البودكاست كلون إعلامي جديد: بين واقع مفروض وشكل “مهني” مرفوض
لم يعد “البودكاست” مجرد ظاهرة عابرة أو تجربة هامشية في عالم الإعلام، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى جنس صحافي جديد يفرض نفسه بقوة داخل الفضاء الإعلامي. هذا التحول لم يكن وليد فراغ، بل جاء نتيجة تغير عميق في أنماط الاستهلاك الإعلامي، وفي علاقة الجمهور بالمعلومة، وفي درجة الثقة التي يمنحها للوسائط التقليدية. ففي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، سارعت كبريات المؤسسات الإعلامية إلى احتضان هذا الشكل الجديد، ليس باعتباره بديلا عن الإعلام الكلاسيكي، بل كامتداد طبيعي له، وأداة إضافية لملامسة جمهور يبحث عن العمق، والشرح، والمساحة الزمنية التي تسمح بفهم أعقد القضايا.
البودكاست، في جوهره، يقوم على كسر منطق السرعة والاختزال الذي طبع الإعلام التقليدي، ويعيد الاعتبار للحوار المطول، وللرأي المعلل. غير أن هذا “التحرر” من القوالب الصحافية الكلاسيكية جعله في الوقت نفسه فضاء مفتوحا على كل الاحتمالات: من تجارب رصينة تضيف قيمة حقيقية للنقاش العمومي، إلى محتويات سطحية أو متسرعة تفتقد لأبسط قواعد التحقق والمسؤولية. ومع ذلك، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في هذا التفاوت، بل في التحول البنيوي الذي أحدثه البودكاست فيمن يحتكر الكلام ومن يصنع الخطاب.
في السياق المغربي، اتخذ هذا التحول بعدا أكثر حساسية. فخلال السنتين الأخيرتين، عرف البودكاست انتشارا لافتا، خاصة في المجال السياسي، حيث وجد عدد من الفاعلين والقيادات السياسية فيه فضاء بديلا للتعبير، بعد أن ضاقت بهم بلاتوهات الإعلام الرسمي والكلاسيكي، أو لم تعد تستضيفهم إلا في حدود ضيقة، محكومة بسقوف تحريرية صارمة. في هذه المنصات الجديدة، استعاد النقاش السياسي شيئا من حرارته، وعادت الأسئلة الكبرى إلى التداول، بجرأة لم تكن ممكنة في كثير من الأحيان داخل القنوات التقليدية.
لكن هنا بالضبط تبدأ الجدلية. فالبودكاست، الذي ينظر إليه في التجارب الغربية كمكمل للإعلام التقليدي، تحول في المغرب إلى ما يشبه “البديل القسري”. وهذا التحول لا يمكن فصله عن أزمة الثقة التي يعيشها الحقل الإعلامي، ولا عن النقاش المستمر حول استقلالية الخط التحريري، ولا عن ثقل الرأسمال والإشهار في توجيه المضامين. ففي واقع تحدد فيه في أحيان كثيرة المواضيع المسموح بها، وزوايا المعالجة المقبولة، وهوية الضيوف المرغوب فيهم، يصبح من الطبيعي أن يبحث الفاعلون عن منافذ أخرى للظهور.
هذا الواقع هو ما يفسر التوجس، بل والرفض الصريح، الذي يبديه اليوم عدد من المهنيين في الساحة الإعلامية، إلى جانب بعض مالكي المنابر والمؤسسات المهنية. فبالنسبة لهؤلاء، لا ينظر إلى البودكاست كفرصة لتجديد الممارسة الإعلامية، بل كتهديد مباشر “للتوازن” القائم، وكفضاء غير مؤطر قد يفتح الباب أمام الفوضى، وتداخل الأدوار، وضرب ما تبقى من مصداقية العمل الصحافي. لذلك، صدرت مواقف تدعو صراحة إلى “التصدي” لهذا الشكل الإعلامي، أو على الأقل إخضاعه لإطار قانوني وتنظيمي صارم، بدعوى الحفاظ على “توازن” المشهد الإعلامي وحمايته.
غير أن هذا الطرح، في عمقه، يثير أكثر من سؤال. هل الإشكال فعلا في البودكاست كوسيط؟ أم فيما يكشفه هذا الوسيط من اختلالات قائمة؟ وهل يمكن إعادة التوازن إلى المشهد الإعلامي عبر المنع والتقييد، أم عبر إصلاح جذري يعيد الثقة إلى الإعلام الكلاسيكي ويجعله قادرا على التعايش مع الأشكال الجديدة؟
إن الخلط بين التنظيم والمصادرة، وبين التقنين والخوف من المنافسة، يهدد بتحويل هذا النقاش إلى معركة خاطئة الاتجاه. فالتوازن الإعلامي لا يبنى بإقصاء شكل جديد لمجرد أنه غير مألوف، بل بإرساء قواعد واضحة تطبق على الجميع، أساسها المهنية، والمسؤولية، وحق المتتبع في الوصول إلى معلومة متعددة الزوايا. كما أن الدفاع عن الصحافة لا يكون بحماية الامتيازات القديمة، بل بتجديد أدواتها، وتوسيع هوامشها، واستعادة دورها كسلطة نقدية مستقلة.
في هذا السياق، يبدو البودكاست مرآة أكثر منه سببا. مرآة تعكس عطش المجتمع إلى نقاش أعمق، وإلى خطاب أقل تصنعا، وإلى إعلام لا يتحدث “نيابة” عن الناس، بل يفتح لهم المجال للكلام. وهو، رغم كل نقائصه، يظل تجربة إيجابية في ساحة إعلامية يطبعها في كثير من الأحيان التقيد بخطوط تحريرية لا تفرضها هيئة التحرير بقدر ما يفرضها الرأسمال وموازين النفوذ.
الخلاصة أن الجدل القائم حول البودكاست ليس نقاشا تقنيا حول وسيلة جديدة، بل نقاش سياسي وثقافي حول من يملك الحق في الكلام، وكيف ينتج الخطاب العمومي، وأي إعلام نريد. فإما أن نختار طريق التعدد والتكامل، حيث تتعايش الأشكال المختلفة في إطار من المسؤولية، وإما أن نستمر في منطق الرفض والدفاع عن نموذج يزداد انفصاله عن جمهوره يوما بعد يوم. وفي كلتا الحالتين، يبقى البودكاست واقعا مفروضا، لا يمكن تجاهله، بل فقط فهمه والتفاعل معه بذكاء.
المهدي الزوات، محام وفاعل سياسي