). ملاحظة أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار: لا يصح القبول بعربدة اليمين “الإسرائيلي”، وفي المقابل توجيه سهام النقد والاتهام ليمين “المقاومة”.. هناك نوع من التوازن بين اليمينين، على فداحة جرائم الأول، وأخطاء الثاني، في المنطقة.. لكن لا يتوارى الثاني إلا ليتغول الأول.. كل توازن جيوسياسي في الشرق الأوسط فهو في مصلحة دول الوطن العربي، مهما تحفظت على “التحرشات” الإيرانية في بعض مناطق توسعها عن طريق حلفائها (الفصائل). هناك فرق دقيق بين كبح جماح إيران، بين رسم لحدود نفوذها، وبين اختلال ميزان القوى في المنطقة لصالح “اليمين الإسرائيلي المتطرف”..